فاضل سوداني

قاسم حدّادإحدى مهمّات الشعر تحويل الواقع أسطورةً لإغناء مفهومنا عن الحياة والعالم الملتبس. وفي شعر قاسم حدّاد يمتلئ الواقع بأسماء أسطورية ومفردات كأنها كوابيس، فيمتثل أمامنا الملوك الأسطوريون والملائكة يطفحون طهارة أو دنساً، والكهنة ينثالون مثل الذباب السام أو مثل كراكي الموعظة، والقتلة المرحون أو جنّيات الكبت الجالسات على عرش المكابرة... هؤلاء جميعهم يأتون كإشارات ضوئية أو فنارات في البحر أو الصحراء.
إذاً، الشعر البصري لازماني كالأسطورة حاضر أبداً ومتكرّر كالعَوْد الأبدي للشيء في الحياة. إنه لازماني باختلاف المكان وظروف الحياة، نكتشف شبهه بقصيدة ما كتبها شاعر آخر في زمان ومكان مختلفَيْن، ما يدلّ على زمان خارج المكان، ومكان وزمان خارج الزمان.
وكذلك يساعدنا الشعر البصري على اكتشاف ذواتنا التي هي أسطورية في جوهرها، ما دام أنها تعيش وسط أسطورة معاصرة تخضع إلى شروط مكننة العصر وتكنولوجيته. والشاعر في اكتشافه للتكرار النموذجي للوجود، يفقد ماهيّته لغرض امتلاك ماهيّة الأسطورة الإبداعية المعاصرة، وبهذا فإنه يرسّخ ماهيّته المتنوّعة والغنية من جديد والتي يمكن أن تتشابه مع ماهيّة شاعر آخر ووجوده في زمان ومكان آخرَيْن. عندما يخلق الشاعر أسطورته الواقعية يتشكّل واقعه الذاتي، فالواقع والحياة والطبيعة هنا أسطورة الشاعر التي تخلق زمنه المتفرّد، وبما أن الشعر لازماني فالشاعر لازماني أيضاً ما دام يتبصّر أسطورته الواقعية اللازمانية.
العَوْد الأبدي للنموذج الوجودي أو الإبداعي هو رؤيا تغني الواقع وتحوّله إلى أسطورة، وهذه الرؤيا يتحكّم بها الرمز الأسطوري وتميّز مكاناً أسطورياً ما وزماناً أسطورياً ما. والشعر حالة من العَوْد الأبدي، فولادة القصيدة ستحتّم ماهيّتها، أي لا يمكن أن تكون ما لم يكتمل وجودها. وبينما يحكم الموت الكائنات، يخضع الشعر للعَوْد من جديد حتى وإن كان في صيغة أخرى، ولذا تمتلئ ذاكرتنا بقصائد شعرية لشاعر معاصر كأنها تعاويذ يمكن أن تشكّل تمائم شاعر عاش في الماضي. وإذا ما نظرنا إلى هذا الأمر من خلال نظرية فيلو الدائرية، والتي دعاها نيتشه بـ"العَوْد الأبدي للشيء نفسه"، لاكتشفنا دائرية الزمن، وهنا من المفيد إلقاء نظرة سريعة عليها لأنها توضح العلاقة بين بصريات الشعر والأسطورة والعَوْد الأبدي.
ترجع دائرية الزمن في القدم إلى الفيلسوف هيرقليطس، وتمتدّ في الحداثة إلى نيتشه ودانلفسكي، شبنجلر، توينبي وسواهم، وهذه النظرية مبنية على نمط دائرية الولادة والنمو والانهيار والموت التي من خلالها، وعلى أساسها، نختبر تحوّلات الزمن في العالم العضوي. لكن كيف يمكن أن تتحقق هذه الدائرية في الأدب والشعر؟
يجري عرض النظرية الدائرية في الأدب عادة مقترنة بالموضوعات الأسطورية، فعالم الأسطورة له تشعّباته وجذوره. عادة اكتشاف عالم الأسطورة لدى كل من سارتر وجيمس جويس وتوماس مان ود. هـ لورنس وغيرهم تعني قوّة إنسانية جديدة، لا تبرير الهوية المفتعلة وإعادة البربرية باسم المثيولوجيا والهوية والتراث. واستخدام الأساطير في الأدب والشعر الحديث يجب أن يتمّ ضمن هذا الإطار وهذه القوة الإنسانية. وقد يجري اختيار الأساطير كرموز أدبية لهدفَيْن: الأول، من أجل منظور جديد للوضع الإنساني بوعي علمي معاصر. والثاني، تأكيداً للحس والشعور بالاستمرارية والتوحّد مع الجنس البشري عموماً.
