شوقي عبد الأمير
(العراق/بيروت)

شوقي عبد الأميرفي منتصف العام1986 ، وخلال إحدى لقاءاتي الأخيرة مع صموئيل بيكيت، وقد صارت علاقتي به تسمح لي أن أكون أكثر فضولاً في سؤاله عن جوانب قد لا يرغب التحدّث فيها، سألته عمّا تتناقله بعض الأوساط الأدبية والصحافية في باريس، وخصوصاً ناشره الخاص minuit الذي أورثه بيكيت حقوقه كلّها، لأنه لم يخلّف أحداً من بعده وقد ماتت زوجته قبله بقليل، عندما لم يقاوم العيش مع الخادمة التي استأجرها له ناشره المذكور، فقد كان هذا الأخير يسرّب بين الحين والآخر بعض المعلومات عن حياته وخصوصياته، ومن هذه التسريبات ما قيل عن أن بيكيت لم يكن يذهب إلى زيارة صديقه جيمس جويس في منزله في باريس تهرّباً من بنت هذا الأخير التي كانت مولعة به، وكان هو لا يطيق ذلك، ولهذا كان عندما يذهب إلى لقاء جويس يقف عند الباب منتظراً صديقه حتى يخرج وكانت الزيارة في الغالب عبارة عن نزهة قد تطول ساعات يتجوّلان خلالها في أحياء باريس وغالباً ما تقودهما أقدامهما إلى مقبرة مونبارناس، لكنهما لا ينطقان بكلمة طيلة هذه "النزهة"... يظلاّن صامتَيْن!

سألتُ بيكيت عن هذه النزهة الصامتة مع جويس فأجابني بأن هزّ رأسهُ مؤيّداً من دون أن ينبس ببنت شفة.
في الواقع من يتعرّف إلى بيكيت يفهم لغة الصمت حتى أنه في موضع آخر من النقاش ذكر لي عن نزهة أخرى مفضّلة لديه هو وزوجته حيث كانا يحبّان السفر إلى المغرب وإلى طنجة بالذات وفيها نزهتهما المفضلة هناك في مقبرتها... وفي معرض حديثه عن المقبرة ذكر لي أنه يحب فيها الشواهد وحروفها وقد ترك لدي بيكيت رغبة عارمة لزيارة مقبرة طنجة منذ ذلك الحين وكنّا في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم أي قبل أكثر من عقدين، ولم أستطع أن أحقق هذه الرغبة حتى اليوم... لكنني سأفعل ذلك يوماً وأكتب لبيكيت رسالة من هناك لعلّه يكون أقرب إلى بوّابة العدم المفتوحة على المحيط الأطلسي والتي كان يفضّلها.
من يتعرّف إلى بيكيت شخصياً لا يستغرب مثل هذه المشاهد لأنه، كما عرفته، كان إذا ما التقاك لساعةٍ من الوقت فإنه يكون قد بادلك الحديث شفاهاً لفترة لا تتجاوز الربع ساعة، لكنك طيلة الثلاثة أرباع الساعة "الصامتة" في الواقع تواصل حواراً من نوع آخر مع صاحب "في انتظار غودو"، فهو يبادلك النظر بحدقتَيْه الزرقاوَيْن كالمسامير إلى درجة أنك أحياناً لا تستطيع التركيز معه وهو يعرف ذلك، ولهذا تجده يزوغ بعينيه جانباً عندما لا يريد أن يعطي انطباعاً قاسياً لا يقصده، وكذلك فإن لديه عادة شبه تلقائية وهي فرك سطح الطاولة التي أمامه، خصوصاً عندما تكون من الرخام أو الزجاج بأصابعه بقوّة وتركيز لبضع دقائق وهو إما يُصغي خلالها وإما يفكّر قبل أن يردّ أو بكلّ بساطة عندما لا يريد أن يقول شيئاً، لكن من دون أن يفصح عن مشاعره.

