أجرى المقابلة: كمال الذيب


احمد محمد الخليفةخلال 18 سنة من العمل في الصحافة الثقافية بالبحرين، انتقلت خلالها من صفحة إلى أخرى، ومن جريدة إلى أخرى، أجريت خلالها مئات اللقاءات والحوارات مع أبرز الوجوه الثقافية والفنية والفكرية في البحرين، وفي مقدمتهم الشعراء الأكثر شهرة: إبراهيم العريض، عبد الرحمن المعاودة، علي عبد الله خليفة، غازي القصيبي، قاسم حداد، علوي الهاشمي ....
وبالرغم من تعدد مناسبات الكتابة النقدية عن الشاعر الشيخ أحمد محمد الخليفة، وبالرغم من أنني التقيته في أكثر من مناسبة لقاء عابرا فانه وحتى نهاية ديسمبر ?2??3?م لم تتح لي فرصة إجراء لقاء صحفي مطول مع هذا الشاعر ذي العطاء الشعري الكبير والذي أسهم في ترسيخ التقليد الشعري في البحرين طوال نصف قرن من الإبداع.
في بداية شهر يناير ?2??4?م ، وعلى هامش احتفال اللجنة الأهلية لتكريم رواد الفكر والإبداع في مملكة البحرين، طلبت من الصديق الدكتور منصور سرحان أن يرتب للقاء مطول مع الشيخ احمد محمد الخليفة، فكان الأمر كذلك.

وفي بيت الشاعر بقرية الجسرة مساء يوم السبت الموافق ???? يناير ?2??4?م، كان هذا اللقاء الأول والأخير بالنسبة لي مع الشاعر الكبير قبل رحيله، وقد كان لقاء ممتعا ومطولا شارك الصديق الدكتور منصور سرحان .

* قلت للشاعر مبتدئا: كيف استقبلت تكريم اللجنة الأهلية لتكريم الرواد لك كأحد أهم الشعراء في البحرين؟

- لقد حظيت في حياتي الإبداعية الطويلة، والحمد لله بالكثير من التكريم، لعل أبرزه تكريم القيادة الحكيمة لي في أكثر من مناسبة وتكريم الدولة لي من خلال منحي أعلى وسام من الدرجة الأولى، كما كان تكريمي في العديد من المناسبات في البحرين فرصة لمزيد من الإبداع، وكنت في كل مرة أكرم فيها اشعر فيها بعظمة موقف هذا الشعب الأصيل الذي يحترم الكلمة الجميلة ويقدر المبدعين حق قدرهم.
خمسون عاماً وأنا أتغنى بهذه الأرض الطيبة، خمسون عاماً وأنا أعبر عن الحب والولاء لكل ذرة تراب في هذا البلد الذي أعشق كل ما فيه: البشر والشجر والبحر والإنسان قبل ذلك.
لقد كان تكريم اللجنة الأهلية من أجمل ما حظيت به من تكريم خلال سنين الماضية، فهو تعبير أهلي، ينضاف إلى الرسمي، عن التقدير والمحبة، وهو تعبير عن نظرة حضارية من هذه اللجنة التي تريد تكريس تقليد جميل نرجو ان يتواصل. وأتمنى من الله العلي القدير أن يوفق اللجنة إلى تكريم المزيد من الرواد الذين تزخر بهم مملكة البحرين في شتى جوانب الإبداع.
ويستطرد الشاعر أحمد الخليفة قائلا: لقد كان من المهم أن يتم تكريم الشاعر إبراهيم العريض في حياته من قبل هذه اللجنة، ولكن لم يحصل ذلك، كما انه لم يعجبني كثيرا التكريم الذي حظي به خلال الاحتفال الذي أقيم بعد رحيله، فالعريض شاعر عظيم بكل المقاييس وكان يجب لأي احتفال به ان يكون في حجم قامته الكبيرة.
كما أود في هذا السياق أن أؤكد أن أفضل أنواع التكريم بالنسبة للمبدع بالإضافة لهذه الاحتفاليات، هو تلك الدراسات والبحوث التي تتناول إنتاجه الأدبي بالدراسة، ومن هذا المنطلق فإن العديد من الدراسات التي تناولت تجربته الشعرية بالتحليل والنقد هي أيضا نوعا من التكريم والتقدير.

