جميل ملاعب
(لبنان)

أن تولد في ضيعة في الأربعينات وتظل حياً حتى بعد الألفين، فهذا معناه أنك محظوظ ومفعم بالحياة ومليء بالحكايا. وقد تحس أنك ستنفجر أحياناً من كثرة الكلام والانفعالات، ومن الإنصات الى الآخرين الذين يعيدون على أسماعك قصصا تعرفها مسبقا من كثرة ما مرّ عليك خلال العقود المعقودة من روايات لا تنتهي.

ليس من همّ. الماضي كله موجود في اللاوعي، مخبّأ بفرحه وحزنه، ولا يمكن أن يزول. ما يهمّ من هذا الماضي هو كيف تستطيع أن تدخله في الحاضر، وما يهمّ هو ما يمكن أن تضيفه، وما يمكن أن يكون غير قابل للزوال.
أعرف ثلاثة أشياء مهمة للنجاح: أولاً أن تختار مهنة تحبها، ثانياً أن تتفوق في المهنة التي تختارها، ثالثاً أن ينعكس نجاحك خيراً ونفعاً على الآخرين. ليس من السهل أن أختار الكتابة عن تاريخ يوم من حياتي، فمن الصعب فصل هذا اليوم عن سلسلة من ألوف الأيام المتجمعة في الذاكرة، والمفعمة بالتفاصيل والحوادث.

أيّ يوم أختار؟ أحياناً، تتكرر المشكلات نفسها، فأحاول جاهدا أن أسجل بعض الرؤى الجديدة، أو أن أصوّر في صفحات لوحة، أو أن أسجل حادثاً مهماً في مفكرة الأيام. منذ سنتين وأنا أسجّل حياتي، وما أحسّه، وما يحصل معي بواسطة الرسم. صار عندي أكثر من خمسمئة لوحة سجلتُ فيها حياتي وحياة الناس، في أفراحهم واحتفالاتهم وأعمالهم ورحلاتهم، في أوقات طعامهم ولعبهم ورياضتهم. صارت عادة الرسم اليومي تشبه عندي عادة شرب القهوة واكل الفواكه. أصبحت اللوحة المرسومة واجباً يشبه شروق الشمس، رغم تعدد الفصول، رغم تغيّر الطقس، رغم الليل، رغم النهار، رغم المزاج، ورغم الوحي.

تغيرت عاداتي. أحاول في كل مرة أن أجد معنىً جميلاً للوقت، وقد رأيت أن أجمل الطرق لي أن أسجّل انتظاراتي وحياتي، وما أحسه بواسطة الألوان والخطوط، وبواسطة الأشكال. أن أنظر إلى الورقة البيضاء وأملأها بعد حين بتركيب جديد، بمعادلة جديدة، بمغامرة جديدة، بحسّ وبعد وخيال، بتكبير زواياها، وبفصل محاورها، أو بإعطائها طابعاً جديداً يشبه إرادتي في التغيير وكسر الروتين، ووضع لمسات تشبه صورة الخيال، وتشبه لمعان الأفكار والأحلام. أحاول أن أسجّل مشاهدي بلحظة واحدة كي تولد طازجة كما رأيتها تماماً في مخيلتي.

إني أشبه السائح الذي ينظر إلى وطنه كأنه يشاهده للمرة الأولى. هكذا أنظر إلى يومي الجديد. أنا الساكن في الجبل، في بيصور بالذات، حيث الطبيعة مليئة بالصور، وحيث الناس مسكونون بتقاليد موروثة منذ أكثر من ألفي سنة، وحيث الأهل مفطورون على حب الحكمة، وحب التأمل، وحب الاكتشاف، وحب الإطلاع واختراع المعاني. هم اناسٌ، أنا مثلهم أؤمن بالعقل، سيد الحياة وسيد الوجود.

كيف أبدأ يومي؟ كيف أخبّر عن عاداتي؟ ما يهمّني هو أن تكون عاداتي الشخصية نافعة، أو مقنعة لأحد من الناس الذين يهمّهم أن يعرفوا بعض خصوصيات الآخرين. أؤمن بالإحساس الصامت، وأؤمن بالصورة التي أتخيلها في بصيرتي. منذ عشر سنين، أو أكثر، تعودت أن أستيقظ في الخامسة فجراً، وأن أجلس في سريري صامتاً متأملاً، مردداً بعض الكلمات السرية الخاصة التي تساعدني في أن أبث أحاسيسي في الكون الواسع. أحس أن هناك من يسمعني، لذلك أطلب ما أريد: أولاً الصحة، ثانياً الشكر على الحياة، ثالثاً السعادة، رابعاً الاكتفاء الذاتي. ثم أطلب النجاح، ثم تحقيق الأماني، وأتمنى الخير والنجاح والسعادة للناس. بعد ذلك أنتقل إلى الصالون، وأتناول أدوات الرسم، وأبدأ بتحقيق فكرة أكون جهّزتها خلال النهار الفائت، أو اقتسبتها من مشهد حي، أو صورة ركّبتها من مشاهد عدة، جديدة، حصلت معي. أشرب المتّي مع امرأتي، وأرسم من ساعة إلى ساعتين. وقد أذهب إلى الجامعة، أو قد أذهب لشراء جريدة أو لزيارة قريب أو صديق.

أعيش في بيت تحوطه الأشجار والنباتات المختلفة، وغالبا ما أصرف بعض الوقت منهمكاً في زرع شجرة أو تشحيل نبتة أو ريّ شجرة جديدة مثمرة. عشت في مجتمع زراعي. والدي كان مزارعاً بارعاً، بالإضافة إلى إتقانه مهناً أخرى، كالموسيقى والدهان وشغل الباطون. لم أعرف في حياتي فرصة لم أكن فيها مزارعاً. لكل فصل مواسمه. حديقتنا مليئة بالفواكه الموسمية المتنوعة، الليمون متوافر في الشتاء، والدراقن والصبير والتين والعنب والجوز واللوز في الصيف. فأنا تعودت أن أعتني بالزراعة، كإحدى العادات التي لا غنى لي عنها. بالإضافة إلى مهنة تدريس الرسم في الجامعة وإعطاء بعض الدروس الخاصة في هذا المجال.
كل يوم له تاريخه وطابعه وحوادثه ومفاجآته، لكن أجمل يوم هو يوم العمل والاكتشاف. اليوم الذي أجسّد فيه شيئاً من ذاتي. أجمل يوم هو اليوم الذي أحمّله عملي الجديد. هو اليوم الذي يجعلني أستقبل يوماً آخر بإيمان وفرح.