(مفكّر/ لبنان)

كثيراً ما حاولت، انما كثيراً ما أخفقت فاستسلمت، اخيراً، لجبر تلك العادة النمطية الفظة استسلام من لا حول له، بعد، ولا قوة.
فامتثالاً لأمرها اليومي النافذ استيقظ في السادسة صباحا سواء طال سهري أم قصر في صحبة قريب او صديق او كتاب، وغالباً ما يطول سهري في صحبة الكتب والمجلات والاوراق البيض.
ان ذئب اليقظة لا يقتحمني، في هذا الموعد الصباحي، الا لغاية في غريزته لا ثانية لها هي الدعوة الآمرة الى احتضان جهاز الراديو بين يدي، في السرير، والانتقال بمؤشره المرهف الحركة، من محطة اذاعية الى اخرى، بحثا عن صيد اخباري في غابات هذا العالم وأقاليمه المنطوية، على كبرها واتساعها، في هذا الجرم الصغير البالغ الدقة والشديد الحساسية.
يا له من امتحان يومي شاق لا مناص لك من الخضوع لقدره والصبر على مكروهه في اعصابك وفي وجدانك والضمير...
لعلّك من غير نخبة الملمّين بنظريات الاعلام وآلياته، في عصره الثوري الراهن، فكيف تتمكن، اذاً، من الادلاء برأي نقدي في شأن من شؤونه؟ انما تستطيع، برغم ذلك، ان تتساءل تساؤل الموجع القلب، عن تلك الحمّى التنافسية التي تصيب وسائل الاعلام كافة في سعيها المحموم الى اقتناص المشاهد العارية لكوارث الطبيعة ونكبات البشر في حروبهم الصغيرة والكبيرة وتلك العابرة القارات. وهي، هذه الوسائل، تفتنّ في سوقها تلك المشاهد الى سمعك والبصر، على هذا النحو او ذاك، من صور الاثارة والاستحواذ المطبق عليك فلا تقع، معها، على غير المساخر السود والواقعات الداميات هنا وهناك في بقاع البسيطة.
فمن قعقعة الكلام الخشبي في ساحة النجمة، وسط غاب من ضواري الطائفية وزواحفها السامة الى سكون القطبين المتجمدين في قرني الكوكب لا تسمع الا انباء العنف المجنون في احطّ صوره وابشعها على الاطلاق.
فمن شاطىء غزة المحاصر تستصرخك دماء الاطفال الهائمة على وجوهها... ومن احياء بغداد وضواحيها تستنجد بك الرؤوس المقطوعة باحثة عن اشلاء اجسادها... ومن دارفور، من الصومال، من افغانستان ومن... تدور بجنون هائج، عجلة القتل الجماعي والتدمير الفوضوي الشامل...
في هذا المحفل الجنائزي من المشاهد الصباحية كيف يتأتى لك أن تستقبل بياض نهارك بوداعة الوقت الندي المحايد؟!
ألا تستحضر، في ذاكرتك، حيال هذه المشاهد، صوت أبي تمام، من سحيق الاعوام، وهو يخاطب صاحبه الغائب:
عادت له أيامه مسودة
حتى توهّم أنهن ليال...
تُرى ما هذا الجنون المنفلت من عقاله الذي يعصف عاتياً في جنبات الارض ملقياً بثقله الساحق على أرضنا الخراب وعلى ناسنا اللاناس الذين لا يُغضبهم المنكر الفاحش في قول أو فعل وتراهم سكارى وما هم بسكارى الاّ أنهم رعايا جاهلية مستعادة وأسرى خوف ومدمنو استلاب.
فمن أين يهبّ هذا الجنون العاصف؟ أمن موقع الانسان المخيّر في هذا الوجود أم من موقع القدر المحتوم؟
ألا يصحّ في حالنا ما ذهب اليه الشاعر من تساؤل مريب موجع:
عمّ "الجنون" فمنك يا زمني
تعميمه أم منك يا زمنُ
والناس لا ناس فيحفظهم
ما أنكرته العين والأذنُ
وبعد فعقارب الساعة تستكمل دورتها وأنت ما برحت تتابع، على جاري عادتك الصباحية، مسلسل المشاهد السادية، الحديثة الولادة، في هذا الجيب المتقرّح او ذاك من جيوب الكوكب الارضي، واذ بصوت المذيع يطالعك بخبر مفارق، خارج عن سياق نشرة الفجائع، خبر، معافى، يزفّ اليك بشرى افتتاح "كأس العالم" فتسترخي منك الاعصاب وتنفرج الاسارير وتسعى، بشغف الى التقاط المزيد من التفاصيل استكمالاً لصورة هذا الحدث الاكثر شعبية والاشد سحراً في أرجاء الدنيا.
وربما استوقفك، في هذا الصدد، كلام الامين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. فإعجاباً بمباريات كأس العالم الجارية في المانيا راهناً، أعرب السيد أنان عن تمنيه في أن تحظى المنظمة الدولية بكثير او بقليل من السحر الذي يتمتع به الاتحاد الدولي لكرة القدم، وذهب الى الاعتراف علانية بـ"ان كأس العالم تثير لدينا في الأمم المتحدة قدرا كثيرا من الحسد ومن الغيرة... لأنها اكثر عالمية من الامم المتحدة".
لم يرسل السيد انان كلامه على عواهنه، مجازفا بصدقيته، بل ارسله تعبيرا عن اقتناع عام، وليس خاصا، بأن لعبة كرة القدم باتت تحتل، في هذا العصر، منزلة لدى جماهير الشعوب، على تعددها وتنوعها وتوزعها، لم تبلغها المنظمة الدولية. ولعل ابهى ما تجلت به هذه المنزلة صيرورة كأس العالم عرسا امميا لا يخلو بيت، في المعمورة، من فيض اطايبه ومسراته وطرائفه.
بهذا الحدث الرياضي الساحر تعانقت هويات امم مختلفة وتلاقت حدود دول متباعدة وسادت عولمة انسانية ما فوق عولمة الرأسمال النهوم. وحيال هذا التجلي شبه الاسوري، نتساءل بألم وأمل، لماذا لا يتسرب قبس من روحية هذا الاجماع البشري الى محفل القوى الدولية الممسكة بمقاليد الامور في هذا العالم والمتحكمة بمصائر شعوبه قاطبة؟!
وبعد، فانهض، من صباحك الى استقبال بقية يومك معالجا شؤون الحياة الكثيرة المتنوعة المرهقة سواء في المنزل ام في المكتب او في ما بينهما، واصبر وصابر الى صباح يوم آخر.