* ظللت خمسين سنة وأنت تمارس الكتابة، فهل لك من طقوس خاصة في فن الكتابة الشعرية؟

- كل قصيدة من قصائدي كتبتها لها قصة خاصة وولادة خاصة، بل إن كل بيت من الأبيات قد تكون له ولادة خاصة، أحيانا أنهض في وسط الليل أو آخره لأكتب سطراً أو شطرا من القصيدة، الخواطر تأتي وتروح وأخشى ما أخشاه أن تضيع لذلك أنهض مسرعا أو أقطع حديثا أو لحظة لأنهض لأكتب الخاطرة قبل أن (تطير)، وعندما أبدأ القصيدة فإنها تدفعني بنفسها دفعاً فأصبح كالذي في الحلم يسبح ويطير بلا جناحين، وتتدفق اللغة تدفقاً مسبوكاً في الموسيقى وتتواصل هذه الحالة إلى أن تكتمل القصيدة، لقد كنت موظفاً في وزارة الأشغال، وأحياناً تخطر لي القصيدة فلا أجد بدا من أن أستجيب لندائها.

** وهل تخضع القصيدة عندك للتنقيح والمراجعة؟

- نعم بالتأكيد لقد تعلمت درسا من أستاذي إبراهيم العريض الذي كان ينصحني قائلاً: (ضع القصيدة تحت الوسادة ثلاثة أيام)، وهذا تقريبا من كنت أفعله بمعنى من المعاني ولذلك كثيرا ما كنت أراجع القصائد التي كتبتها لضمان الوحدة الفنية، لكنني نشرت كل قصيدة كتبتها.

** وكيف كانت علاقتك بالشاعر إبراهيم العريض الذي تصفه باستمرار بأنه أستاذ لك في مجال الشعر؟

- علاقتي بالعريض كانت مميزة، ولقد ارتبطت به منذ سنة 1952 وحتى سنة ?????? أي نصف قرن من الزمان، نصف قرن من الصداقة، نصف قرن كنت أتعلم من هذا الشاعر الكبير، تعلمت منه حب الشعر تعلمت منه حب اللغة العربية وتعلمت منه أن الشعر فن عظيما وليس هراء وطلاسم.، لقد كان العريض أستاذي وظلي الذي لا يفارقني طوال حياتي، لقد كنت استقي منه الحكمة والرأي الناقد.

** وكيف التقيت بالعريض أول مرة؟

- لقد التقيت بسائق كان يعمل عنده وهو جار لي وقلت له لدي رسالة أرجو توصيلها إلى إبراهيم العريض، كان ذلك سنة 1952 وبالفعل وصلت الرسالة التي كنت اطلب فيها مقابلته لأعرض عليه بعض أشعاري، وفوجئت بأن الرجل رحب بي بشكل لا يوصف، ومن تلك اللحظة أصبحت بيننا صداقة أدبية وإنسانية، وأذكر أنني في بداياتي الشعرية كتبت قصيدة وأهديته إياها فقال لي: أنصحك أن لا تنشر أي تجربة، عليك أن تتمهل وتراجع ما تكتبه، وتذكر دائما أنك لن تصبح شاعراً إلا إذا تحدث عنك الأدباء والنقاد في دمشق والقاهرة.

** نلحظ في بعض قصائدك رغم طغيان النزعة الرومانسية نزعة تأملية أيضا على مستوى روحية القصيدة ولغتها وصورها وإيقاعاتها...

- جميع الذين كتبوا عن تجربتي الشعرية على حد علمي قد أكدوا على المنزع الرومانسي والوطني بالدرجة الأولى، و لأول مرة يثار مثل هذا السؤال، واعترف بأنه فاجأني إلى حد ما، ولكن من المؤكد أن لدي العديد من القصائد التي نحوت فيها نحو التأمل والتفكر و هو منزع يرتبط عندي في تقديري بالفكرة الرومانسية وليس بالفكرة الصوفية، لان شعري ارتبط باستمرار بالحياة وحب الحياة أكثر من ارتباطه بالزهد والتصوف.
ومع ذلك يجب أن اعترف بأنه قد كان للتصوف ونصوصه الأساسية دور كبير في الشعر العربي خلال تاريخه الطويل، فمع رسوخ النمطية في القصيدة منذ القرن الثاني الهجري وجمود لغته وأغراضه، كان التصوف أحد أهم المصادر التي أعطت للشعر قدرا من العمق، أعاد للغة بهاءها وجدتها وأعاد الدهشة وأسس لوحدة وجود الشعر والقصيدة وكشف التجارب النفسية والعقلية العميقة والمكابدات الشخصية المرهقة مما أدى إلى تجاوز الجمود الشعري، وكان مما ساعدني شخصياً على الخروج من مرجعية النص السياسي ومألوفية لغة الشعر السائدة وتعميق التجربة الشخصية. وإذا ما كانت لتجربتي الشعرية علاقة ما مع اللغة الصوفية من خلال المنزع الرومانسي مثلما أشرت إلى ذلك، فإنها ليست في النهاية علاقة باللغة الاصطلاحية الموجودة في التصوف، وإنما بالوعي بالعلاقة بين اللغة والتجربة الشعرية، وبين التصور ووظيفة الخيال. وهنا قد التقي مع أستاذي في الشعر الراحل إبراهيم العريض.

