إبراهيم محمود

جويس منصورأتحدّث عن جويس منصور، امرأة شاعرة تتبصّر العالم بجسدها؛ عالمها الذي يظهر صادماً لذائقة الرجال الجنسية، وإن كانت تتحدّث بلغة جسدها الفارط أنوثةً، عمّا يُقلق الرجال بلغتهم، عمّا يشتهونه من موقع الفحولة المتأصّلة في نفوسهم ورؤوسهم، انطلاقاً من الثقافة التي ترتدّ إليهم كثيراً، مثلما أنها ترتدّ عليهم أكثر، باعتبارها، تُظهر فيهم ما يجرّدهم من الكثير مما ينسبونه إلى أنفسهم من مزايا استثنائية في المكانة أو القيمة الرمزية.

جسد جويس منصور في مواجهة الكمّ الكبير من أجساد الرجال المأخوذين بالذكورة، شغوفين بلغة جسدها، إن ينطق بشهوته العارمة، مرتبكين أشدّ الارتباك بصراحته في ما يسمّيه من داخله، إذ يجعل المخدع فضائياً، يُعلنه على الملأ الذكوري، إذ يداوي بالذي يكون الداء، مثلما ينزع عن الجسد الذكوري قدسيّته المزعومة، أصالته المعتبرة في التكوين البكوري، رعائيّته للأنثى في كلّيّتها، كما لو أن التسمية الأنثوية لجسدها، بكامل قيافته، إذ يبهر الآخر المتعوّد فيها صمتاً بليغاً من جسد مفتوح له على مصراعيه، دون كلام يسمّي، يحدّد مواقعه باسمه، فيبلبل فيه جسده المتعوّد فيه تمثيل ذكورته، على أنه خطاب الأصالة النافذة، لغته المؤسطرة، والجسد الأنثوي عماءَه يكون، كلما أراد منافحة، أو تعرَّى ليعرّي الآخر على طريقته، محدّداً ما هو شعائري توارثه منذ القدم، بدايةً ونهايةً، وليس أن يجد الآخر السبّاق إليه، أو مزاحمه في تسمية إحداثيات شبقه، على طريقته، يتقاسم اللغة على الأقل معه، مثلما ينافسه في إدارة خطاب الجسد الشبقي، وليس أن يكون بوّابة الآخر، إيوانه، حصَانه، حمَّام تهويماته، ينفذ فيه بمعايير تتقرّر من قبله.
بين انتظار الجسد الذكوري، من قبل الجسد الأنثوي، كما لو أنه مشروعه الدائم والأبدي، والذي يتمّ تدشينه في كلّ مرّة يعاود اقتحامه، كما لو أنه يمارس فتحاً فيه يزهو به، والدخول معه في شراكة، تختلف النسبة بحسب الحالة والتوقيت الزمني وجانب الدراية الجسدية، فيكون الشبق مُختلَفاً عليه معايشةً ووعي مفهوم، ثمة فرق كبير.
في تاريخ الفحولة، ولأنها فحولة، لم يكن جسد الأنثى معلوماً بذاته، باسمه، بثقافة معينة تسمّيه وتميّزه، حيث الأنثى، حتى وإن كانت شاعرة، تقيم بجسدها المحوَّل إلى الآخر، بين جنبَيْه، إنها في الأصل الحالات في ذمّته، تعيش باسمه، جسداً مُلحقاً، يجري التصرّف فيه، وتصريفه، وفق قواعد حركة محدّدة من قبل الذكر، أما أن يكون جسد الأنثى مفصحاً عن كينونته الأنثوية، عمّا يرغب وحدود الرغبة، ومتى تكون رغبته في الآخر، والأنكى من ذلك، أن تكون المبادرة في تسمية الرغبة في الآخر من قبله، فهذه سابقة خطيرة، تجاوز لحدود المتوارث، إذ تتمحور البداية، وحالة الندّية على الأقل تتفعّل هنا.
