(شاعر /اليونان)

سأروي لكم يوما، بل سلسلة ايام فريدة من نوعها في حياتي: فقد استيقظت ذات صباح لأكتشف بذهول أني تحولتُ كلباً. نعم، صرتُ كلبا، وتحديدا كلباً قويّ البنية، فروه أسود اللون وعلى صدره علامة بيضاء. في ذلك الصباح العجيب، ما ان افقتُ وتحسستُ جسمي الجديد حتى ركضتُ صوب المرآة التي تتوسط احد جدران غرفتي، فوجدت أيضا ان خطمي اسود وعلى جبيني نجمة بيضاء. لم أكن أنتمي الى سلالة معيّنة، وعلى الأرجح لم اتحول كلبا اريستوقراطيا، فهذا ليس من شيمي. لا بد انكم تفكرون الآن أني أهذي، أو أني ربما متأثر بقراءاتي لكافكا العزيز، وأني تخيلت الامر كله.
لكن لا، صدِّقوني. لقد استيقظت فعلا ذات يوم فوجدتُني كلباً.
حصل ذلك قبل انطلاق الالعاب الاولمبية في اثينا بوقت قليل. فجأة، شنّت بلدية المدينة حملة على الكلاب الشاردة، كي لا تزعج راحة الزائرين المتدافعين الى العاصمة، فجمعونا من الشوارع كلباً كلباً وسجنونا داخل اقفاص كي لا يرانا السياح، محافظة على "نظافة" الواجهة في المدينة، على قولهم... حقا، يا له أمراً مضحكا وسخيفا: أيّ نظافة وأثينا بطلة التلوث في العالم؟
بعد انتهاء الالعاب والمسابقات والاحتفالات، أخرجونا أخيرا من سجننا واطلقوا سراحنا في الشارع: وما الشارع، في أي حال، سوى سجن آخر. كل المشردين، أناسا وكلابا على السواء، يعرفون ذلك جيدا. رحت أهيم في الطرق. المدينة قذرة، لا لون لها ولا وجه، وهي لا ترحم. تصوّروا ان علينا نحن الكلاب ان نبحث عن طعامنا في نفايات الانسان. لكن الحياة في الشارع رحبة أيضا، كريمة، على صعوباتها وآلامها المضنية، والتجوال والتسكع فيها مجانيّان. وطالما ان الطقس صاف، يمكننا ان ننام تحت النجوم في الصيف كما في الشتاء. وذلك لمصدر لذة كبيرة، ويمنح إحساسا رائعا بالحرية يكاد يوازي روعة امتلاك جناحين.
لكن الطقس ليس صافيا، ويا للاسف. البرد شديد والمطر غزير في هذه الأيام، والرطوبة تتسبب لي بآلام مبرحة في العظام. عندما تمطر، يمشي الاشخاص بسرعة. أراقبهم من موقعي الخفي قرب دكان البقالة. اتساءل، أنا الكلب: ترى الى اين يهرعون؟ معظمهم يمشي كالدمى. ما الذي يدفعهم الى السير هكذا، كأنهم آلات؟ ارى امرأة تحمل أكياساً وتركض عابرةً الشارع أمامي: أفكر أنها ربما تذهب الى بيتها الدافىء، حيث ستطبخ طعاما لذيذا لزوجها واولادها. أحسدهم، اذ ليس للكلاب عائلات. أشعر على حين غرة بالحنين نحو انسانيتي السابقة. لكن لوقت قصير، لوقت قصير جدا، صدِّقوني.
قرب اشارة التوقف في شارع بانيبيستميو، رأيت فجأة ابقارا جذّابة تقف امامي. لحقت بها مفتونا وعرّضت نفسي لخطر ان تدهسني السيارات. على الرصيف من الجهة الثانية من الطريق، توقفت الابقار وانتظرتني. تأملتها جيدا فاكتشفت انها مختلفة عن الابقار الاخرى. فركتُ جلدي عليها فتنشقت رائحة الجنة. تبعتُها حتى منزلها (حظيرتها) حيث سمحت لي بالدخول ثم أطعمتني ودلّلتني، وفي المساء، نمنا جنبا الى جنب. أسعدني بقائي معها ومنحني وهم العائلة التي فقدتها. لكن أسعدني لوقت قصير، لوقت قصير جدا، ولست ابالغ.
في صباح اليوم التالي، اشرقت شمس غير متوقعة. كانت الابقار تستعد للخروج عندما رنّ الهاتف. تفحصت المكان من حولي: الحظيرة مؤلفة من غرفة واحدة في محاذاة الشارع. تذكرت اني لا ازال تائها شريدا، ولكن في يوم كهذا، اشعرتني حالة التيه والتشرّد هذه بالفرح. كل شيء ممكن اليوم، وكل الاحتمالات مشرّعة أمامي. في هذا الطقس المشمس، في امكاني ان اغادر في اي وقت اريد، أن اركض والعب واتمدد تحت اشعة الشمس: أي انسان في وسعه فعل ذلك؟ انتبهتُ مصعوقا كم اني محظوظ لكوني صرت كلبا، فلا مسؤوليات ولا مشكلات ولا قصص عاطفية فاشلة ومحزنة. لا سعي وراء المال ولا وراء المناصب. لا هموم سياسية ولا اقتصادية. حرّ. أنا حرّ. كلب، صحيح، لكني حرّ.
دفعتُ الباب ووجدتني في الحديقة، ثم في الشارع. حملتني حركتي وحماستي بعيدا نحو جيران واصدقاء جدد.
الملائكة والكلاب متشابهون، هذا ما يقال...
هنيئا لي اذاً، لم أعد إنساناً. صرتُ كلباً يونانياً شريداً.
وكانت هذه أجمل أيام حياتي.