** يقال بان تجربتك الشعرية بعكس تجربة عبد الرحمن المعاودة لم تهتم كثيرا بالهم السياسي والاجتماعي وقد اقتصرت على البعدين الرومانسي والوطني، وانك بذلك تكون اقرب إلى الشاعر الراحل إبراهيم العريض، فما هو تعليقك على ذلك؟

- شعري مرتبط بمختلف أوجه الحياة، بما في ذلك المجتمع والوطن والحب والقومية والنضال من اجل الحرية، ولكن منزعي العام قريب من منزع العريض بلا شك ومع مذهب الشعراء الرومانسيين إلى حد بعيد، ولقد عبرت في عشرات القصائد عن حب هذا الوطن وعشقه وتغنيت به وبقيادته التي قادته إلى الحرية والنهضة التقدم وجعلت من البحرين بلدا آمنا متقدما متحضرا يطيب فيه العيش، وكنت في ذلك انطلق من صدق عاطفة ومحبة للقيادة وبجدارتها بما يصدر من مديح صادق.
كما أنني، تفاعلت اشد التفاعل مع قضايا الوطن العربي الكبير وتشهد عشرات القصائد بذلك، فقد كتبت عن ثورة الجزائر وعن ثورة مصر وكتبت عن فلسطين وغيرها، فلم أكن إذن شاعرا متقوقعا ومنغلقا على نفسي أتغنى فقط بالطبيعة، ولا يهمني أمر الأوطان وحريتها ونهضتها، لقد كنت في طليعة شعراء البحرين المعاصرين الذين خلدوا البيئة وأحداث المجتمع في قصائدي، وأصدر عددا من الدواوين الشعرية، منها عدة مجموعات في ديوان واحد باسم - العناقيد الأربعة - والقمر والنخيل - وبقايا الغدران - وغيوم في الصيف - وهجير وسراب.
كما أنني - والكلام مازال للشيخ احمد- نشرت بواكير نتاجي الشعري في مجلة (المستمع العربي) التي كانت تصدر من لندن أثناء الحرب العالمية الثانية في عام 1951م، كما نشرت مجموعة من قصائدي في مجلة المجتمع العربي المصرية، ثم في الصحف المحلية مثل صوت البحرين والقافلة والخميلة حتى أصدرت ديواني أغاني البحرين عام 1955م. ولا أحد يستطيع ان ينكر ان، وكانت قصائدي مثل قصائد العريض معبرة عن التفاعل الخليجي مع القضايا العربية. وكانت البيئة دائما وما تمثله من تجارب ودروس من اجل الحياة تمثل المادة الخصبة لشعر الشيخ احمد بن محمد آل خليفة. كما أنني من الشعراء الذين ترجموا بوضوح العديد من التجارب الخاصة بالبيئة البحرينية، مثل تجربة الغوص.
قد تكون مداخلي مختلفة عن مداخل الآخرين، ولكنني كنت اكتب عن الوطن بطريقتي الخاصة، كنت أتغنى به لأنني كنت أراه الفردوس في الأرض، اعشق كل ذرة تراب فيه وكل قطرة بحر.. تلك طريقتي وذلك منهجي ولكل مبدع طريق ومنهج.