وأظنّ أن الشاعرة المرأة/ المرأة الشاعرة اليهودية جويس منصور (1928 - 1986)، لديها الكثير في وعيها الذكوري المضاد، إن استعرنا لغة الفحولة، خطاب الذكورة التليد، وأخضعناه للمساءلة التاريخية، من خلال امرأة شاعرة لا تخفي جانب الممانعة في ما يؤول إليه أمر جسدها، وهي تضفي على لغتها، ما كان يجب أن يسمّى من قبل الآخر فيها، وهو النافذ المفعول، كما هو معمول به تاريخياً، لديها الكثير لتقدّم جسدها، أو يتقدّمها جسدها، وبلسان فصيح، وليس اللسان الذي ينبسط في حدود كامل الجسد، كي يتحرّك، ويتهجّى وفق توجيهات رغبة الآخر. استثارة بالغة، لكنها مقرّرة من ذات الشاعرة، والإيعاز ببدء الدخول في مغامرة الرغبة وهي تحمل إمضاءتها، يصدر عنها، فتكون ذائقة الذكورة في الحالة هذه محكومة بعلاقة اثنينيّة، حيث لا يعود جائزاً لجسد الفحل التاريخي، أن يعدّ عدّته في الإغارة، إنما في الدخول بنطاق عقد مختلف غير معهود، ربما، برضى مشترك، وإن بدت لغتها ذات نسب ذكوري، وهنا المشكل الأكبر، لأن المفصَح التاريخي عنه، هو بلاغة صمت، أو تصميت في جسدها.
يمكن أن نتلمّس في جويس، هذه الشاعرة السوريالية التي ألهبت مخيّلات الكثيرين من حولها، وهي في أوروبا، وفي فرنسا خصوصاً، بعالمها الجسد وقد انبثق شعراً منافساً بخطابه الجنساني المضمر، سمة القيمومة في الرجل، بصراحة لا يمكن تخطئتها، إنما يمكن النظر في خطورتها، لأنها تأتي من امرأة، وكأن تاريخاً جديداً، قد أعلن عنه، أن ثمة تنويراً يطاول حتى مفهوم الكينونة الإنسيّة، وكيف يمكن التوقف عندها، على أن ثمة أنا أكبر مما هي عليه، أن الأنثى لم تعد ترتدّ إلى خافيتها، إلى اللاشعور، أن الكبت الأكثر تمييزاً لها، بسبب العنف الذكوري فيها، لم يعد كسابق عهده، لقد تأمّمت ذاكرة، في حيّز علاقة مغايرة لتكوينها السالف.
إن جويس منصور تتحدّث عبر شعرها الموغل في الإيروتيكية الخارقة باستلهاماتها الجسدية، إذ لا تكفّ عن خدش متصاعد لحياء الرجل المعتَّم عليه كثيراً، باستدراجه الذاتي إلى المستثار الموسوم أنثوياً، وكأن المبادرة هي أنثوية؛ أن فروسية المواقعة مستلّة من جسده، وأنه هو الذي بات عليه أن يكون المحكوم بجسدها، أن يكون أنوثة متخيَّلة، طريدتها، خلاف التعوَّد عليه، المستحكمة به، وليس العكس، لتكون اللعبة صاعدة بتاريخ، لا مفرّ من قبوله، لأن لغة مغايرة صارت تسمَع.

