حياة الرايس
(تونس)

حياة الرايس الوقت اكتوبر في تونس
واليوم مخمليّ الدفء
والخريف قلقا خجولا مرتبكا على العتبات
و الصباح يستيقظ متكاسلا تحت الغيوم الشمالية .... يتمدّد بين طيّات الجفون المتناعسة ، يدسّ وجهه في مخدتي و يخاتلني في الاعلان عن نفسه .....
فيسري في جسدي خدر الكسل الصباحي و يتمطّى مثل غيوم بطيئة قادمة في هودج يتهادى خجلا و غنجا ....
الحديقة تغتسل منتشية بخيوط المطر و قد فاجاها بانوثتها المنسية بعد صيف صحراوي العطش .
ازهو و انتصر لهذا المطر المفاجئ الذي بعثر كل ترتيبات الليلة السابقة و ضرب بها عرض الحائط ،أحب مراوغات الطبيعة و جرأتها في خرق السائد و القواعد ....
ارمقه في الخارج يعبث بكل شئ …. يرمقني من النافذة .....نتغامز بنزق طفوليّ.......ادسّ راسي من جديد في مخدتى....استعذب ترانيم حبّات المطر على زجاج نا فذتي و تراتيلها الصباحية الخريفية ، تقيم احتفائية طقوسها الموسمية في الحديقة .....
و بجرّة قلم أحمر أشطب من أجندا ذاكرتي كل المواعيد و الالتزامات و الاشغال و.......
اخلي الكون حولي من كل ما من شانه ان يفسد عليّ مزاجية طقسي الداخلي و تماهيه مع الصباحات التي تشبهني : طقس توحدي بالطبيعة العذراء في ابهى تجلياتها ....
ألتحم بالطبيعة الماطرة هذا الصباح لاصبح نسمة من نسماتها سابحة في الملكوت الالهي أو قطرة من قطراتها تتلألأ مستقرة على صفحة ورقة شجرة البرتقال تعاكس شعاعات شمس الخريف المحتجبة غنجا وراء عباءتها الداكنة .....
مستسلمة لهذه الحفلة الصوتية ممتنّة لهدية السماء الصباحية ......
الحقيقة انني كنت اريد ان اكافئ نفسي و أن أدلّلها قليلا ....فقد سهرت البارحة حتى الفجر لانتهي تماما من فصل طويل في روايتي : " قات و شعرو حنّاء ".
لقد انهيت الفصل الخاص بباريس و أرجأت الفصل الخاص بصنعاء حتى اعود اليها ثالث مرّة لامتلئ تماما بالمكان في تفاصيل تفاصيله و حكايات بيوت صنعاء القديمة .... تدور احداث الرواية بين صنعاء و باريس كقطبين رئيسيين بين الشرق و الغرب تتخللهما مدن اخرى لم احددها بعد .....

صحوت نشوانة متصالحة مع زمني و مع قلمي .... على رضا باذخ في النفس ....
مازال النص يمثل عندي اعظم فرح يمنحه الانسان لنفسه .
ممتنّة لليالي الصّيف الجميلة و لغواية السّهرو الكتابة حتى الفجر بالفيراندا المشرّعة على الليل و القمر مرميّة على حشيّة بارضيتها الرخامية طمعا في برودتها هربا من حرارة الغرف ، تحفّ بي أوراقي المبعثرة ..... تحت الياسمينة الوارفة التي اصبحت امتدادا لروحي بعدما سقيتها ماء حرفي : خطر لي ذلك مرّة عندما كنت اهمّ بتمزيق بعض المسوّدات بعدما نقلتها الى الكمبيوتر و قد عزّ عليّ رميها بحاوية الحثالة ، خطر لي خاطر : لماذا لا انقعها و اسقي بماء حبرها شجرة الياسمين أنيسة سهري و رائحة مسائي و عطري المفضل ... و من ذلك الحين و انا اشعر انها امتداد لكلماتي و لروحي .... لقد استوحيت المشهد من جدّتى و لم انس ذلك منذ صغري .......عندما كانت عمّتي على فراش الموت تحتضر كانت تسقيها بيدها الماء فترجعه من فمها ، لم تكبّ جدّتي ذلك الماء و احتفظت بالكاس ، بعد ذلك سقتها لياسمينة حديقتها و كانت كل عشيّة تجلس تحتها مرّة تبكي و مرّة تجمع حفنة ياسمين و تدسّها في صدرها ـ تحت حصّارتها ـ و تتنهد "" ما أفوح ريحة ـ حورية ـ بنتي "" عندما تهب عليها نسائم العشية .....و منذ ذلك الحين و الياسمين عندي مرتبط بتعلق الرّوح بالرّوح

