(مفكّر ولاهوتي/ لبنان)

أستيقظ خمس مرات. الساعة الثالثة فجراً، أولاً، وفي نحو السادسة صباحاً، أخيراً. ساعتذاك أستيقظ نهائياً، وأهيئ نفسي لحضور القداس في مقر بطريركية الروم الكاثوليك في الرابية عند الساعة السابعة والنصف، لأني لا أستطيع أن أحتفل بالذبيحة بسبب الأوجاع المستديمة في الظهر. أصلّي للسياسيين في لبنان لكي يفتح الله الطريق أمامهم وينير عقولهم وضمائرهم "بلكي بيوعا الضمير". ثم الترويقة، وهي بين شاي وجبنة ولبنة وحلاوة.
يبدأ النهار طويلاً وطويلاً جداً خلال أيام الأسبوع، لأني لا أتولى أيّ مسؤوليات سوى يومي الثلثاء والجمعة، حيث أنزل الى مقر الحركة الاجتماعية في بدارو، وأمضي الوقت عاملاً مع الشابات والشبان من التاسعة صباحاً الى التاسعة ليلاً. أستقبل الأشخاص الذين يرغبون بالتعاون معنا لإطلاق حملة العلمانية في لبنان، والإعداد لمؤتمر العلمانيين في آذار المقبل الذي نأمل انعقاده إذا بقي هناك لبنان وسوريا ولم تتداعَ الأمور مثلما يحصل حالياً. وقد صار عدد هؤلاء الراغبين في المشاركة نحواً من أربعين هيئة لا طائفية، تعمل مع تيار المجتمع المدني الذي أنشأناه قبل خمسة أعوام.
اتصلنا بالأونيسكو فوافقوا على استضافة المؤتمر في مقر المنظمة الدولية، والذي يستمر خمسة أيام، نبحث على التوالي في وصف المجتمع اللبناني الطائفي ومساوىء الطائفية، وفي كيفية مساهمة التربية في نشر العلمانية في صفوف الأحداث والأولاد والشبان، وفي دراسة الأحوال الشخصية وكيف يجب أن تتطور لتصير مدنية، وفي الانتخابات والطريقة الفضلى التي لا تتدخل فيها الطائفية، وفي الإعلام الذي يخبّص حالياً لأن لكلٍّ رأيه ويظنه الرأي السديد والوحيد، في حين أن العلمانية تضيع في زواريب الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. أما اليوم السادس فيعرض لحصيلة الأيام الخمسة، فضلاً عن نشاطات ثقافية وفنية تهمّ الشباب العلماني.
هذا ما أفعله كل ثلثاء وكل جمعة، أما الأيام الأخرى فأمضيها في مراجعة الذات والحكم عليها في أكثر الأحيان بسبب ما فاتني القيام به، ولكي أرى أين أصبحت التوليفات الإيمانية والوطنية التي تكوّنت من خبرتي الطويلة. من الخلاصات التي توصلت اليها أخيراً، أننا نحن المسيحيين لسنا مسيحيين، وأننا نحن المسلمين لسنا مسلمين، ولكن نتظاهر بالمسيحية والإسلام، وأننا ندافع ونحارب ونعلن، في حين أننا والإيمان المسيحي والإسلامي في فراق دائم. من التوليفات التي توصلت اليها أيضاً أن الإيمان المسيحي والإسلامي ليس عملية ميتافيزيقية أو علمية، فالإيمان إيمان، وهو عطية مجانية، وهذا يعني الاعتقاد بغير المنظور والمحسوس. عندي نوع من التوليف الديني: فأنا مؤمن وأنا لا أدريّ في آن واحد.
في القرآن الكريم آية أرجع اليها دائماً لأشرح أن هذا الموقف ليس مسيحياً فقط أنما أيضاً اسلامي: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".