والأسطورة هي تأكيد دائم للعَوْد الأبدي للشيء نفسه بما فيها الأسطورة المعاصرة، وهذا يمنح إمكان تصوّر كل من أبطال الأساطير الإغريقية (بروميثيوس، كليمنسترا، آغاممنون، أورست، يوليسوس، الكترا، أوديب، جوكاستا) والكتب المقدّسة (أسحق، يعقوب، يوسف وأخوانه وأشباههم،) والملاحم والأساطير العربية (عنترة، الزير سالم، مجنون ليلى وغيرهم،) وكأنهم في حضور دائم باعتبارهم نماذج لازمانية للوجود الإنساني ورموزاً تقترح التكرار الدائري للشيء نفسه، أو للأبطال ذاتهم، أو لوضع إنساني مشابه في زماننا يمكن أن يُعاش ثانية كدلالة على وضع يدوم خارج المكان والزمان، مع أنه يعبّر عن تفاصيل الشخصية الفردية التي تعيش في مكان وزمان معيّنَيْن.
إذاً العودة إلى الأساطير، كما فعل أندريه جيد في تناوله المعاصر لمأساة أوديب، وسارتر في استخدامه لمأساة آغاممنون، وجان كوكتو وجان آنوي في تناولهما المعاصر لأنتغونا، هي عودة لاكتشاف أنفسنا وعالمنا المعاصر وسط الطبيعة الأسطورية، وكي تتمظهر من خلال هذه الأسطورة وبشكل جديد الاختيارات التي يفرضها عصرنا وزماننا، وكذلك سبر الأعماق الدفينة للنفس الإنسانية التي تعبّر عن دلالات تأثير الزمن. فالشخصيات الأسطورية لدى مان وجويس مثلاً غالباً ما تحيل على فقدان هويتها، وكلما ازدادت رسوخاً في التكرارات الدائرية للوضع الإنساني نفسه، اكتملت في تطابقها مع التجسيدات السابقة للنموذج الإنساني نفسه. فهذا العَوْد الأبدي للوضع والنموذج له دلالات الرمز الأسطوري، وبهذا المعنى تكون ثمّة وقفة للزمن في عالم الصور الأسطورية التي تعكس الأنماط الدورية لإمكانات الوجود الإنساني الثابتة. والأسطورة باعتبارها نسقاً لازمانياً بمقدورها أن تكون رمزاً لشكل نوعي للهوية الإنسانية. فالبحث في الجذور الأسطورية قد لا يكون بحثاً عن الهوية الشخصية، بل عن توحّد مع الجنس البشري عموماً، وقد تنقل الأساطير حسّاً بالاستمرار الزمني والوحدة التركيبية إلى ذات الإنسان، وربما كان هذا ما يضفي عليها سمة العظمة واستمرار الأهمية والمعاصرة (هانز ميرهوف).
إذاً، عودة النموذج الشعري البصري التقاط أو إعادة للرمز الأسطوري بروح المعاصرة، مثلاً مسرحية "الذباب" لسارتر المشغولة على المأساة اليونانية وانعكاسها على فرنسا إبان الاحتلال النازي، أو مسرحية "أنتغونا" التي من خلالها منحنا كل من سوفكليس وجان آنوي وكوكتو ثلاثة نماذج معاصرة عن هذه المأساة، أو ما كتبه آرثر رامبو عن أوفيليا المعاصرة بالرغم من أن الأمر لا يقتصر على النموذج الأسطوري مقابل "أوفيليا" شكسبير، أو "ليلى" قاسم حداد مقابل ليلى العامرية التاريخية مولِّهة الشاعر قيس بن الملوّح وملهمته.