في إهاب الجسد الأنثوي
في ركاب أنثوية الشعر

يسهل تلمّسُ طبيعة الصورة الشعرية عند جويس، في ما عليه الجانب الفارط في الشبق، ودلالته، في نشيد إنشاده. أقول هذا، لأن مناخ نشيد الإنشاد، بادي التأثير في صنعته الاعتبارية، إنها الصورة التي تقاوم الآخر: الذكر، فيها، بقدر ما تظهر اللغة، على السطح، أنها تتوسّله، والتماهي معه! إنها سلسلة من الإيقاعات المتواصلة بجسد الآخر، حيث لا يعدو استدراجه أن يكون اختباراً له، إعلاماً بمقدرة مسمَّاة، ليكون التلهّف إلى الآخر، سياسة بارعة من سياسات قولها الشعري! لا تصف جويس جسدها، وهو في حالة نعظ، أو تفجّر الشبق فيه، ولو أن ذلك وارد لديها، ثمة ما هو أبعد من حدود وصف مشهد التلاقي الجسدَيْني، ما هو أعمق من استمرائه في أوانه الشبقي، إذ إنها لو توقفت عند اللحظة هذه، لكانت حدود وعيها بجسدها، محكومة بنقاط مراقبة ذكورية الطابع، وأنها تقوم بسرد إيروتيكي بمباذلها، وما يعنيه الرجل: الفحل بالنسبة إليها، وأنها، كذلك، تمارس الدور التاريخي المتوارث منها، إزاء فحلها، وهي أن تكون في منتهى الأنوثة المستجابة من قبله، أن تكون في مضمار توجّه رغبته، أن تكون رغبتها الإيروتيكية، داخلة في شمول رغبته. إن اللحظة القياماتيّة الواسعة المدى في جسدها، هي لحظة إشهار الجسد الأنثوي، إبرازه لا بالصورة النمطية كما هو المتحوَّل باسمه، وهو باسم مستعار، في حيّز الذكورة، إنما بما يفجأ الذكوري في الرجل، على أنه جسد هو صنيع ذاته، وأن الجرأة الملحوظة، هي انعطافة وعي مباغتة للآخر، في ذات الجسد الأنثوي بداية، ومن ثم للمقابل، كما لو أن التحرّر من سلطة الذكورة المهيمنة على واعية الأنثى، ليمثّل اللحظة التاريخية الأم، في أفق التحوّلات الكبرى، على صعيد فائض القيمة الجنساني، إذ يتّخذ طرفا ميزان العلاقات الثنائية تقابلاً آخر، من جهة التصوّر، والتفكير الضمني في الآخر، ويكون المتحصّل عالماً آخر، يتطلّب ترميماً وتقويماً من نوع مختلف، بحسب المستجدّ، ولاحقاً، لا يعود في وسع الآخر، سوى التفكير في التمايز الحاصل أو المتشكّل، وكأن تلجيماً صاعقاً للذكورة يتمّ هنا، تعديلاً بنيوياً في مفهوم الجنسانية يتبدّى، وعلى هذا الأساس، تكون جويس حمّالة الوجه الواحد أو الأوحد: وجهها الجسدي المستعيد كليانيّة مفهومه، أعني أنوثته، أبعد وأعمق وأرحب من اعتباره الضلع المستعار من الرجل، رغم أن تفكيراً أوليّاً، وفي سياق الرمز، قد يظهِر في هذا الضلع المستخرَج، امتداداً لقضيب الرجل، بمعنى ما، أو لما ينتمي إلى دائرة القضيب، كما هي الصورة الملتقطة للضلع، وكأن الرجل في اشتياقه ينكح، أو يواقع نفسه، في فعل الاشتياق والمضاجعة، طالما أنه كان واحداً في البداية، والشاعرة، تحرّر هذا المفهوم، تفكّ الحصار حول الضلع المؤسطر، وتمنحه خاصيّته المغايرة، أي تعيد بناء جسدها، على أنه الجسد الذي يتيه الرجل نفسه دونه، ولا يتبصّر حقيقته خارجه. إنها لحظة ندورية، ربما. لحظة استشراف لعالم الجسد الأمثل، عبر شبق، هو مفتاح يقين الجسد في ثنائيّته المفترضة، وكأن المرأة في الشاعرة، تمارس غوايتها، من باب التنوير، تنوير الأنثى للذكر، الدفع به نحو الالتحام بجسدها، ليكون هو الحانُّ إليه، الضلع المغاير والمسكون في نَقيه بالحراك الأبدي للأنثوي، والأنثى هنا، تجسّد دورها التاريخي غير المعلَن عنه: إعادة تكوّن الرجل بالطريقة التي يحسّن فيه موقعه، ليكون أكثر طواعية، وارتقاء بحقيقته المشتركة. جويس عبر شعرها، في شعرها، باسم الشعر الذي كان باكورة اللغة في احتواء العالم، تتجاوز مكيدة الكتابة، وفخّيّتها، لتطاول الشفاهة وشراهتها لإخفاء الحقيقة التي زوَّرتها كثيراً، في منحى التجاذبات الجنسانية، وكيفية تسييد الطليق باسمه الذكوري، خلاف المقيَّدة إلى (تاء تأنيثها الساكنة)، إنها تنسف تاءها - داءها، وتدعم ذاتها الشاعرة، بلغة اشتيق َ إليها كثيراً، وهي تقول:

"أريد رعشاتك
فانفجرْ بين فخذيّ
ولتُستَجَب رغباتي على الأرض الخصبة لجسدكَ الداعر".

هذا التصريح الموغل في المكاشفة الجسدية، لا يحيل الأنثى الناطقة، أنثى الشاعرة، وربما تلك التي تعيشها، أو تتمثّلها، على تلك المرأة التي عاشتها طويلاً، أو عاشت في سواها، وهي بكامل هشاشتها، في تجلّيها تسويفاً من تسويفات الرجل، أو لغة قابلة للتصريف بها، بالطريقة المشتهاة من قبله، إنما على المرأة التي تتدّعم بحركة فعل نابذة من أحد، بتحدّ غير متكيَّف معه، في شبقها! ذلك سعي إلى قهر الجسد بالجسد نفسه، حيث تُفصح الشاعرة عن رغبتها في ما تريد القيام به، وليس هذا التصوير الإباحي، إلا نقضاً ونفضاً لكلّ العهود أو المواثيق التي تحفظ للرجل سمات الوقار والأنفة وجلال الصمت الذي يخصّ اسمه، إذ تسمّي الشاعرة الأنثى فيه، ما يتلهّف إلى لحظته، وبنوع من التحفيز الاستعرائي، وهي الاستعرائية المضاعفة، لأن التعرية ليست كافية هنا، إنما الاستعرائية تلك التي تحاول تعيين جسد الآخر: الرجل، الذكر، الفحل، في مضمار قوّته الحقيقية، ولتتبدّى هي بدورها على حقيقتها، وما في حوزة الأنثى من المؤهّلات المثبِتة لها، ثمة الكثير الكثير، وفي متنها، يكون الجسد الأنثوي، وقد تفتّح على قواه، على تاريخه الذي بات يسمّيه، أو يمنحه المكانة التي ربما لا يعود في وسع الرجل أن يغطيه بجسده، ويقوم بالحركة التي تحمل صفته التاريخية في الاحتواء، إنما تحدث مواجهة، لا أظنّها عادية، فوراء هذا التلهّف الموسوم، هذا اللهب المتناثر من داخل جسدها، توقيت زمن، وتشديد على فعالية جنسانية:

"مكائد يديكَ العمياء
على نهديّ المرتجفَيْن،
الحركات البطيئة للسانكَ المشلول
داخل أذنيّ المثيرتَيْن للشفقة،
جمالي كلّه غارقاً في عينيك البلا بؤبؤَيْن".

ربما هي لحظة الحساب، أو المواقعة، لكنها الواقعة التاريخية، فما تشير إليه الشاعرة، يتجاوز الجسد المعلَّب في مفهومه المتوارث، إنه الصراع، على صعيد القيمة التي يتمّ الرهان عليها، تعظيم الأثر التاريخي، فتكون هي إزاء شهوتها المتبصّرة، أو نعظها الشديد وعياً وإحاطة بمعناه، بينما الآخر، فهو مجرّد الجسد الذي يعجز عن تمثيل نفسه، الجسد الذي يقع في الدرك الأسفل، كما هو واقع الصورة الملتقطة شعرياً، من خلال اللسان المشلول، وانتهاء بالعينين اللامبأبئتَيْن، إحالة على فقدان الآخر لما يتعزّز به، إلى خرافة مفهوم الفحولة تاريخياً:

"رذائل الرجال ملعبي
وجروحهم أقراص حلوى لذيذة.

أحبّ أن أعلك أفكارهم الدنيئة:

بشاعتها تصنع جمالي".

جويس في استمرائها لعبة التواصل مع الرجال، وبصفة الجمع، لا أظنّها تريد الرهان على جسدها، إنما تمارس استنطاقاً لمدى فعاليّة الجسد الذكوري، وهي السوريالية التي لطالما آذنت بإعلان ربها على العقل في يقينه الذاتي، أو اعتداده من نفسه، وافتتحت عهداً جديداً من العقلانية الخاصة بها، إذ سمحت للركام الهائل من المستترات في أن يكشَف عمّا يخفيه، أن يُعطى الدور اللازم للّاشعور، وربما كان في أهم مزايا اللاشعور أنه النظير الأمثل للأنثوي، أكثر من الذكري، أن تكون اللغة الأحرى تلك التي مُنعِت من الكلام، أو التعبير عن كينونته زمناً طويلاً، وبات التنويه بأهميّته وسلطته المغتابة أو المجيَّرة، في حكم المشرَّع له، لا بل في نطاق الضرورة الماسة للتشديد على المفوَّت فيه، وإبراز المهدور فيه، من خلال فعل التحدّي، حيث الشاعرة لا تخوض حرباً على مستوى الجسد مع جموع الرجال، ولا تُعلن، كما هو المقروء في شعرها هنا، عن شبقها العصيّ على الارتواء (الإشباع)، إنها تفاهة المعنى، في معنى يزحزح كلّ معنى تافه، كما هو المعتاد مديداً، حيث الحديث المشدّد على انفجاراته ذات النسابة الإيروتيكية، من ذات الجنس، أو العيار الثقيل، والمتقابلات رافلات بالمعاني القارّة . أليس الجمال المؤهّل بكامل القيمة الإنسيّة، يحمل توقيع الجسد الأنثوي، إزاء القبح المسيَّر بعلامة ذكورة نافقة، وهو يمثّل جبهة الفحولة التي أشرفت، أو عليها أن تشرف على نهايتها الضرورية؟ إن المزيد من التنعيظ الأنوثيّ، هو مزيد من انحسار الآخر في ذاته!

ربما يعني ذلك أن ثمة دخولاً في مقايضة، في تأكيد الانفصال على الاتصال، رغم أن المتبدّي هو تحريك الجسد ليؤكّد كلّيّته، في وضعيّة توحّده، بين الأنثوي والذكري، لكن المطَل الشعري، يستشرف هوّة علاقة تاريخية، جرح كينونة يجلوها جسد الأنثى بالذات، أنثى جويس، والتي قد تكون هي صورة عنها، أو تجسيداً ما لها، إنما في السياق العام، يبرز إرداف لافت بسلسلة المشاهد التي تُحرج الذكريّ، أو الفحل المتخيّل والمتوارث كرمز تاريخي، بقدر ما تحصره في القيمة نفسها التي يتباهى بها: ذكورته التي تتقدّمه، ويتعمّم بها، حتى على صعيد المبادهة والمجابهة، وجويس، تفسخ عقد العلاقة المفروض عليها باسمه:

"سوف أكتب بيديّ الاثنتَيْن
سأتقدّم بركبتَيْن مشدودتَيْن
بنهديّ الطافحَيْن
وبصدري المريض من فرط الصمت المكبوت".

البلاغة المانحة للصورة الشعرية قيمتها، تخالف المعهود، حيث الأنثى لا تني تواصل زحفاً بقوّة ما، جسدية كاملة الأنوثة، الجسد الغاوي التليد، لأن الشعر الذي يحمل طابع الأنثى، لا يخفي علاماته الفارقة، انثلامه المزمن من الداخل، بسبب انحشاره في منحى علاقة جنسانيّة موجَّهة، منحى تحويل الجسد الأنثوي، إن في الواقع، أو في المتخيّل الثقافي العام، إلى مستهلَك الرجل. إن فرط الصمت المكبوت، هو لحظة انفجارية للجسد، توقه، وهو المؤنّث إلى حقيقته المبعدَة عنه، حضوره الآخر والجاري تهميشه، لأنه المترجم خارج سياق حقيقته التكوينيّة واللحميّة ذات الثقوب المرصودة، هي ثغور الرجل الفحل، كيفية تسلّله إلى داخل الأنثى، واستملاكها، والاستملاك فتوى مشرعنة ومعقلنة محميّة ونافذة سلطوياً في مجتمع الذكورة:

"وستستكين روحي
عارية في جسدي اللذيذ".

