(شاعر / تشيلي)

أستيقظ، أتوجه الى المطبخ، أفتح الراديو، أنظر من النافذة: ستمطر بَرَداً اليوم، او هي ربما أخبار الاذاعة المرعبة تجعل مصراعي النافذة يرتجفان خوفاً.
أصيخ السمع: عجباً! لا يتحدثون عن انفلونزا الطيور ولا عن تقدّم طيور غريبة ميتة في اتجاهنا. لكن صمتهم لا يخدعني. اكاد اراها، تأتي من محيط همجي لا اسم له، في سرب متخفٍّ وسقيم يدنو كل يوم أكثر.
يا للأخبار المزعجة. يبدو ان التهديد والخوف هما اساس الاعمال والسياسة والاقتصاد، لا بل ربما أساس الحياة نفسها. نحو أي خوف جديد، نحو أي نهاية عالم مزيفة سيقوم زعماؤنا العظماء بدعوتنا الآن؟
نُنهي مارتين وأنا طقس الفطور الصباحي. في الخارج، تستقر ريح عاصفة وتحمل معها غيوماً مشتتة الى ما فوق حديقة دير الراهبات المجاور لنا.
أعود من سهوتي لأروي لمارتين تفاصيل تكريم جاك لاكاريير الذي اقامته أخيرا جمعيةChemin Faisant  في بلدية بواسي. أذكر اني، قبل دقائق معدودة من بداية الحفل، لم أكن أدري ما عليَّ قوله. ثم جاءتني فكرة فجأة وأنا اتأمل في رسوم كتاب لجول فيرن يكاد لا يفارقني أبدا، وهو "ابناء الكابتن غرانت".
فكّرتُ: ما هي الأسفار؟ ما هو الحب من دون كلمات؟ لا شيء تقريباً.
قلة هم الشخاص الذين يقولون: لقد عشتُ "حبّاً"، في حين تقول الغالبية: عشتُ "قصة حب". الحب قصّة. السفر ايضا قصّة. تتطلّب الاسفار وعلاقات الحب صدى، تتطلب حكاية، قصّة لتستمر. هكذا فإن الاسفار حكايات أسفار، وعلاقات الحب حكايات حب.   
إنها الساعة العاشرة. أسمع في المترو الباريسي موسيقى بوليفية. ألاحق الصوت حتى اصل الى مكان العازفين: أرى مجموعة من هنود أميركا الجنوبية متنكرين بمظهر هنود أميركا الشمالية، وقد وضعوا على رؤوسهم ريشاً يصل الى الارض. رأيت الامر عينه في تشيلي، مسقطي، ونجده ايضاً بالطبع في أماكن أخرى كثيرة، حيث يفرض هنود الشمال ريشهم على هنود الجنوب.
ويبقى السؤال: ما هو السبيل للإستمرار في تجميل العالم؟
يطاردني هاجس في ذاكرتي: صورة نادل المطعم الذي نسي في الامس ان يخدمني. أحمق متعال، والأسوأ انه من اصول اسبانية. ماذا كان حريّا بي أن افعل؟ أن أصرخ او ان اغتاظ او ان اخوض عراكا معه؟ كتبت احتجاجاً على ورقة صغيرة، فأضاف اليها بعض الشعراء من اصدقائي نصوصا لهم. فقدت الرغبة في التضحية بالورقة التي صارت لا تُقدّر بثمن من أجل رفع شكوى، وفضلت تسليمها الى براندي، الرسام الذي كان برفقتنا. قال انه سينجز لوحة من احتجاجي وقصائد الشعراء، ودفع ثمن العشاء.
في مترو العودة، رمت لي فتاة صغيرة لعبة قماشية صفراء على شكل بطة. من دون تفكير رفعتُ يدي، التقطتها وقذفتها نحو جدّتها الجالسة قبالتي. أما هي، فأخذتها منها وأعادتها الى أمها. بسبب هذه الحركة البسيطة، ستشكّل هذه الفتاة من الآن فصاعدا، والى الأبد، جزءا لا يتجزأ من حياتي. 
بقي لي ما يكفي من الوقت للعودة الى حجرتي ومواصلة الرسم. يفترض بما رسمته في الامس أن يكون قد جفّ.
قبل ايام، رميت السرير، والبراد الذي كان يسخّن عوض أن يبرّد، فتحوّلت بذلك غرفتي البائسة، التي بالكاد تبلغ مساحتها 14 متراً، والمفروشة كتباً حتى السقف، اصغر محترف رسم في العالم.
خلعت ثيابي لأتجنب تلطيخها، أو بالأحرى خلعتها لألطّخ نفسي كما يحلو لي. وقعت بقعة ملوّنة على السراويل وأخرى على مراسلات فلوبير. اقنعت نفسي بأن الامر ليس خطيراً.   
إنها الآن الساعة الخامسة. أذهب الى افتتاح معرض فيرير. فيرير جالس، انيقا ووحيدا، يرتدي ثياباً مثل ثياب "الداندي". صاحبة المعرض هي صديقة صديقنا جاك تييول، الذي نتشارك معه الغداء احياناً في مطعم "لا بومبونيت" في مون مارتر. لا احد يعرف هذا الحي أفضل منه. يذكّرني جاك برحّالة جول فيرن الضائعين، يقاوم الذوق السيىء وانحطاط الثقافة، لكنه ليس دائماً على صواب. في اي حال قول الحماقات احياناً امر ضروري. 
انها السادسة والنصف بعد الظهر. اجتماع عمل اخير في منزل آل جوكس، تتلاقى المجموعة لتخطيط النشاطات. انفتاح على الشرق والغرب. تمازج روحي في ظل لاكاريير ودوريل وجميع الرحالة الكبار.  
في الساعة التاسعة مساء، أقرأ وثائق كلاوديو غاي غير المنشورة، وهو حكيم فرنسي مجهول. أميّز رسائل اصدقائه، وجميعهم رحالة ذكرت اسماؤهم في "ابناء الكابتن غرانت" لجول فيرن: هم حكماء ورحّالة في الوقت عينه. أترجم دفتر اليوميات غير المنشور لهذا الشاب، عالم الطبيعة المجهول الذي ابحر على متن مركب شراعي في قلب الاطلسي عام 1828 حتى وصل الى فال باراييسو.   
لم يكن يعرف شيئاً بعد عن تشيلي، ولا عن هنود الجنوب.