لقد ادمنت السهر حتى ساعة السحر في ليالي الصّيف .... ساعة تسليم اخر خيط اسود مقاليد النهار لاوّل خيط ابيض ....
لم اكن استطيع النوم قبل ان اشهد طلوع الفجر ، قبل ان تغتسل روحي بتلك الرقع النورانية الفضيّة التي تطل عليّ منسكبة من و راء الاشجار و من وراء سطوح الجيران و تسحبني بحبّ الى اعماقها و انا ذاهلة ..... ثمة سرّ سرمدي يريد ان يودعه الفجر كل ليلة بين سطوري وأوراقي قبل ان يرحل و لا يستطيع ، يريد ان يخبئه في اعماقي و في ثنايا حروفي و لا يستطيع .... المشهد اكبر من الحرف .

هكذا اقضّي جل ّ ليالي الصيف أنصت الى صوت الليل الجليل خاشعة مع صلاة الكون الرهيبة ....حينها تنهض حروفي من رقادها تتلّبس معانيها و كلماتها و تنسج عالما لا يراه بنو البشر .....
و الناس في غفوة و انا في غفلة عن الضجيج و الحركة .... ساعتها احسّ ان جناح المطلق قد انخفظ لي فا ركب متاهات الحرف و اكبر به واطير معه باتساع الكون
اطير و اطير حتى اشعر ان الكون كلّه ملكي ........

كنت ملكة ليلي.... و اردت ان اكون ملكة صباحي ايضا..... فهذا الصباح لي لا اقبل ان يشاركني فيه احد ......
لشدّ ما احببت الصباحات بمنزلي و لكم كنت انزعج من المواعيد و الالتزامات و الشغل المبكر .

***

و هذه السنة استطعت ان اجمع كل ساعات تدريس الفلسفة الى بعض الظهريات
لاتفرغ الصبح لنفسي و لبيتي فانا امراة بيتوتية حتى العظم اسعد اوقات حياتي تلك التي اقضيها في مملكتي الصغيرة بعيدا عن العالم الخارجي ...