أظنّ هنا، أن الشاعرة، بقدر ما تمارس خفاء من وراء انسيابية روح التمرّد في شعرها، ورنين المتخيّل المسموع، بقدر ما ترتقي إلى مستوى شهادة العيان على الجاري، على أن ثمة ما لا بدّ من مكاشفته. نعم ، ثمة كشف حساب تاريخي، وعلى مستوى عالٍ من الوعي البيني؛ وعي الجنسانية وقد حمّلت بما لم يكن في حسبان الرجل، جرّاء قيمومة مضادة، أو تصحيح مسار. والشعر هو في واقعه الخاص به، سلسلة مسارات غير محدّدة، ومباغتات غير مُفصَح عنها مباشرة، وفي وسع اللغة أن تمارس حضورها الدلالي بصيغ شتّى، مثلما أن المشهد الأخير، بداية من بدايات المعلَن في جسد أنثوي، لم يعد مسلّم زمام أمره للآخر، على الأقلّ، من خلال هذه العلنية الصادمة، بعري تقابليّ، والدخول في منافسة، لإبراز جانب الغلبة، بعيداً عن استنفار قوى أخرى، لا صلة لها بواقع الجسد في بعده الحيوي، أو الأنطولوجي. جويس تطارد الآخر فيها، تلك هي صورته، ربما، اعتداده بنفسه، بقدرته على إدارة السلطة وتجسيدها، في جسد الأنثى تاريخياً، والمطاردة المضادّة، ردّ إغراء على إغواء، كما لو أننا في مشهد سحرة فرعون وعصا موسى، وشعر جويس عصويّ الفعل، إزاء السحر الموجَّه ذكورياً، إذ تمارس دوراً مسوريلاً (من السوريالية) في مكاشفة العلاقة القائمة، لنسف الوهم المعقلن لدى الآخر:

"فتحتُ رأسكَ
حتّى أقرأ أفكارَكَ
قضمت عينيكَ
حتّى أذوق نظرتَكَ
شربت دمَكَ
حتّى أتعرّف إلى رغبتكَ
ومن جسدك المُقشعرّ
صنعتُ غذائي".

كلمات تترى، صور تتداخل، واستفزاز للغة على أتمّه، حيث السرد يستمدّ قيمته ويتحدّد أفق الرؤية الشعرية فيه، من خلال الأنثى، وكأن إعلاماً بتحوّل لا بدّ منه، في سياق القائم هو المشدَّد عليه، في كلّ استكشاف شعريّ المقام:

"خلّصني من شَوْط عُطالة
يضغطُ على عنقي
يتلكأ بين فخذيّ".

أو حين تقول بكينونتها الجسدية، مواجهة إيّاه بحقيقته، وما إذا كان قادراً على الاستمرار، على مسايرتها في لعبة الفحولة المتباهي بها تاريخياً:

"أريد أن أتعرّى أمام عينيك المغرّدتَيْن
أريد أن تراني أصرخ لذةً
أن تتلوّى أطرافي تحت وزن جدّ ثقيل".

وما هو أقسى وأكثر مواجهة من ذلك، بقولها:

"تعال ليلاً ونشوتك
وجسدي الشاسع هذا الأخطبوط البلا فكرة
يبلعُ قضيبَك الفائِر وهو يولد".

