جمال الغيطاني
(روائي/ مصر)

جمال الغيطانيأستيقظ عدة مرات ليلاً في السنوات الأخيرة. لم يعد نومي متصلا. جهازي العصبي مضبوط على موعد إذاعة نشرة أخبار الـ”بي بي سي”، أي حوالى الخامسة والنصف فجراً بتوقيت القاهرة. أسمعها بالإنكليزية ثم بالعربية، المذياع إلى جواري وفي متناول يدي. بعدذاك أستأنف النوم. لا أستطيع تحديد اللحظة الفاصلة ما بين اليقظة والغفو. أروح وأجيء، أنام ثم أستيقظ مرة أخرى: إنها السابعة. أشعر بالراحة، أمامي ساعتان للبقاء في الفراش. أتمنى لو أغفو من جديد، فالموعد الذي حددته لمغادرة الفراش هو التاسعة. أحيانا أستأنف النوم، وأحيانا لا أستطيع.
منذ أن بدأت عملي في سنّ مبكرة، لم أستمتع يوما بحرية الموعد الذى يمكننى الاستيقاظ فيه: دائما “عايز ألحق”. حتى بعد تحرري من مواعيد توقيع الساعة، لإثبات الحضور والانصراف، اتخذت لنفسي موعدا أغادر فيه إلى العمل. ذلك أنني أقسم اليوم بين عملي الصحافي وعملي الخاص ليلا، أي انني أعيش يومين في اليوم الواحد. بين التاسعة والعاشرة أمارس طقوس الصباح من حلاقة لحية واستحمام لمدة عشر دقائق تحت الدش، ثم ارتداء الملابس، فإعداد الإفطار الذي لم أغيّره منذ سنوات: ملعقة صغيرة من زيت حبة البركة، علبة زبادي خالية الدسم، كوب “نسكافيه” مذاب فيه ملعقة لبن. بعدذاك أتناول حقيبتي. أحاول تذكر ما يجب أن أصطحبه معي، أجتهد كي لا أنسى شيئا، لكنني في الغالب أنسى، فالذاكرة مثقلة، مثقلة...
ما بين محل إقامتي في ضاحية المعادي، ومكتبي في دار “أخبار اليوم”، حوالى نصف ساعة، إذا كان الطريق سالكا، في السيارة الخاصة بالمؤسسة التي يقودها زميل من الدار. في تلك الأثناء أتصفح الصحف: أعرف ما يجب أن أقرأه، وأتجه مباشرة إلى أعمدة كتّابٍ أحترمهم أو أحتقرهم. جولة قراءة سريعة ثم أصل إلى المكتب عند العاشرة والنصف تقريبا. ألازم المكتب حتى الثالثة (ما عدا يوم الثلثاء الذي أقضيه في المكتب حتى السادسة، قبل أن أخرج إلى موعدي الأسبوعي مع نجيب محفوظ الذي يمتد إلى العاشرة مساء).
هناك، مقابلات ومكالمات؛ أدباء يستفسرون عن نصوص لم تنشر، أو وصلت ويطلبون الرأي فيها؛ صحافيون يستفسرون عبر الهاتف عن قضايا تهمّهم؛ والقليل، القليل جدا من الأصدقاء. يمكن القول إن علاقاتي الحميمة نادرة، أقل من نصف عدد أصابع اليد الواحدة. أعود إلى البيت مرهقا. أثناء تناولي الغداء أتابع الأخبار. مصدري الرئيسي على التلفزيون قناة “الجزيرة” والـ”سي إن إن”، وفي الإذاعة الـ”بي بي سي”. أقلّب المحطات، أتوقف أحيانا عند محطةarte إذا كانت تبث فيلما. يمكنني أن أتابع، بفرنسيتي المحدودة، الكثير من الأفلام التي لا نسمع عنها وتعرضها هذه الفضائية. منذ أكثر من ربع قرن لم أدخل قاعة سينما. أتابع الأفلام عبر التلفزيون وأملك مكتبة سينمائية لا بأس بها تضم الأفلام التي أحبّها.
بين السادسة والسابعة أتمدد فوق الفراش. أنام دائما ساعة أو ساعتين في ذلك الوقت. هكذا أفصل بين النهار المخصص للرزق، والنهار المخصص للإبداع، وهو نظام التزمت به منذ أن بدأت عملي بعد تخرجي من المدرسة الفنية التي تعلمت فيها فن السجاد الشرقي، وتحديدا الإيراني. لا يختل هذا النظام إلا بسبب سفر، أو ظروف استثنائية جدا – مثل مرحلة حرب الاستنزاف وأكتوبر. خلال السنوات الأخيرة أصبح النوم أقل، أما نوم بعد الظهر فمجرد تمدد على الفراش. لا أستغرق فيه إلا إذا كنت تناولت قرصا مهدئا في الليلة السابقة.
تحت الدش مرة أخرى. الاستحمام ضروري قبل الجلوس إلى المكتب. هذه هي مكتبتي التي تمثّل جزءا من عوامل توازني الداخلي. أبدأ بالقراءة، وتحديدا بقراءة الشعر القديم: إنه مفتتح القعدة، ثم قراءة فصول من كتاب الكون مشتبكا معه. أقرأ لمدة ساعتين، ثم اكتب من ساعتين إلى ثلاث. القراءة عندي مثل الكتابة، أضعهما في مستوى واحد، ومما أحمد الله عليه أن رغبتي في القراءة تتزايد، لا تهن مع التقدم في العمر. أنتزع الوقت للقراءة في الثبات والانتقال وما قبل النوم وبعده: هناك قراءة أعتبرها خفيفة للصحف والمجلات، وقراءة ثقيلة لنصوص كبرى أعايشها منذ سنوات. اقرأ في أكثر من كتاب لعلي أستوعب وأرضى، غير أنني لا أرضى أبدا.
عند الحادية عشرة مساء أتناول عشاء خفيفا لمدة نصف ساعة، أعود بعده إلى المكتب، وإلى سماع الفقرة الخاصة بتسجيلات أم كلثوم القديمة التي تبثها إذاعة الأغاني. هكذا آوي إلى الفراش في الأولى مثقلا بالحنين، مسترجعا لما كان، متخيلا بعض ما سيكون، معاتبا نفسي على التقصير، مترددا بين الحقيقة والوهم، وعندي يأس من النوم فترة كافية.