فاطمة ناعوت

فاطمة ناعوتتأخذ الأشياء قيمتها لكيفها أو لكمّها. الأيامُ أيضا. ليس صحيحا أن الأيام متساوية الطول. ربما فلكياً ورياضيا. ولأني أحترم الرياضيات لا أعوّل عليها. الأيام تختلف طولا وقصرا، بطئا وسرعة، بحسب شعورنا بها. عنيدةٌ. حين نوّد ألا تمر، تنخطف كبرق، وحين نشكو من بطئها تزداد إلحاحا كأنها الدهر. يومان لا أنساهما: أجمل يوم، وأطول يوم في التاريخ. وهو خاصتي ولا علاقة له بالسيد داريل زانوك. حين "اعتُقلت" خمسا وعشرين ساعة في المطار. والسبب أنني أحرص على الوقت من حرص يهودي على المال. أكره الانتظار ولا أكفّ عن التعجب من فلاديمير واستراغون اللذين انتظرا غودو نصف قرن كاملاً. أكره الانتظار. ولا سيما في المطارات. لذلك لم أنصع يوما لتعليمات موظفة مكتب الطيران بأن أكون في المطار قبل إقلاع الطائرة بساعتين ونصف ساعة. ساعتان ونصف ساعة؟!!! يا لهول ما يطلبون! أنا لا أقدر أن أمكث ثلاث دقائق من دون أن أكون مشغولةً بشيء. وهنا سبب نفوري من التلفزيون. لأن المرء أمامه يكون مسلوب الأشياء. يجلس كقطعة إسفنج تستقبل في بلادة كل ما يُلقى فيها من دون حراك، أو إرادة.

حتى أثناء قيادتي السيارة في شوارع القاهرة المزدحمة يكون معي كتاب أخطف منه سطورا وصفحاتٍ أثناء الإشارات الطويلة كالدهر. فكيف يطلبون أن أجلس ساعتين ونصف ساعة فوق مقعد، على الأغلب غير مريح، من دون عمل؟ ثم إن القراءة في المطار غير ممتعة. أطفال يصرخون، إشعارات ميكرفونيّة عن قيام رحلة ووصول أخرى، مما يشعرك بأن العالم يتفكك من حولك وتتساقط فيه خطوط الطول والعرض من الخريطة فوق رأسك. 150 دقيقة! ألا تكفي مدة الرحلة مربوطة في كرسي بين السماء والأرض؟ لذا أذهب متأخرة جدا، حين يشرعون في مناشدة السادة المتأخرين بسرعة التوجه إلى البوابة رقم كذا. وطبعا هذه "الكذا" ستكون الخاصة برقم رحلتي. فأنا آخر المتأخرين في ما يخص الطيران. وبذا أهرب من طابور الجوازات الطويل. الكل يفسح لي فالطائرة تنتظرني: Excuse me my plane is taking off!!!! مع رسم بعض تعابير الوجل على ملامحي كأنما تأخري قهري غير مقصود. والناس طيبون. يساعدون الأشرار من أمثالي وقت الأزمة. يتسابقون في منحي دورهم في طابور الـ boarding والجوازات. الميزة الأخرى، أن حقائبي طبعا ستدخل بطن الطائرة في آخر فوج، وبذا ستكون أول ما يخرج من جوفها في مطار الوصول فأقلّص من وقت انتظاري على سَيْر البضائع. أعرف تقولون يا لمكر هذه البنت! نعم، الحاجة أم الاختراع. وأنا حاجتي مشروعة ونبيلة، فقط أخاف ضياع دقائق من عمري من دون جدوى، ثم انني أكره الانتظار! لكن القدر لا يساعد الأشرار ولذا حكم عليَّ أن أجرب الانتظار نصف قرن. أقصد 30 ساعة محبوسة في مطار أمستردام بعدما فاتتني الرحلة إلى القاهرة. أما كيف فاتتني فبسبب حقوق الإنسان والسيد ماركس نصير البروليتاريا.

انتبهتْ موظفةُ المطار أن حقيبتي أثقل مما يجب، ثم اقترحتْ عليَّ توزيع ما فيها على حقيبتين، حتى يتسنى لعامل الشحن أن يحملها. فقد حددت القوانين الفيديرالية الحد الأقصى لوزن كل حقيبة بـ 23 كيلوغراما، وهو الوزن الذي يحمله الإنسان من دون أن يؤثر سلبا على عموده الفقري. شعرت بالذنب وركضت الى الدور الأسفل في المطار الكبير لأشتري حقيبة إضافية. ولما عدت قرأت على الشاشة أن باب الطائرة قد أُغلق. وعبثا راحت توسلاتي، فلا مجال لأن تناقش أوروبياً في شأن خرق قانون. يحيا العرب! طبعا، للمرة الأولى أندم لأنني لم أذهب إلى المطار "بدري شويه". وفهمت الفكرة العبقرية وراء الساعتين ونصف الساعة قبل الإقلاع. حاولت توفير ساعة فخسرت 30! سهمي رُدّ إلى نحري. إصراري أن أكون آخر الركاب، وحقيبتي أولى المعتوقات، جعلني أفهم نظرية النسبية وأجرّب أن اليوم وربع اليوم قد يكون دهرا كاملا.
أطول ثلاثين ساعة في التاريخ. أنظر إلى الساعة الكبيرة المعلقة في المطار فأجدها 9:30 م. بعد ساعات أجدها 9:35. الوقت عنيد. لا يمر حين نريد له أن يمر. لي أصدقاء في أمستردام في وسعي أن أمضي الليل لديهم، وعرضت عليَّ إدارة مهرجان روتردام أن أنزل في فندق قريب حتى رحلة اليوم التالي. لكن شيئا ما جعلني "أكسّل" وقررت أن أخوض تجربة جديدة وأبيت في المطار. سأقطع الوقت بالقراءة. بدأت بديوان “Lightning Tree” للشاعرة الإنكليزية فاليري غيليس. أعجبني. قلتُ سأترجمه الى العربية يوما. لكن ساعة وعشر دقائق فقط مرّت.

