(شاعر/ البرتغال)

إيقاع حياتي اليومي؟ إنه يتغيّر باستمرار! ولكن لنحاول أن نقبض على النموذج، أي على يوم من ايامي هنا في بلدي، البرتغال، رغم كونه نموذجا مستحيلا بما أنني كثير الأسفار. دعوني أشرح بداية أني ثلاثة او اربعة أشخاص في جسد واحد، أي انني جماعة، مما يعقّد حياتي بعض الشيء.
يبدأ نهاري عند الخامسة صباحا: آنذاك تستيقظ أناي "الملهَمة"، وتروح تكتب طوال ساعتين او ثلاث ساعات كل ما يخطر في بالها، وتنتج بضع مسودات يوميا. إنها كتابة تأتي "ارتجالية" وعلى هوى المصادفات عندما لا أكون منكبا على كتاب محدد. أما إذا كنت أعمل على مشروع كتاب، وهو في هذه الايام رواية في عنوان "المتنوّرون"، آنذاك أترك للكتاب أن يكتبني، وأصير عبده طوال الصباح. لكني لا انسى الشعر، فأنا شاعر أولا وخصوصا، وثمة دائما مسودات جديدة للقصيدة اللامتناهية التي أكتبها منذ نحو تسعة اعوام، والتي سأظل اكتبها حتى النفس الأخير: "كتاب السقطات". غالبا ما اشرع في الكتابة وأنا بعد مستلق في السرير، لكني أنهض في وقت لاحق وألجأ الى جهاز الكومبيوتر لكي اودعه ملاحظاتي وخربشاتي.
في ساعة متأخرة من الصباح يستيقظ الرجل العملاني ويشرع في اداء واجباته: إدارة نادي الـ pen، تسيير شؤون سلسلة الشعر التي اشرف عليها، والقيام باتصالات ذات طبيعة ديبلوماسية او تنظيمية، بما فيها احيانا غداء عمل. على سبيل المثال: غدا يجب ان اجتمع بوزيرة الثقافة، وأن أنشر أخبار جوائز النادي الادبية، وأن ارتب تفاصيل رحلتي المقبلة الى اليابان، وان اراجع كتبي التي ستصدر في كولومبيا وفي البرازيل...
بعد الظهر يطل الشخص الثالث، الملاك الناقد الذي سيقوم بعمله الشاق على مسودات القصائد والروايات والمقالات... ثمة نصوص أطاردها طوال عشرة أعوام، وأخرى طوال خمسة عشر عاما، كمثل جوهرجي لا يتعب ولا يكل من نحت قطعه. آنذاك أكون اثنين: الملاك الملهم الأبيض والملاك المتطلب الأسود، مما يثير بالطبع خصومات وصدامات كثيرة داخلي. هذا الكفاح اليومي يغيّر طبيعة كتابتي باستمرار، وهو يغيّرها في اللحم الحيّ، على غرار الحب: فذاك الذي يشير إلينا ونتبعه يودي بنا الى الفوضى الكاملة ولكن ايضا الى التفكير والتأمل، مما يغيّرنا، في الحب وفي العمل وفي الحياة على السواء...
أعيش كل يوم أيضا ساعة سحر: إنها الساعة التي أمضيها مع ابنتي ديانا، استاذتي في الحياة البالغة من العمر تسعة اعوام، والتي تعلمني كيف أرى ربيع العالم!
آكل جيدا مرة واحدة في اليوم، مع أصدقاء أو في المطعم. أما وجبتي الثانية فتكون خفيفة جدا، أتناولها في البيت، وأحضرها بنفسي: جبنة وفواكه ونقطة نبيذ.
بعد العشاء أعاود العمل: نادرا ما احس بالتعب ولكن يحصل بعض الشطط والانسياق عند المساء، لذلك أؤثر الا اقوم بأمور تتطلب جهدا وتركيزا. أنجز ما هو عالق واقرأ خصوصا... هذا المساء مثلا، سوف أقرأ بحثا حول الزواج بما ان ذلك هو موضوع روايتي (لقد انهيت للتو المخطوطة الأولية، من 420 صفحة، وهو عدد صفحات يجب ان اسعى الى خفضه في النسخ المقبلة الأكثر صعوبة).
ولكن انتبهوا: لا اهدر قط فرصة حضور حفل موسيقي جيد او فيلم جميل او مسرحية ناجحة: منذ بضعة ايام مثلا حضرت حفلا لأشكينازي واوركسترا طوكيو السمفونية، وقبل ذلك شاهدت أفضل فيلم في العالم في رأيي، وهو "شروق" لمورنو، فضلا عن كوني في غاية السعادة لأني لأسبوع خلا حظيت بفرصة رؤية ابنتي سيلفيا، الممثلة، على الخشبة. آه، والموسيقى أيضا. الموسيقى ترافقني طوال النهار، وتنسجم مع نبرات عملي. اختارها الآن بناء على شخصيات روايتي، وهن ثلاث نساء، أي ثلاثة ايقاعات ملهمة: موسيقى كلاسيكية، موسيقى يابانية، وموسيقى شرقية عربية. أما عندما اكتب الشعر فأستمع الى كل شيء: الفوضى الكاملة في مواجهة النظام الكامل.
لا أنام كثيرا: خمس او ست ساعات، ولكن لا بأس، جسدي معتاد الراحة بطريقة غريبة واوريجينال: هو يرتاح من عمل ما، بعمل آخر. واذ اروي لكم الآن نهاري ارتاح من ترجمة قصائد يابانية، ولكن بما انني متعب بعض الشيء، سوف ارتاح من سرد النهار بقراءة قصيدة لبشار بن برد، ثم سأخلد الى النوم. تصبحون على خير.