في المسيحية، الأمر هو نفسه، فالإيمان عطية مجانية من الله، وتطالبنا هذه العطية بالحياة وفقاً لمنطق هذا الإيمان. والإيمان ليس عقلياً لكنه معقول، أي أنه ليس ضد العقل.لا تتوقف مراجعة الذات، وخصوصاً أني أقرأ هذه الأيام كتباً عن الإيمان والمسيحية في عالم اليوم، وعن تجاوز المؤسسة الكنسية، وعن التوصل الى مسيحية يمكن القول عنها هي أيضاً إنها لاأدرية، تصل الى جامع مشترك مع باقي الأديان والفلسفات، ويمكن تصنيفها معاً بأنها الروحانية الإنسانية. الإنسان ليس فقط جسداً ونفساً، إنما له بعد روحاني، وهذا البعد موجود حتماً ويطالب الإنسان ذاته به، أكان يعرف تسميته أم لا، أكان هناك أديان تاريخية مصنفة سموية أم منزلة أم كتابية.
يأتيني بعض الشابات والشبان الذين لا يعرفون إذا كانوا مؤمنين أو لا، ويريدون التحدث بهذه الأمور، فأكتشف أن ما يكتبه مفكرون فرنسيون عظام يتلاقى مع ما يتفاعل لدى هؤلاء الفتية. يعني أن عالم اليوم يصل الى حال مشتركة بين جميع الأديان والعقائديات، التي لا ترفض الدين ولا تصل الى الإلحاد بل ترفض مظاهر دينية قديمة لم يبق لها صدقية بسبب كل ما تراكم عليها من تاريخ الأديان التي كانت دائماً أقلّ مما يتطلبه الإيمان من هذه الأديان.
عندما يدق الجرس في الساعة الأولى بعد الظهر، أتناول طعام الغداء، في البطريركية، أحياناً مع البطريرك إذا كان موجوداً، ومع المطارنة والخوارنة وراهبتين. ثم قيلولة لفترة ربع ساعة. ثم الجزء الثاني من النهار، كما الأول، أمضيه في القراءات، وفي مراجعة الذات، والتأمل، وفي مشاهدة حوارات تلفزيونية ما أكثرها وما أتفهها. كان عليّ ان أوقّع كتابي "العلمانية الشاملة" (دار "مختارات") في 11 كانون الأول الفائت، لكني كسرتُ ساقي قبيل الموعد، وكنتُ قبلها شديد التمنع رافضاً القيام بذلك، فوجدت في هذه الحادثة إشارة الى أن رأيي هو الصائب. قبل أن تنكسر قدمي، كنت اتمشى وحدي مبدئياً لمدة ساعة، ولأني كسول أختصر المدة الى نصف ساعة.
تأتيني الاتصالات الهاتفية من قدامى الحركة الاجتماعية التي أسستها مع بعض الرفاق في عام 1960. كثر يظنون أن غريغوار حداد لا يزال مطراناً قادراً على اجتراح "الاعاجيب"، فيطالبونني بخدمات أعجز عن تأديتها. هذا اليوم بالذات، جاءتني سيدة تطلب مني أن أدبّر لها قطعة أرض لتبني عليها مسكناً لها ولعائلتها. ثم عشاء خفيف، وتنزيهة خاطفة، لأعود الى استقبال أخبار المآسي التي تتكرر كل يوم ويمر بها بلدنا، وأتحرّق لأني غير قادر على المساهمة في أي من المجالات السياسية والاقتصادية التي ينوء تحتها بلدنا. وأختم بندائي الى اللبنانيين أن يصبح لبنان علمانياً، وأن لا ينشغل بالحوار الإسلامي – المسيحي لأنه مضيعة للوقت.
في الليل أعيد إذاً تقويم أمور عديدة قصّرتُ فيها، لكني تعوّدت ألاّ أندم على شيء مضى لأن الندم إضاعة للوقت وإهدار للطاقة. أفكر من وقت الى آخر بأن الوقت أصبح قصيراً جداً بيني وبين الانتقال الى الحياة الثانية. وأؤمن إيماناً ثابتاً، بالرغم من اللاأدرية، بأن الإنسان لا ينتهي بالموت الفيزيائي بل ينتقل، كما يقول المسيح، من الموت الى الحياة، لأننا هنا كأننا أموات لأننا غير واعين الحقيقة الإلهية والإنسانية. ثم أنام بين العاشرة والحادية عشرة ليلاً. وبما أن ضميري مرتاح فإني أنام ملء جفوني... عن شواردها.