شرعت في ديوان "Evening Tales" للشاعر جاشام ناجافزادي، وهو أذربيجاني تعرفت اليه في مهرجان روتردام. أعطاني ديوانه مترجما الى الإنكليزية حتى أترجمه الى العربية. الترجمة الإنكليزية ركيكة ومليئة بالأخطاء. مللت سريعا. سأقوم بجولة استكشافية في المطار. حفظت كل ركن وقرأت كل لوحة إرشادية صفراء وكل سهم أزرق. الوقت لا يمر. أخرجت جهاز MP4 وغرقت مع فيروز، بأراجيحها وطائراتها الورقية وحنّا السكران وهدير البوسطة. ما أطيب الله حين منحنا صوت فيروز! لا شيء أشهى من اللهجة اللبنانية. أطلب من صديقتي جمانة حداد أن تكتب لي بالمحكية اللبنانية في إيميلاتها. تفعل حينا، ثم تنسى وعدها وتكتب بالفصحى أو بالإنكليزية فأغضب. أفعل الشيء ذاته مع زوجي السوري. والوقت لا يمر. جولة أخرى في شاشة الرحلات. هيوستن- أمستردام – القاهرة. من طريق هذا المطار يأتي زوجي من أميركا إلى القاهرة. ترى على أيّ الكراسي جلس ينتظر مدة الترانزيت؟ هنا؟ أم هناك؟ هو لا يدخن وفي وسعه أن يجلس على أي مقعد في المطار الحاظر التدخين. بينما أنا لا أبعد كثيرا عن الكافيتيريا. أظل أحوّم حولها مثل لص، لأدخن في الركن المخصص للمدخنين. السيجارة تكلفني 6 أورو ثمنا لفنجان شاي. فرصة لأقلل! لكن الوقت لا يمر. شككت في ساعة معصمي.

لكن الساعات المستديرة الكبيرة المدلاّة من السقف هنا وهناك أكدت لي سوء ظني بساعتي. الوقت لا يمر لأنني أريده أن يمر. لأنسى الوقت وأستمتع بالتجربة الفريدة. عند الثانية فجرا بدأت أندم لأنني لم أذهب إلى الفندق لأنام. الاستلقاء على مقعد قاس ومد الساقين فوق الحقائب محتمل لمدة ساعة، أو ساعتين لو كنت تتمتع بلياقة بدنية. أكثر من ذلك عذاب. بكيت وصعبت عليَّ نفسي. فصالحتها باستدعاء المعتقلين السياسيين في السجون. على الأقل أنا أقدر أن أتجول في مطار من ثلاث طبقات وأشاهد الناس والفيترينات وآكل شطائر كرواسان مع شاي إيرل غراي وسيجارة. قررت أن أفيد من التجربة. وشرعت أتأمل "حالات السفر"، لحظات اللقاء والفراق. لحظات الفرح والحزن، الابتسام والدموع. الجعبة الضخمة المليئة بالحوادث والمواقف والمشاعر الإنسانية المتباينة، والملعقةُ الخشبية الضخمة التي يقلّب اللهُ بها أحوال الناس. وخرجتُ بقصيدة! نعم الوقت لا يمر في مطار أمستردام، إلا إذا نسيناه ورحنا نتأمل مرجل الحياة الذي تتقلب فيه الأشياء بملعقة من خشب.

أما أن أتصفح صحف الصباح يوما فأجد صورة طفلي عمر تحتل صدر صفحة المجتمع في "روز اليوسف" تحت عنوان "عمر حالة فارقة من القدرات الفنية"، حاملا بين يديه اثنتين من لوحاته فازت إحداهما بالمركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة الرسم بالزيت، فذلك من دون شك سيكون أجمل يوم في التاريخ. هل أخبرتكم أن عمر متوحد Autistic؟

- بهذه الحلقة نختم سلسلة "يوم في حياة" التي امتدت طوال سنتين ونصف السنة واستضافت ما يزيد على 120 كاتباً وفناناً ومثقفاً من لبنان والعالم العربي والعالم، على أن نعود قريباً بسلسلة ذات طابع آخر و"تلصص" جديد مختلف على حيوات مبدعينا.