** يعتبر الكثير من القراء والنقاد بأنك تمثل الجانب التقليدي المحافظ في التجربة الشعرية البحرينية، وانك التزمت منذ البداية بنهج تقليدي في كتابة القصيدة لم تحد عنه طوال رحلتك الإبداعية برغم التيارات الأدبية الجديدة المتجددة خلال العقود الماضية، فهل يعكس مفهومك للشعر؟

- دعني أولا أوضح لك أنني لا أعبأ كثيرا بالتصنيفات الذي اهتم به بالدرجة الأولى هو وجود ( الشعر) والشعر عندي كلام جميل فيه فكر وصورة وينشئ عالما وكونا شعريا وهو قبل هذا وذاك موسيقى، وبدون الموسيقى يصبح الشعر أي شيء إلا شعرا، وبلا شك أن الموسيقى لوحدها لا تصنع شعرا، ولكن بدون الموسيقى يصبح للشعر مسمى آخر، الموسيقى، هي العنصر المميز.
النقطة الثانية تتعلق بنظرتي إلى اللغة وإلى الأصالة العربية، وهي نظرة كلاسيكية اعتز بها ولا أرى فيها عيبا، فقد كنت حريصا على المحافظة على مستوى معين من اللغة لا انزل عنها محافظا على القديم، ليس للتدليل على المقدرة الأدبية فقط وإنما للتأكيد على الإيمان بضرورة صيانة اللغة والمحافظة على الطابع العربي الأصيل فيها.

يبدو أن تقبل الشكل الشعري التقليدي، أو رفضه، يرتبط بالمستوى الثقافي العام في بلد مثل البحرين، فقد كانت الحركة الأدبية والشعرية في مقدمتها تلعب دورا في النهوض الثقافي، بل كانت في مقدمة قوى التجديد الشعري لكنه التجديد داخل النظام وليس خارجه، لقد كنت أتابع الحركات الشعرية التجديدية وكنت معجبا بالشابي وبشعراء المهجر، كانت نزعة شعرية جديدة تتململ في مناطق أخرى من العالم العربي، في مصر وفي المهجر اللبناني: (مدرسة الديوان) (جماعة المهجر) وأشعار جبران خليل جبران وخليل مطران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وأبو القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي وعمر أبو ريشة. نزعة كانت موسومة، غالباً، بالرومانسية التي كانت تمنح (الخيال) دوراً أساسياً في عمل الشاعر...
واعتقد بان تجربتي قد استفادت من هذا المنحى التجديدي في القصيدة إلا أنها ظلت متمسكة بقوة بالتقاليد الشعرية العربية الأصيلة، ولم يكن ممكنا ان أتجاهل ذلك وانحرف إلى كتابة قصيدة النثر الخالية من الروح الشعري.

** هل تقرأ لشعراء الجيل الجديد في البحرين و هل تتابع ما ينشرونه؟ وهل أنت من المؤمنين بتقسيم الشعراء إلى أجيال شعرية ؟

- الجواب هو (لا) في الوقت الحاضر تحديدا، لان من كان في مثل سني يجب ان ينتقي ما يجب عليه قراءته لأسباب كثيرة، وللأسف أيضا أن جل ما يكتب من هذا الشعر الذي اطلعت عليه لا صلة له بالشعر من قريب أو بعيد.
وأما بالنسبة إلى مشكلة تقسيم الشعراء إلى أجيال شعرية فيبدو لي أن التقسيم غير مناسب، وإنما الأصح ان نصنف الشعراء تصنيفا فنيا، تصنيف الشعراء في مجموعات مرتبطة بالسن أو بالعمر مشكلة مفتعلة والمفترض أن يكون التقسيم والتصنيف على أسس فنية وفكرية وجمالية، ولذلك أنا لا افهم هذا التقسيم ولا أتذوقه.
إن نشرت مجموعات شعرية في السبعينات وهي المجموعات التي أتصور أنني بلغت فيها أقصى النضج الفني، فهل أنا شاعر من شعراء السبعينات، نعم لقد خضت تجربة الخمسينات والستينات بروحية شاعر مبتدئ وبموقف التلميذ المجتهد الذي يريد أن يعرف نفسه وغيره، ويحاول تجربة الإبداع بدهشة الناشئ الجديد. هذا التصنيف إذن غير مقبول وغير معقول أيضا، وأتصور أن التصنيف الفني إلى تيارات ومدارس هو الكفيل بإلغاء مشكلة تصنيف الشعراء إلى أجيال وهو الكفيل أيضا بتوضيح مسارات الشعر ومستويات الإبداع.

** وهل العزوف عن قراءة المتن الشعري الشاب يعود أيضا الى الغموض وغياب الرسالة؟

- أنا شخصيا مