(روائي / إسبانيا)

نحن الكتّاب، على غرار جميع الناس على ما أفترض، نتوق الى العمل بأقل قدر ممكن من الجهد. أنا استطعت جزئيا تحقيق ذلك، إذ كان لي الحظ في التوصل الى تركيبة سحرية في غاية البساطة.
عندما أكون غارقا في تأليف كتاب، استيقظ عند الخامسة فجرا. كثير من الناس يسألونني أين اللذة في ذلك، بما ان الانزعاج من النهوض في ساعة مبكرة عامل مشترك عالميا. أجيب دائما ان القفز من السرير والخروج الى شوارع مدريد للذهاب في صباح شتائي بارد نحو المكتب، شيء، أما فعل ما انا محظوظ بفعله فشيء آخر تماما.
اضيء نورا خافتا جدا عند استيقاظي. أحب ان يبدأ النهار والعتمة تنسحب على مهل. احضّر القهوة واترك الدشّ الى وقت لاحق. اذا كان الفصل شتاء، اشعل النار في الموقدة. ابعد عني، بقدر الامكان، كل اشكال الضغط الخارجي. هكذا احقق شكلا من اشكال السيطرة على وقتي وزماني. لا يبقى من العالم كله الا انا والكومبيوتر، بينما النهار يطلع في الخارج. صديق لي، وهو ناشر كبير من برشلونة، يقول دائما ان الافكار والحبكات، وايضا الكلمات المناسبة التي نجهد للبحث عنها، تطوف في الهواء في مثل هذه الساعة، منتظرةً فقط ان تصطادها شباك ذاك الذي استيقظ قبل غيره. احبّ ان اصدّق انه على حق.
عندما بدأت في هذا المجال، منذ نحو خمسة عشر عاما، كنت احلم أن اثير فضول الصحافيين بعاداتي وطقوسي الغريبة ككاتب، ولما لم يكن لديّ عادات وطقوس غريبة، كنت اخترعها لأضفي على شخصيتي لمسة جذابة. اليوم عندما يسألونني عن ذلك، اجيب ان ليس عندي اي عادات عجيبة. لكي أكتب، لا احتاج الى موسيقى ناعمة، ولا الى الصمت. لا احتاج الى اللعب بحبل مطاطي عندما افكر، ولا ارتدي قميصا احمر لكي أشعر بأني خلاّق. أكتب، نقطة على السطر. احيانا تركض اصابعي على لوحة المفاتيح متناغمةً مع افكاري، لكي تعبّر عن فكرة تبدو لي جميلة. آنذاك يبدو كأن اليدين تكتبان بمعزل عني لبضع ثوان، لا بل لدقيقة كاملة احيانا، فأشعر بشيء يشبه الى حد بعيد السعادة، او ما ينبغي للسعادة ان تكون.
نحن الذين نكرس حيواتنا للكتابة نعرف أن ليس ثمة تركيز فاعل يستمر بعد اربع او خمس ساعات عمل متواصلة، لذلك عموما اكفّ عن العمل في حوالى العاشرة صباحا. تلك هي تركيبتي السرية لكي أمضي ما تبقّى من نهاري على هواي.
عادةً أهرب من كل الالتزامات التي لا تفرحني. نادرا ما اشارك في امسيات. مجتمع الاوساط الادبية نال اهتمامي طوال اعوام. الآن لم يعد يهمّني.
أحب كثيرا ان اجتمع باصدقائي. كل يوم اتناول الغداء مع واحد منهم. من دون مشاركة، يكون النهار طويلا الى ما لا نهاية، والحياة ايضا. في بعض الاحيان استسلم بفرح لاغراء انتهاك قواعد الريجيم التي فرضتُها على نفسي. ومنذ نحو ثمانية اعوام لا اشرب اي نوع من انواع الكحول (من يقرأ كتابيّ الأخيرين سيفهم بسهولة اسباب تمنعي).
التنزّه ومراقبة الناس من نشاطاتي الأثيرة ايضا. اخصص لذلك جزءا من الوقت كل يوم. ولكن بعد الظهر، او عند اقتراب المغيب، غالبا ما يناديني المنزل من جديد. الـ"دي في دي" هو رذيلتي الأحدث. أحب ان استقبل الليل وانا اشاهد فيلما من افلام مرحلة شبابي. انها لرحلة غريبة ومسلية الى ماضينا ان نراقب كيف بهتت قصص اثّرت فينا في ما مضى. او العكس.
ادخل غرفة النوم في وقت مبكر. اقرأ قليلا، ثم انام. اذا استيقظت في منتصف الليل، اقرأ شريطا مصورا لكي يعاودني النعاس. من يعيش وحيدا يفبرك مع الوقت زمنه الخاص، وفي هذا الزمن ساعات اطول من ساعات اخرى، ودقائق لا تنتهي واخرى عابرة حدّ انها تبدو كأنها لا تنتمي الى حياته الحقيقية.
احتاج الى ست ساعات من النوم لكي أستطيع ان اكتب في اليوم التالي مرتاحا. تلك هي القاعدة الوحيدة التي أدأب على احترامها، الا عندما تطرأ ظروف استثنائية.
الكتابة هي افضل "وظيفة" في العالم. لا احد يأمرني، سوى استيهاماتي. ولقد اكتشفت مع الوقت ان بعضا من هذه الاستيهامات لا بأس بها.