رامي الأمين
(لبنان)

الغاوون سبعة أعداد صدرت حتى الآن من جريدة "الغاوون" الشهرية، المتخصصة بالشعر والشعراء ومن يتبعهم من الغاوين. وهي تجربة جريئة قام بها الشاعر ماهر شرف الدين وزوجته الشاعرة زينب عساف، بعد تجربتهما في إصدار مجلة "نقد" عن "دار النهضة العربية" والتي تعنى في نقد الشعر، وتخصص كل عدد من أعدادها لشاعر معين. قد يقول قائل إن مشروع مجلة شعرية يعتبر ضرباً من ضروب الجنون، إلا أن "الغاوون" استطاعت أن تثبت أن الجنون هو سمة الشعر الأولى، وأن من دون الجنون لا تقوم قائمة للشعر ولا للشعراء. وقد استخدم رئيسا التحرير في افتتاحية العدد الأول العبارة التي قالها برتولت بريشت في الزمن الذي أعقب انتصار النازية في ألمانيا: "لن يقولوا: كانت الأزمنة رديئة، بل سيقولون: لماذا سكت الشعراء؟".

من هنا تحاول الجريدة أن تطلق صوت الشعر والشعراء صرخة في وجه كل الأزمات، سياسية أكانت أم ثقافية أم إجتماعية. ولهذا، فهي لا تدّعي حياداً عن اي شأن من شؤون الحياة، لأن الشعر يكمن في كل شيء، فتعلق على الحوادث وتتناول المواضيع كافة من زوايا شعرية. فمثلاً، فتحت الجريدة باب المناقشة حول "شعر المقاومة" وفتحت الباب لمساهمات تثري هذه المناقشة، وجاء هذا الأمر بعد حوادث السابع من أيار المشؤومة. وأثارت "الغاوون" مجموعة من القضايا المهمة على صدر صفحاتها الأولى، منها قضية الرقابة التي طالت مجموعة من الدواوين الشعرية في مصر، وقضية رامي الأمين اللواط في الشعر العربي تحت مانشيت جريئة "تعال يا أخي واستحم معي"، وقضية تختص بعلاقة الشعر والنثر بالإنتخابات الرئاسية الأميركية، وغيرها من القضايا الحساسة والمهمة.

"الغاوون" تتناول الشعر من زوايا مختلفة، منها زوايا تقليدية وكلاسيكية، ومنها زوايا متجددة ومبتكرة وحداثوية. فإلى المقالات النقدية، والإفتتاحيات والشعر وأخبار الشعراء وقصائدهم ونصوصهم الادبية وفضائحهم، ثمة الكثير من التحقيقات المثيرة التي نشرتها الجريدة في أعدادها، فقد احتوى العدد الأول تحقيقاً عن "إينهيدوانا... أول شاعرة في العالم"، وعن شعراء الملك فاروق، وعن غياب جسد الرجل عن نص الشاعرة العربية، كما احتوت الأعداد الأخرى تحقيقات مماثلة عن "الشعراء التشكيليين"، وعن "السوريالية المصرية" وعن "شعر التروبادور"، ومواضيع أخرى مختلفة ومتنوعة .

وكان رئيس تحرير مجلة "poésie" الفرنسية ميشال دوغي كتب تحية إلى رئيسَيْ التحرير وأصدقاء الجريدة تحت رامي الأمين عنوان "أملي يحييكم". هذا بالإضافة إلى أبواب ثابتة في الجريدة، يعتمد بعضها على الطرافة، وبعضها الآخر يجعل من أخبار الشعر ما يشبه أخبار المجلات الفنية الصفراء، والتي تتناول فضائح الشعراء، منها زاوية اسبوعية تحمل عنوان "أسرار الشياطين" وهي مستوحات من زاوية في إحدى الصحف اليومية السياسية "أسرار الآلهة"، ومن الأخبار المنشورة في هذه الزاوية، مثالاً لا حصراً: "في مشهد كاريكاتوري أضحك جميع الساهرين في مطعم قرب الكومودور في بيروت، سقط أرضاً ناشر شعر متقاعد حين حاول مجاراة إحدى الساهرات في الرقص، فانكسرت نظارته وأصيب برضوض في يديه ورجليه. أحد الخبثاء علّق قائلاً: ما أشبه رقصه بنشره". من الزوايا الثابتة أيضاً واحدة تحت عنوان "طبق الأصل"، تختص بوثائق وأوراق وقصائد نادرة، تنشرها الجريدة للمرة الأولى. وزاوية أخرى تحمل عنوان "تناص الشعر والزمن"، طريفة وذكية تحاول التقاط التناص والتقارب بين الزمن والشعر، كأن يكون أنسي الحاج مثلاً قد كتب عام 1964، قصيدة يقول فيها "الأزمة أزمة فراغ في السعادة، وكل ما هو خارج نطاق السعادة هو حالة غير دستورية"، وقد نشرتها "الغاوون" في عددها الثالث بالتزامن مع أزمة الفراغ في الحكم، مرفقة بصورة لكرسي الرئاسة الأولى الفارغ. كما أن الصفحة الأخيرة من الجريدة تحوي زاوية ثابتة هي أنطولوجيا تختص في كل عدد بكلمة محددة، تجمع ما قيل في الشعر حولها، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من رسوم الكاريكاتور التي تنشرها الجريدة على صفحاتها المختلفة.

رامي الأمين استحدثت "الغاوون" في أعدادها الأخيرة دفتراً في وسط الجريدة، يختص بنشر مواضيع أو نصوص غريبة وغير معروفة لدى الجمهور، حيث نشرت "أغاني بيليتيس" التي ترجمها أدونيس، ونشرت في دفتر العدد السابع كتاب زياد الرحباني "صديقي الله". كما باشر الشاعر شوقي ابي شقرا الكتابة في "الغاوون"، وهو كان قد غاب عن الكتابة لسنوات بعدما كان يدير الصفحة الثقافية في "النهار". كما وجهت "الغاوون" في عددها الأخير تحية إلى الشاعر الراحل محمود درويش، تحت مانشيت "كان ما سوف يكون"، وهي عبارة لدرويش الذي فجع الوسط الثقافي والشعري بغيابه المفاجئ.

ويبدو أن مشروع الشاعرين ماهر شرف الدين وزينب عساف لا ينتهي عند "الغاوون" إذ بدأت ملامح دار نشر "الغاوون" تظهر إلى العلن، بعدما أصدرت "منشورات الغاوون" باكورة أعمالها قصيدة لماهر شرف الدين تحت عنوان "تمثال امرأة تتجرّع السم".

النهار- 29-2008