(شاعر/ تشاد)

استيقظ في الساعة الرابعة فجرا. صياح الديك في ذهني اشبه بمنبّه متسلّط. انه ارث جميل ينظّم حياة شاعر الحقول اليومية. يجب الا نترك بين ايدي الشمس الهبة التي تمنحها لنا في اشعّتها الاولى. الجلوس الى الطاولة... طقس ينتشلك نهائيا من الفراش. في اختصار، تلك هي الحال منذ عدت لا اعرف كيف اصلّي، ووضعت مكتبي امام السرير. الجلوس الى الطاولة ليس لتناول الطعام، فأنا لا اتناول الفطور ابدا، بل للتسلّح بالشجاعة لمواجهة الكلمات. هذه الكلمات ادواتي!
اشغّل جهاز الكومبيوتر مرة تلو الاخرى. أنا الكاتب التشادي الفرنكوفوني المقيم في مكسيكو، لا يسعني إلا أن استمع الى اخبار افريقيا وأن أقرأ "لو موند". اضغط على زرّ وأطالع بنهم بعض الصحف. غريب! كثرت حوادث تحطّم الطائرات في هذه الايام كما لو ان عطلا ما طرأ في الفضاء!
اريد ان اكتب. تلك هي كلمة الامر التي اطلقها في وجه نفسي. عليَّ ان اكتب ايّ شيء كل يوم. فقرة، صفحة، او عشر صفحات، ايّ شيء شرط التزام هذا القانون. لكن في هذا الصباح، كما في ايام كثيرة اخرى، لا يخطر على بالي ايّ شيء. تدقّ الساعة الخامسة ثم السادسة. افتح الشبّاك. الاصوات المدوّية في الأحياء الموحشة تتخابط ثم تتغلغل في الثغر المتاحة... يا له من تلوث عدائيّ في هذه المدينة الضخمة!
ثم اذهب الى الاستحمام بمياه باردة بعد الرياضة الخفيفة التي تتسبب بتقطر بعض نقاط العرق على الجبين! بعد ذلك... لا أزال اشعر برغبة في الكتابة. لكن بما ان الكلمات ليست على الموعد هذا الصباح، هناك اوانٍ في المطبخ تنتظر ان تُغسل.
في بعض الاحيان، افكّر. قليلا ما يحصل ذلك بالطبع، لكن المضحك اني افكر خصوصا وانا اغسل اواني المطبخ. لعل هذا النشاط يتضمّن حركة لا تعبىء الفكر فتحرّره وتجعله واعيا وجوده ومركزا على الكلمات، ادوات الكلام. لعلّ السبب ايضا هو هذا الوضع الشبيه بالمأزق، الموجود في صلب هذا النشاط، لاننا نغسل الصحون لنعيد توسيخها بعد وقت قليل: إنه شيء يشبه العبثية التي وقع فيها سيزيف والتي لا تنفك تسحرني بمنطقها الوجوديّ. ولعل السبب هو المياه الفاترة التي تنساب على الاصابع. المهم انه تراودني، وانا اقوم بغسل الاطباق، رغبة في تأمل الكلمات، حياة الكلمات، ادوات الكاتب الثمينة.
لا اسعى الى تفسير الكلمات ولا الى ترجمة واقعها التاريخي واصلها ومدة وجودها. على العكس، ما يهمني هو وضع هذه الكلمات في اطارها، ما يسمح لها ان تخلق حياة من حولها ضمن سلسلة التواصل، وان تثير العاطفة عبر الشعر الذي تنثره بموسيقاها، وان تحرك التفكير وتحدّد الفكر، وتوجّه نشاط الانسان.
ما يستحوذ على اهتمامي حاليا هو الجانب الثوري والغامض من الكلمات. غالبا ما تسعى الكلمات الى مقاومة الاستسلام لمطاردها قبل التحول الى زحمة من الصور التي تولّدها من حولها: دلالات، روابط بين الافكار، معان مجازية، التباسات، ومضاعفات للصور البيانية.
اعتقد حقا انه علينا ان نستعمل عبارة "طبخ الكلمات" بدلا من "كتابتها"، وخصوصاً في ايامنا هذه، نظرا الى العدد المتزايد من الاشخاص الذين يطبعون الكلمات على آلة الكومبيوتر. طبخ الكلمات! لكن الفرق الوحيد هو انه ما من وصفة للكلمات، او نادرا ما يكون هناك وصفة في الكتابة. الكلمات موجودة لكن من الضروري اعادة ابتكارها من جديد كما لو للمرة الأولى بغية اعداد "الطبق". في بعض الاحيان، يكون الملح قليلا فيصبح الطبق عديم الطعم. وفي احيان اخرى، يكون الملح كثيرا فيستحيل تناول النص. المهم ان نضيف دوما الفلفل والحرّ والخردل. فمن الضروري ان نشعر بالنكهة تقتحم الرأس او الانف او المعدة، ايّ مكان، شرط ان نشعر باللذعة. ما من حضارة وثقافة من دون لذعة!
اظنّ اني فنان وشاعر على السواء. اودّ ان امارس كامل حقوقي وان استعمل كل ادوات الافتتان: اللغة والصور والموسيقى والالوان. فرحة اللعب بالكلمات، لذّة مسح الاراضي المتعرّجة في الحياة وفي النفوس، ومجانية المضيّ في البحث عن الذات من خلال التاريخ. اللغة لا تهمّ... انا حتما اعيد ابتكار اللغة والا فلن اكون شاعرا. حريتي في ادراكي لحدودي ورفضي لها في الوقت عينه، لاني في قرارة نفسي مدرك للأبديّ. ولعلّ الشعر هو هذا الطابع الابديّ لاعادة الخلق على مرّ الكلمات.
اكتب لأروي ثورتي المدمِّرة للثوابت. احبّ كثيرا رسالة جان سيناك للكتّاب ذوي العرق الاسود عام 1956 عندما قال:
"يا اخوتي، اذا لم تكن تراكيب جملنا جهازا للحرية،
اذا اثقلت كتبنا كاهل ارصفة السفن،
اذا لم تكن اصواتنا نجوما للعامل في السكة الحديد وللراعي،
اذا لم تكن قصائدنا اسلحة عدالة في ايدي شعوبنا،
فلنصمت!".
تدقّ الساعة الحادية عشرة. ادرك اني لم انه غسل الاطباق فحسب، بل كذلك إعداد طعام النهار. طبق من المعكرونة مع صلصة الفستق والسبانخ... سأتناوله الساعة الأولى بعيد الظهر.
اجلس مجددا الى الطاولة، حيث الكومبيوتر. اكتب واكتب بالقلم ثم على الشاشة. امحو كلمة من هنا واشطب اخرى من هناك. اقصّ وألصق، وهكذا دواليك طوال النهار.
ها قد حل المساء، من دون أن أكون قد تناولت غدائي ولا نمت قيلولتي المعتادة، اذ سرقتني حمّى الكتابة. نادرا ما يحصل هذا معي. لكن لا بأس، الليلة سأنام في وقت مبكر، كي لا يرافقني وجع الرأس غدا. أحلاما سعيدة!