هذا الصمت الأكثر ضجيجاً هو الذي بيكيت على محاورتك عبره، وهو يذهب في صمته هذا إلى أبعد فتجده منتشراً حتى على صفحات كتبه، وخصوصاً الأخيرة منها، وأذكر أن آخر كتاب صدر له كان من ثماني صفحات، وهو عبارة عن رسالة قديمة عثر عليها ناشره في موجوداته من الأوراق وقام بإصدارها في كتاب وغلاف وعنوان - لا أذكرهُ الآن - مؤكداً أنه فعل ذلك بالاتفاق مع المؤلّف.
كنت أظن أن الانحسار والصمت داخل النص ينطويان على تفسيرات أخرى غير حوار الصمت، وإذا كان الصمت في الكلام يمكن أن يقول أكثر فما معنى أن الكتابة نفسها تضمر وتتلاشى فلا يبقى من النص إلا شظايا، ومن الكتاب بضع صفحات!

وهنا بادرت صديقي الكبير الصامت بالقول: لكن ما معنى أن كتبك الأخيرة تتضاءل في حجمها وفي عدد صفحاتها؟ أجابني بالهدوء نفسه: "كلّما اقتربنا من الحقيقة لا نعود نشعر برغبة لا في الكلام ولا في الكتابة"، قالها وظل مطرقاً كعادته يحكّ بأصابعه على رخام المنضدة أمامنا في كافيتريا فندق "سان جاك" في باريس، حيث كنّا نلتقي قرب منزله، لكني لم أشأ الرضوخ بسهولة إلى هذه المعادلة التي تبدو له وكأنها اكتشاف يرى فيه أنه كلّما اقترب من الحقيقة اقتنع أكثر بالصمت، ذلك أنني أعرف مَن سبقه إلى هذا، فما كان منّي إلاّ أن بادرته بالقول: "كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" بعدما قمت بترجمة فورية لها، وإذا به يرفع رأسه المحني على الطاولة ويوقف بشكل مفاجئ حركة أصابعه من حكِّ واجهتها المرمرية ويحدّق نحوي بعينيه المسماريّتَيْن الزرقاوَيْن رافعاً كتفَيْه قليلاً وكأنه نسرٌ يحرّك جناحَيْه ويتأهّب: "من قال هذا؟". قلت: صوفيّ مُسلم عاش قبل ألف عام في القاهرة اسمه النفّري. عاد إلى صمته، لكنه كان صمتاً حذراً غير مستقرّ، قطعه بالتفاتة ثانية نحوي قائلاً: "لم أسمع قط به ولكن...". قلتُ: إنه مترجَم إلى الإنكليزية (لم تكن حينها قد صدرت له ترجمة فرنسية) وسأسعى إلى أن أحصل لك على نسخة منها. ردّ عليّ بابتسامة كانت هي الوحيدة التي عرفتها منه طيلة أكثر من لقاء.

لم أستطع أن أجلب له النسخة الإنكليزية التي كانت معروفة من "المواقف والمخاطبات". لا أعرف السبب حينها، لكنني بهذه المناسبة وفي معرض بحثي بشأن هذه المقولة الخطيرة للنفّري عثرت أثناء ترجمتي لإحدى قصائد رامبو في تلك الأيام على بيت يمكن أن يكون صورة حرفيّة "متطابقة" مع مقولة النفرّي حيث يقول رامبو في قصيدته الشهيرة "أوفيليا" في ديوانه الأول "أشعار"، وهي من قصائده الموزونة التي كتبها ولم يكن يتجاوز الثانية عشرة:

"أوفيليا، إن رؤاك الكبيرة
تخنق عباراتك"!

ها هم إذاً؛ رامبو ("الرؤية الكبيرة تخنق العبارة")، والنفّري ("كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة")، وبيكيت ("عندما ترى الحقيقة تنتهي العبارة")... لقد وصلوا جميعاً إلى النقطة نفسها التي هي روح الشعر وعبقرية النص... سوى أن بيكيت لم يكتب ذلك في جملة أو قصيدة، إنما أدركه وعاشه.