ولا يعني الأمر أيضاً استبدال ذات الشاعر المعاصر بذات البطل الأسطوري، إنما الأسطورة في الشعر البصري هي عالم معاصر لازماني يتحكم به الرمز الأسطوري، والزمن فيه مرتبط بالذاكرة الشعرية البصرية وبعالم الصور الأسطورية، ولذلك فإن القصيدة تصبح إشاراتٍ ورموزاً بصرية أسطورية، أي أن الشاعر من خلال ذلك يخلق هويّته الشعرية المتوحّدة مع الذات الجمعية الأخرى بحيث يصبح مثالاً لتوحّد الجنس البشري عموماً، أي خلق الذات الشعرية والأسطورية المطلقة، وبذلك يصبح الإنسان شاعراً، والشاعر كائناً بصرياً في واقع أسطوري يخلقه هو من خلال ذاكرته الشعرية البصرية. وبذلك أيضاً تتحوّل القصيدة من إدراك خيالي إلى استحضار (إدراك فعلي)، وهنا تمّحي الحواجز بين الإدراكات الخيالية أو الفعلية في الحياة فيصبح الشعر لوناً أو ضوءاً أو إدراكاً لامرئياً كهسيس الليل، أو يكون كإيقاع لوني يفرض وجوده الشعري المبدع كما في قصيدة "طائر الحلم" لقاسم حداد:
"طير في مكان الرأس،/ بين كتفَيْن وسيعَيْن/ مكتظَّيْن بالتجربة وصنوف الفقد./ شخص طائر/ يلهث في ظلّ امرأة تكاد أن تخف عن الأرض/ يسعفها جناح العفّة الباهظة، وعيناها طيور./ تزم القلب في صدرٍ مكتنز بالرهبة،/ مثقل بالولع وفهارس الطفولة./ بغتة، تندفق نار في الرواق،/ طلق ينسف طير الرأس/ في شخصٍ مأخوذ بامرأة تعبر الغيم،/ ينفجر ريش كثيف مترف بالأحلام،/ فيصير فضاء الرواق عرشاً شاغراً/ وعريشة في الهباء./ ثمة ما يمنح المرأة نيزك الضياع،/ فتندفع مضرّجة بصرخة الريش/ تقتحم البهو، خلفها رواق مفعم بشظايا الصور وجنّة الخطأ،/ كتفان شاغران وشخص مفقود. تدخل ملتاعة،/ أحداقها أشداق نمورٍ مقصوفة،/ وتصرخ مثل ثاكل تفقد أبناءها التسعة دفعة واحدة./ تنهار في ركن البهو/ تدفن وجهاً شارداً في ذخيرة الصدر/ تبكي وتمزج القلب بذريعة الندم،/ تنتفض في جسد يفقد الحصن/ بارئاً من دسيسة الذهب وسرّ الأسماء./ نار الرواق ترن في أجراس مجنونة، والمرأة مزدانة بريشة الملك،/ تهبط آبار الوهدة متهدّجة ببخار الروح. ترى في البهو صلاةً منصوبة مثل عاشق ينتظر القبلة،/ فتنهض،/ تضع وجهها في الأبيض الرزين/ وتبدأ في التضرّع،/ مثل أيقونة فرغت منها المعجزة توّاً. كفّان مبسوطتان،/ رواق مترف بالريش المعصوف،/ جسد يغلب المرض، شخص مفؤود/ وامرأة تكاد أن تذهب".
بالرغم من أن هذه القصيدة تبدو تركيباً لحلم مفكّك الصور، إلا أنها واقع متكامل متناوَل من خلال بصريات الشعر والذاكرة البصرية المطلقة. وجميع المفردات البصرية فيها تحيلنا على المفهوم الفرويدي أو على مفهوم لاكان في علم النفس المتشبّع بالشهوة المحرّمة، وتتراءى أمامنا كتراتيل لطقوس الشبق المقدّس، ويبدو أيضاً أنه حلم لثورة إنسانية أُجهضت. ولو دعونا القارئ النموذجي ليرسم القصيدة كلوحة ملوّنة لبدت لنا واقعية أكثر من الواقع نفسه، حتى وإن تحوّلت إشاراتٍ ورموزاً حلمية سوريالية، فنحن بهذا نكتشف بصريات القصيدة. فالمرأة عوض الرأس يربض طير قد ينقر في الحدقتَيْن إلى أن تتحوّلا كهفَيْن صغيرَيْن مظلمَيْن، ولا يسند هذا الرأس المحلّق بجناحَيْه سوى كتفَيْن وسيعتَيْن ينبثق منهما.
رجل الحلم يطير بجناحَيْن عوض اليدَيْن، بمحاذاة ظلّ امرأة محلّقة فوق الأرض عيناها تحوّلتا إلى صقرَيْن تنظران الحياة والواقع المزيّف الذي يتحوّل إلى طلق ينسف طير الرأس بجناحَيْه أو الحلم الطائر لكائن آخر، مأخوذاً بهذه المرأة، الحلم الذي يعبر الغيم. وسرعان ما يتحوّل العالم إلى عرش شاعر وجنّة للبهاء، إنها المرأة أو نيزك الضياع. والأشياء هنا مضرّجة بالصراخ وصور جنّة الأخطاء.
لا يبقى في الحلم سوى عينَي المرأة اللتين تتحوّلان أشداق نمور شرسة وهي تصرخ كأم ثكلت بتسعة أبناء، وهذا الجسد ينتفض كطير مذبوح؛ جسد يفقد كل شيء حتى سرّ الأسماء. وبعد أن تفقد المرأة كل شيء في الوجود تزدان فقط بريشة الملك، لكنها تهبط في معبد للروح متضرّعةً كأيقونة بلا معجزة. لم يبقَ سوى كفَّيْن مبسوطتَيْن ومعبد الروح، البهو فيه قد تحوّل إلى جسد مريض. وفي البعيد النائي تتراءى امراة متأهّبة للرحيل.
هكذا هي جنّة الأخطاء التي يحلق فيها طائر الحلم ليصفّق بجناحيه على بصيرتنا من أجل أن نرى رؤيا وشعراً بصرياً. إنه طائر الحلم الذي لا يأتي الشاعرَ إلا في بصريات النبوءة الشعرية. وقد استطاع قاسم حداد أن يؤثث حلمه أو فردوسه الكابوسي من خلال استخدامه لتلك المفردات بأسمائها الواقعية المعروفة للقارئ، مع تحويلها أسراراً وإشاراتٍ شعرية لا يمكن أن نعي كنهها حتى في الحلم (طير، رأس طائر، امرأة تحلق في سموات الحلم والواقع وتتحوّل إلى غيمة، عيناها طائران وقلبها ممتلئ بفهارس الطفولة، نار، طلق، طير الرأس) ريش أبيض حالم يحوّل العالم إلى بهاء أبيض وكأنه جنّة الحلم أو الأخطاء، في عرش ينساب أمامه البحر كتلويحة لامرأة الوداع، أحداقها تتحوّل إلى أحداق نمور كأنها دسيسة الذهب التي لا تمتلك سرّ الأجراس المجنونة التي تحوّل المكان إلى يوم القيامة؛ جحيم تتحوّل فيها المرأة إلى بخار للروح، ثم يعيدها الحلم، الكابوس إلى الوجود لتتحوّل أيقونة تحمل معها كفَّيْن مقطوعتَيْن كتعويذة، تترك الرواق المتدثّر بالريش الساحر البياض، فتحاول الخروج من باب الحلم منزوية، لكن أليس الشعر هو حلم يقظة نهاريّ؟ إذاً هذا هو تمايز الشعر البصري.

"الغاوون"
العدد 12، 1 شباط 2009