مقام المحكي

مازن معروف

عصام العبداللهيتجاوز عصام العبد الله ذلك الكائن المديني الذي تشغله قضايا اليومي وتهيمن على أفكاره وتوليفاته الشعرية. لا يطاول مملكته أي من تأثيرات الغرب ولا العولمة ولا أسئلة البسيكولوجيا أو علاقة الكائن بالمكان اليومي أو المقهى. هو الشاعر الذي كانت بدايته في أوائل ثمانينيات القرن الفائت وتحديداً عام 1982 مع إصداره أول مجموعة شعرية بعنوان "قهوة مرّة" (دار الفكر اللبناني) ليتبعه بعد 12 عاماً بـ"سطر النمل" (دار الجديد)، ومن ثم "مقام الصوت" (دار النهضة العربية - 2009) ما يعني مجايلته للعديد من شعراء الحداثة، كما ومعاصرته العديد من شعراء المدينة المتفلّتين من مقاييض نصوص الروّاد كالتفعيلة أو مناخ الملحمة السياسية أو الأفق الرومنتيكي... إلخ. غير أنه يعود هنا ليقول لقارئ العامية بشكل خاص بأن ثمة دائماً ذاكرة شعرية نشيطة ومبتكِرة تقف وراء عصام العبدالله الشاعر الذي يكتب نصّه مستعيناً بذاكرة طفل، طفله الشخصي الذي لا تعنيه فاصلة واحدة من معجم المدينة، ولا يجد أمامه إلا عناصر الطبيعة والتاريخ والمرأة ورموز الأساطير القديمة والدينية (الإمام علي). فتجده مختبئاً بين كلماته، نافخاً في جملته أناه الشعرية المتفرّدة، دون أن يسبّب ذلك إرهاقاً له أو لقارئه. ثمة سيلان جارف من موسيقى المفردات، وهذه الموسيقى تشكّل ما يمكن وصفه بمشجب الشعر. يزاوج هو بين مفرداته لتولِّد نبضاً نستطيع قراءته كمن يقرأ تخطيطاً طبياً لقلب يعمل بانتظام، لذلك لا تستقيم قصيدته إلا باكتمال إيقاع موسيقاه. والإيقاع النافر من بطن القصيدة هو ما يوقع الأذن الداخلية، أو السرّية للقارئ في فخ قصيدة عصام العبدالله. نتناول الطعم من اللحظات الأولى للقراءة، نتناول شعريته بهدوء يفرضه عاملان أساسيان: قلّة المحكي المقروء والمطبوع بالدرجة الأولى، وإصرار الشاعر على عدم التنازل عن مناخ قصيدته ذات اللهجة المحكية اللبنانية وذلك بتحريك النصوص كإشارات سير تُتبع ولا يُناقَش فيها. لذلك تفرض علينا إيقاعات القراءة البطيئة ما يشكّل عاملاً مساعداً وإيجابياً لنا كي نقف برهة تلو الأخرى بين صُوَر النص الشعري. تلك هي تكتيكية عصام العبدالله الشعرية، أو حيلته المباشرة لشدّ القارئ العربي نحوه. وهذا بحد ذاته مغامرة يدركها الشاعر، لذلك يأتي نصّه معبّأً بمشهدية متلاحقة، مكثفة وهادئة. يلاحظ من يقرأ "مقام الصوت" بأن ثمة ارتداداً لعصام العبدالله إلى جنوبيّته (جبل عامل) كأرض أولى، وكأيديولوجيا أولى مؤسِّسة (كثرة الرموز الدينية الإسلامية) في ذاكرته. إنه ما يمكن وصفه بتعزيز تمرّده، فهو إذ تمرّد مرّةً أولى بعناد الإبقاء على أدوات العامية كهيكل مغاير للقصيدة، يتمرّد مرّة ثانية على موضوعات ما اعتدناه انفتاحاً أو ملاءمة للمستورد الثقافي الأوروبي، كالإنسان وتساؤلاته الوجودية مثلاً. وعصام العبدالله واثق من نفسه في كلا التمرّدين. يدلّ على ذلك قاموسه الخاص الذي ينسجه على مقاس عصام - الولد الصغير، غير الناضج، بل الراكض خلف أحاسيسه، حتى في خضم غذائه الروحي بالجنس، كمثال ما يأتي في قصيدة "درس قواعد" وهي قصيدة مهداة إلى زوجته المعلّمة: "عَلْمِيه يا مْعَلْمي الفَتْحَهْ/ قُولي أنا المَفعولْ/ مَنْصوبْ بِالفَرْحَهْ"، أو حين يقول في قصيدة "وقتنا": "بحبّك متل ولد وفزع/ فتّش عا ريحة إم/ بتبكي فرح". يلعب الشاعر في حيّز بالغ الاتساع إلا أنه يرتّب عليك متابعته، لحظة بلحظة، بل إنشاً بإنش وذلك كي لا تفقد صلتك بتتابع الصورة الشعرية. يُقدّم خيوطاً لقارئه قبل أن يضخّ في عروق قصيدته مشهد الذروة: "درس القواعد أجملو بالبيت/ درس القواعد ناس عالسكيت". أو حين يخاطب ميشال طراد في قصيدة "مقام الصوت": "لما وقف عا صوتك العصفور/ وهز تحتو غصنك الكحلي/ لعب الهوا بيناتكن"، هذا ما يعطي نَفَسَ قصيدته لوناً، ينسحب على جمله المتتالية لا بل والسابقة أيضاً. يتّبع تقنية الاستعانة برموز تحتمل الميثولوجي والديني، لاستيلاد الواقع كما تراه عينه الشاعرة، الأمر الذي لا يستثني الشعر بحد ذاته: "تَلْفْنوا بيرنّ ديك المملكة/ وبينتبه نَوْم الحمام/ وبيقوم عالشغل الزمان/ راكض كأنو حامل الأيام"، أو مثلاً: "ونسمّعو حكي الجناني/ الكان إسمو شعر".

المجموعة الشعرية تحمل في طيّاتها كذلك أبعاداً خاصة يُشرِّح من خلالها الشاعر علاقته باللغة، يسبر أغوارها وينبش روحها الساكنة إلى الخارج ليكسوها باللحم والعظم. واللغة كائن لا يربّيه الشاعر فقط لخدمة أصابعه وتخييلاته على الورق الأبيض بل هي كائن متوارٍ ومستتر، له في حياته وموته شروط لعلّ أبرزها وفاء شاعر من طراز عصام العبدالله لأدنى تفاصيلها: "حروف البنات مدوّرة/ الله يا هالنون/ قومي احبليلوا/ مارق الرمح الألف متل الملك".

"مقام الصوت" معجونة جذابة من التوليفات الشعرية التي ينشبك فيها المكان والوقت، وحركة الإنسان تحت تأثيرهما. كما وهو ديوان يفضح تلك الحساسيات الكامنة في نفس هذا الشاعر، وحدَّتَه وذكاءَه في التقاط تاريخ العرب من أطرافه ومزجه باللحظة الآنية، دون أن يؤدي ذلك إلى موت عنصر على حساب الآخر. تجدر الإشارة إلى أن الكتاب مرفق بكاسيت يتضمّن القصائد ملقاة بصوت الشاعر، مع خلفية موسيقية مرافِقة قام بوضعها الفنان زياد الرحباني.

"الغاوون"
العدد 12، 1 شباط 2009