لعلني انتقم من صباحات تلك السنين العشر او اكثر التي كنت اشتغل فيها مديرة بالمركز الثقافي "13 اوت " ( وهو تاريخ صدور مجلة الاحوال الشخصية و عيد المراة التونسية ): الذي يعود بالنظر الى الاتحاد الوطنى للمراة .
حيث كنت اخرج من الصبح و لا اعود الا في ساعة متاخرة من الليل .....
اذ لم يكن المركز مجرد فضاء ثقافي عادي بل كان تابعا للمنظمة النسائية الاولى و العتيدة بالبلد .
و هذا يعني انني لم اكن مجرد موظفة لها اوقات عمل معينة تقضيها ثم تعود الى بيتها لقد كان خليطا من عمل اداري و تطوعي و نضالي و جمعياتي و ثقافي و .....
في الاول اغراني المكان جدّا كونه جنان فيلا كبيرة ، عتيقة لمعمّر فرنسي تركها مع عهد الاستقلال ، به برج مراقبة و سراديب ارضية تصل حتى قصر الباي في ضاحية باردو ...حولناه الى جاليري فنون فيما بعد .
كنت اقيم الامسيات الشعرية في حديقته و الحفلات الموسيقية .....و قاعاته حافلة دائما بشاشات عرض الافلام و حلقات النقاش والندوات و المحاضرات و المهرجانات الثقافية ...... لا نكاد نخلص من اجتماع حتى ندخل في ندوة او جلسة اومؤتمر .....نشاط متواصل على مدار اليوم و السنة ......وذلك لحركية المشهد الثقافي بتونس عموما الذي لا يهدا .
لم يكن الامر يقتصر على نشاط المركز فقط بل الكثير من نشاط "الاتحاد " ككل كون المكان فسيح و جميل و عتيق ووثير و مجهز و مرفّه .... حتى ان العديد من
المؤسسات و الوزارات كانت تختاره لاقامة ندواتها و مؤتمراتها ومآدبها و حتى استقبال ضيوفها خاصة الاجانب منهم عندنا .....
و هذا يعني انني يجب ان اكون مجندة على ذمّة المركز من الصباح حتى المساء لاقف على كل كبيرة و صغيرة بنفسي ....خاصة وقت الزيا رات و الاستقبالات الرسمية التي ترافق افتتاح و تدشين بعض هذه الانشطه من طرف بعض اعضاء الحكومة من وزراء و مسؤولين و ما يعنيه ذلك من بروتوكول و رسميات و دقة في الوقت وتنظيم محكم و حضور واثق و لائق ووقوف و قلق و توتر و صبر ليسير كل شئ على ما يرام و يبلغ تمام التمام مثلما عودناهم دائما ......

شغل ظاهره مغر لكن باطنه مهلك بالنسبة لكاتبة لا ترجو من هذه الدنيا غير فسحة وقت تختلي فيها بقلمها .
لم اكن اكتب طيلة هذه السنوات العشر بل لم اصدر الا كتابين اثنين و كنت بالكاد انتظم لركنى الاسبوعي في ملحق جريدة " الحريّة "التونسية و بالكاد اواضب على مقالات المنتدى الثقافي الاسبوعي لجريدة الشرق الاوسط التي اكتب بها منذ الثمانينات .
و كان الكل يستغرب بل ينتظر القصائد العصماء من هذا المكان الساحرالذي " اسكن " فيه ....لم اكن اكتب الا كلمات الترحيب و الاختتام وورقات العمل
و برقيات التهاني و التعازي ....و البرنامج اليومي والاسبوعي والشهري و الاخبار للصحافة ....
و في مكتبي عندما اظن انني ساختلي بنفسي لا اجد الا دفاتر التوقيعات و مراجعة المكاتيب و المراسلات و الفواتير و النظر في المواعيد و الالتزامات والرد على التليفونات .....
كنت ارتكب كل يوم جريمة بحق نصي......و احلم كل يوم بالتفرغ......و لزوم بيتى.
اما ابني فلولا رعاية اهلي له و كوني كنت اسكن في شقة جانب شقتهم في نفس العمارة لكان قد ضاع من زمان و لذهب ضحية العمل النضالي ....
كانت منتهى احلامي ان اصحو على كتاب و ان اغرق فيه فلا يزعجنى هاتف و لا يناديني احد و لا يذكرني بشغل او بموعد .... ثم الجلوس الى مكتبي اشتغل على نصي لا الجلوس بمكتب غيري اشتغل لصالحه .... لو كان الدّنيا دنيا و لو كان الكاتب يستطيع ان يعيش من كتاباته !
و كثيرا ما كنت اشتري اشياء للبيت ثم اكتشف انها موجودة عندي و اشتري كتبا موجودة بمكتبتي .....
كنت غريبة عن بيتي و عن نفسي و عن نصي ....
وانا الان احتفي بكل يوم اقضيه تحت سقفه و بين جدرانه انعم بدفء اركانه .....منذ اكتشفت سياسة الاتحاد الجديدة و قيادته ـ الرشيدة ـ ان الثقافة شغلة غير مربحة ...و " حكاية فارغة " ... لا مردودية مادية من ورائها ... فحوّلت المركز الى فضاء تجاري.... و لكنه افلس كونه اقتصر على الصناعات التقليدية النسائية .

ملكةً اصبحت في بيتي ارفل في كامل نهاري ، اختال في كامل وقتي ، اقسّمه كيفما اريد ،اهدره كيفما اشاء ......
أنعم بصباحاته النديّة ....و هذه الحفلة الصوتية في الحديقة ......كانت ترفا لم اكن احلم به ..... شبه متفرغة للكتابة ما عدا بعض ساعات تدريس الفلسفة ، مهنتي الاصلية.....

***

مازال المطر يهمي .....
و شجرة المطّاط الضخمة في الحديقة سيّدة المشهد هذا الصباح النوراني ( كما تترائ لي من خلال النافذة )
كانت الشجرة العجوز شامخة متربعة متبرجة باغصانها المتفرعة عاليا شابكة خيمة من الاوراق الخضراء اللامعة المشرقة بدانتيلا خيوط المطر ، ما بين سور القرميد الخارجي و بلكونة غرفتي متوسٍّطة الجهة الشرقية من الحديقة الامامية ....
رعشة نسائم باردة تسري بليلة في اوراقها السميكة العريضة المتغضّنة المحتفظة بخضرتها الا ما اصفرّ و سقط منها ليفرش حصيرا عائما مردوخي التكوين بين الماء و الطين يرتل سورة العود الابدي ، يسبّح بالبدء المقدس و يعلن للملا ان النهار يبتدأ من هنا .....
انها امطار الخريف الاولى ....
ماء السماء يترنح في تيه عبير الارض في الصباحات الغجرية المخضَبة بطينها و مائها كعروس اسطورية.... تفرش شجرة المطاط جدائلها سريرا عاليا لسيّد السماء حتى اذا ما استقر قطرا من الطّل على صفحتها تدحرجه على شفاه أغصانها و اوراق ايامها و تسكب عبير طفولته على عنقها الشامخ و جذعها المتجعد اليابس الصلب ليسري سواقي في الجذور المتفرعة الضاربة في قلب الارض.... شجرة قديمة يعود عمرها الى اربعة او خمسة اجيال على الاقل ... جذعها الازلي يستفزني .... لماذا لا يكون لي هذا الجسد ؟ انا المهددة بالزوال في كل لحظة ! لماذا يطول عمر الشجر و يقصف سريعا عمر البشر ؟
لذلك " يجب ان نحتفل كل يوم بما نملك " على حد تعبير ايزابال اللندي و لم اكن اشعر انني امتلك غير لحظتي الراهنة ....
و تظفر الشجرة العجوز عبثا جدائلها بين الارض و السماء بين الماء و التراب بين الاخضر و اليابس بين اليوم و البارحة ....فالمستقر واحد في النهاية في التوحيد و التثنية : جوف الارض الدافئ قرارا للماء و الشجر و البشر اليوم او غدا في عودة ابدية الى الرحم .....
الارض تنضح ارتواء تحت حصير مردوخ و السماء حاتمية المطر هذا اليوم و قد نسيت رتابة خطاها ....
و انا كيف لي ان اكسر صباحات القهوة المكرورة ؟.......
استسلم لقدسية المشهد من وراء النافذة .....لا يقتلعني الا رنين هاتفك .....أشرقُ بصوتك و بتلك البحّة الآسرة و اشهق بالفرح كأنك تكلمني كل يوم لاول مرة ....
من قال ان النهار قد ابتدا في الخارج ؟
النهار بصوتك قد اشرق
ياتي صوتك مخمليا دافئا من ارض الانبياء و القديسين يطوي حنيني والمسافات ....
بعدما يردّد البيت رنين هاتفك كل ّ صباح ، تنشرح الاشياء من حولي و تتصالح مع سباتها المسائي ....و اليوم تستسلم اوراق الحديقة للفحات برد حنون يحتضن ارتعاشاتها .... ويخفق نبض الياسمين في كفي...
اقوم فاشرع كل الابواب و النوافذ لاستقبل الشمس بعد هدأة المطر ....
كانت السماء تصنع النهار في الخارج و تفتح بابا للدهشة و لقلم الشاعر لكي يبعث هذا الجسد كل يوم جديدا و يقنعه ان الخريف بداية الاشياء و عودة ابدية و استيقاظ اوراق الايام الميّتة و ليس نهايتها .
كان النهار ايضا يستيقظ في داخلي و صوتك يسكب السكينة في القلب المروّع برعب الاسئلة ....و السماء تنسكب القا في عيني و في باب العمر المشرّع على البدء و الدهشة ....و اترك القلم يكتب قصيدة النهار : قصيدة البدء .

****

بعد سماع صوتك استيقظ او هكذا يجب ! اذهب الى المطبخ : اعدّ قهوة يمنية تنتشر رائحتها في البيت ثم تختلط برائحة بخورات استجلبتها من بلاد ـ العطور و اللبان ـ ما زلت اعيش تحت تاثير طقوسها منذ ان عدت من صنعاء .... او مازالت روائحها تلاحقني ....و قد كانت امي ايضا رحمها الله تشرب قهوتها على رائحة البخور مع بعض جا راتها او كناتها .... اما انا فساحمل قهوتي و ادخل المكتب و افتح النات و ادخل في علاقة مع تلك الكائنات الافتراضية ....لكن قبل ذلك افتح البريد بسرعة انظر ان كانت هناك رسائل مستعجلة لا تحتمل التاخير، ارد عليها ....و ارجئ الباقي الى حين .... ثم جولة مع بعض الصحف الاجنبية و العربية و المحلية لاعرف ماذا يجري في هذه البلاد و اطمئن على وضع العباد ..... جولة يومية في بعض المواقع التي احبها دروب ، كيكا و الف و اوكسيجين و جهات ....
انظر في قائمة الهواتف التي يجب ان اقوم بها و التي سجلتها منذ البارحة :
أولا متابعة امر الكتب .....

اهاتف الاستاذ الناقد " خالد الاسود " في تونس الذي يعد الطبعة الثالثة من مسرحيتي "سيدة الاسرار : عشتار " في طبعة خاصة موجهة الى طلبة الباكالوريا فيها تمارين و اسئلة ...لتكون جاهزة في معرض الكتاب بتونس في افريل المقبل كما اعلمنى الناشر ضمن سلسلة منشورات الجامعة .
ابعث ايميل الى المستشرقة الايطالية " باولا مارتيني " لامدها ببعض الشروحات و التعريفات المحلية التي وردت في كتابي " جسد المراة من سلطة الانس الى سلطة الجان " لتستكمل بها دراستها عنه في نطاق مشروع رسالتها الجامعية بجامعة تورينو الايطالية

اتلقى هاتفا من مسؤول الصفحة الثقافية بجريدة " الصحافة " التونسية لطفي السنوسي راجيا ان يكون مقال الثلاثاء الاسبوعي جاهزا منذ يوم السبت و ان لا اتاخر به . اطمئنه انه سيصل في الموعد ، فهو جاهز في ذهني ....
افتح مباشرة صفحة الكمبيوتر و اضع البداية او المقدمة اكتب الفقرة الاولى و اتركه ....
يداهمني وقت الغداء و عودة ابني الى البيت ....
اذهب الى المطبخ اضع الطناجر على النار ربحا للوقت ..... ثم ابدا بغسل المواعين المتراكمة في حوض الغسيل و اواصل كتابة الموضوع في ذهني على وقع الماء المنساب بين يدي و الاسفنجة تجول باطراف و قيعان و اسطح الصحون و الكؤوس ...... تتكون بذهني بعض الافكار فاذهب لصبّها مباشرة على الكمبيوتر قبل ان تروح منى ....اضيف فقرة او اثنين و اقوم الى جولة تفقدية في كل الغرف لجمع الثياب و الاواعي الوسخة ،التقطها من هناو هناك اكومها و احملها و ادخل بها غرفة الحمام اقوم بفرزها : الابيض مع الابيض و الالوان مع بعضها كما كانت تقول امي دائما .... ثم اقوم بفرز تان بين ما سيرمى بقلب الغسّالة و ما اتركه لليد..... هذا الاخير اتسلى فيه بين كل استراحة و استراحة من الكتابة
احب العودة الى الماء دائما انه يعطيني طاقة و يكسر عندي جهد التفكير و الكتابة ....
اعود الى الطناجر... اتفقدها بين كل حين و حين بشئ من الهوس خشية ان اغفل عنها فنذهب كلنا ضحية المقال و الكتابة ...