ليس في هذا التجلّي التخيّلي الواقعي معاً، ما يسعِد الرجل في بيان فحولته، أو تيمة استعراض الفحولة فيه، إنما مواجهة لذات القيمة المسنَدة إليه، وتمسّك بما وراء القول الشعري، فإذ تتكلّم الشاعرة، تحيل الآخر موضوعاً لها، بعدما كان العكس هو السائد، تحيل اللغة عليها، مثلما تلعب بجاذبية المتخيَّل بالذات، وتفقِد غواية الأنثى فيها، تلك القيمة المكانية التي تضعها في انتظار الرجل، تلبيةً لرغبة مستولدة فيه، إنها تستثيره، وكأنه محكوم بها.
نوعية المقاربة التي تقوم بها جويس لموضوعها تتركّز كثيراً على ما هو جسدي، والجسد يتجاوز الحدود الضيّقة له، حدود الحسّي أو اليومي، إذ يتمثّل الكوني، الوهمي، التصوّري، في نطاق الثقافة المتعدّدة الثنايا، وفي الغالب، يكون التركيز على ما كان يُهمَل، من خلال الهامش في الثقافة، كما في المثار شعرياً هنا، وهي إذ تباري الآخر فيها، حتى جسدها، إنما تُعيد كتابة تاريخ الحقيقة، كما لو أن المقروء في ما تستشعره، هو نصّ من نصوص جورج باتاي، في علاقة الأدب بالألم، أو الإيروتيكا بالجسد من الداخل، ما صيرَ غريزة بما هو موجَّه عقلاً، تمارس قلباً للجسد من الداخل، بقدر ما إنها تُظهِر قدراً ملحوظاً من العنف ذي الأهداف المعلنة:
"سأسحق سياري في عينكَ المرسومة بسرعةٍ بألوان اليقظات، سأسحق قضيبكَ بكعب حذائي البالي، سأسحقكَ بكاملكَ في نتانةِ رفضي.
صوتكَ يخترق الفاصلَ بين الغُرَف. تشتكي. فَرْجي يضيقُ ثانيةً. حُنُوٌّ، فانتظارٌ...".

مجرّد الإشارة إلى الشيء، وهو الذي عُرّف عنه من خلال أسماء: صفات، ألقاب، كما في عضو الذكر أو الأنثى، وهذا ما يمكن متابعته في مجمل الأدبيات التراثية العربية الإسلامية (تعرّضتُ لذلك، في كتابي "الشبق المحرّم"، منشورات رياض الريّس، بيروت ،2002)، هو من قبيل تأميم اللغة، إماطة اللثام عمّا كان يمثّل الرجل، باعتباره إرادة بلاغة، صنعة لغة وصانعها، الوجه الذي يُرى، وإنما هو وجه حجابي، يغوي بما يُصوَّر عنه، كما هي قوّته المعلَن عنها باللغة، أخلاقية التسييد لها عبر جسده، وكمال الصورة الأصلية فيه، كونه الأول، وجويس، تسمّي الفرج فرجاً والقضيب قضيباً، واستحقاق كل منهما، وأهليّته في ما يعنيه أو يمكن النظر فيه كموقع داخل الجسد، وليس كموقع يحيل الجسد بكامله عليه. إنه، وكما يظهرلي، نشيد إنشاد معاصر، فيه يكون الحبيب حبيباً، وجسد الحبيب منشوداً بكامله، والحبيبة تكون حبيبة، وجسدها، من جهدها مسمَّى في موقع الرصد، لكن بعيداً عن الغواية المضلّلة، أو المحجَّبة.

إنها غواية النظر في الموجود، في ما يمكن التحوّل عنه، ووضع كامل ذكورة الرجل على المحكّ بمعتقده التاريخي، ليكون في تجلّي أفق الرؤية الشعرية، وما ينكشف في رحابته الواسعة، امرأةً ورجلاً من نوع مغاير، مطهّرَيْن، من لوثة الذكورة المؤسطرة كثيراً، ومن عقدة الأنوثة المفعّلة كثيراً كثيراً، في المقابل!

"الغاوون"
العدد الخامس، 1 تمّوز 2008