بيكيت هذا الصامت الكبير ما زلت أتذكر غضبته واحتدامه عندما جاء ذكر الكاتب المسرحي المعروف يوجين أونسكو صاحب "الكراسي" و"المغنية الصلعاء"... لقد أثرتُ ذلك بنفسي، لكن من دون أن أقصد عندما قلت لهُ وكان ذلك في أوّل لقاء تعلّمت بعده كيف أداري أسئلتي: "لماذا تعتقد أن الحياة عبث؟". وفي هذه اللحظة بالذات كان يردّ عليّ بهدوء وتركيز وبرود قائلاً: "من قال إني أعتقد أن الحياة عبث؟" قلت: "بكل بساطة لا يُذكر مسرحك أو اسمك إلاّ وتلصق بهما صفة العبثي". وهنا ردّ عليّ وبإصرار: "إنني أتحدّى أياً كان أن يجد في كل ما كتبت عبارةً واحدةً تصف الحياةَ والوجود بالعبث". فترة صمت ليست وجيزة تلتْ هذه الكلمات الصارمة التي خرجت من فمه وعينَيْه وأنامله وكل شيء في كيانه. فترة من صمت عَبَرَ خلالها أكثرُ من مئة ملاك - يقول الفرنسيون في لحظات الصمت المفاجئة بين الحضور بأن ملاكاً قد مرّ من بينهم - لم أجرؤ أثناء ذلك على مواصلة الحوار، لكنه ولوحده استدرك: "من يصف الحياة بالعبث هو شخص يحكم على العالم وأنا لا أحكم على أحد بأي صفة كانت. الحكم على الخارج ليس مهنتي ولا يعنيني في شيء".

أصغيت إلى هذه الكلمات تنزل مثل أحجار وكأنه يضعها الواحدة فوق الأخرى كبناء خاص به يشيّده ويحرص عليه، ولم أجرؤ على إضافة شيء وبقيت أقلّد صمته كردّ على ما يقول. وهنا، وكأنه سمع هذا الرد الصامت الصاخب من جهتي، قال لي وباستفهام صارم: "هل تعرف من يحكم على العالم ويصفه بصفات كالعبث وسواها؟" رفعت عينيّ قائلاً عبرهما: لا (لكن من دون أن أنطق بشيء). عندها نظر إليّ، وبهدوء مضطرب قال: "إنه أونسكو، وليس أنا من يحكم على العالم"!

في هذه اللحظة أدركت خطورة الأمر، ذلك أن أونسكو كانت شهرته كبيرة في باريس ومسرحياته تُمثَّل منذ أكثر من ربع قرن في مسارح الجيب في الحي اللاتيني وأنه، في الواقع، المنافس الأقوى لبيكيت. وهنا تجرّأت على الحديث أكثر وقد اتقدتْ شهيّتي لمعرفة أكبر بالتفاصيل والفرق العميق بين "عبثيّة" بيكيت و"عبثيّة" أونسكو فقلت له: ومن أين إذاً جاءت صفة العبثية بهذه الكثرة الملازمة لأدبك ومسرحك؟ أجابني بوضوح وبرود: "هذا الأمر لا يعنيني. هم يقولون عني ذلك، وأنا لا أصف نفسي بهذه الصفة كما لا أصف أحداً أو مشهداً بها، لكني أقدّم في مسرحيّاتي عوالمَ وأصواتاً وشخوصاً في طقس حياتيّ معيّن هو بالنسبة إليّ الحياة ذاتها، الكائنات فيها كما هي في المشهد الذي أختاره لها. لا أدري ما الذي دفع الآخرين إلى أن يطلقوا عليّ هذه الصفة التي ليست لي ولا من ابتكاري، ولا أنتمي إليها وأرفضها".

قال هذه الكلمات وهو ينظر إليّ، وكأنه يبحث عن ردٍّ واقتناع من جانبي. قلت: "هذا هو الفرق بين الحياة في النص وبين الحياة خارج النص". نظر إليّ بتأمّل عميق كمن يفكر ويتأمّل. هزّ رأسه موحياً بالإيجاب، وكمن أحسّ بتعب سبّبتُه له من دون أن أقصد، انتصب واقفاً مستميحاً العذر في المغادرة، لكنه هذه المرّة هو الذي قال لي: "اكتبْ لي كلمة من طريق الناشر إذا أحببت أن نلتقي ثانية".

"الغاوون"
العدد الحادي عشر، 1 كانون الثاني 2009