تذكرت موعد بروفات مسرحيتي "عشتار" التي يتدرب عليها الطلبة بالمركز الجامعي كل يوم ابتداء من الخامسة مساء ....اقرر الذهاب اليوم لمشاهدة تلك المجموعة من الفتيات الاتي مسهن عشق الاهة الحب و الخصب سيّدة الاسرار فاجتمعن على حبّ " عشتار " ، لقد راى المخرج " الشادلي العرفاوي " ان تتوزع شخصية عشتار على كل المجموعة بعد ان كانت كل واحدة منهن تريد ان تستاثر بدور البطولة ووجدت ان الفكرة طريفة و جميلة و ذكية ....

فجاة تشرق الشمس في الخارج فكانما تدعوني للخروج البس ثيابا خفيفة و اتعلّل بالسوق... في الحقيقة اردت ان اتمشى بين ثنايا الشمس البليلة ،اختار طريقا طويلة و فارغة الى السوق القريب جدا من بيتي اختلي بشخوص روايتي احاورها ، استنطقها ، استفزها، احبها، اكرهها ..... اصل الى السوق اتذكر انني اتيت بدون سيارة فلا استطيع ان احمل الكثير، اشترى الضروري و الخفيف و اعود الى البيت ....
اهاتف ابني اوس لاتاكد من عودته على الغداء
بعد الغداء احب مشاهدة فلم اجنبي
احب الافلام الاجنبية لان الحوار فيها عميق و مكثف و فلسفي يعبر عن رؤيتهم للحياة و للعلاقات و للاشياء رؤية عمليّة و نافذة ليس بها ثرثرة و تكرار و اجترار كما في الافلام العربية التي تستطيع ان تردد معهم الحوار من كثرة استهلاكه و اجتراره .....
لي عادة اخرى عند الظهر هي فتح اذاعة " ر ت س اي " التي تبث برامجها بالايطالية عند الظهر ،احب سماع موسيقاها بهذا الوقت و هذه عادة قديمة عندي منذ الصغر، كما اني احب سماع اللغة الايطالية لموسيقيتها و نغمتها المفعمة بالحياة افتحها و اتركها كخلفية واطئة تتردد في كامل ارجاء البيت .

اشعر بالتعب.... اتمدد و اتهيأ لاغفاءة ... اضع كريما مغذية على وجهي و اغفو ..... و في ذهني موعد الخامسة اعدل ساعتي البيولوجية و اصحو بعد نصف ساعة من غير منبه و لا جرس .

في المساء نجتمع على العشاء استمع الى ابني اوس يحكي لي يومه في الجامعه ..... يسمعني اغنية جديدة الّفها ،من اغاني الراب يبدو سعيدا و مغتبطا بها ... تعجبني كلماتها و هي تتنقل من عالم الشباب الاغنياء الى عالم ال شباب الفقراء في مفارقات مريرة ساخرة من قاع الواقع ....

اوّل الليل اتفرج على فلم ثم اتسكع قليلا في المواقع و ثنايا النات التقي بعض الاصدقاء و الاحبة على المسنجر ....نثرثر نضحك تخطط لبعض المشاريع..... ثم اغلق كل شئ و اعود الى كتاب بين يدي :لستيفن فزينسشي Eloge des femmes mures
بعثه لي صديق من فرنسا
بعد منتصف الليل يبدا عالم الرواية ...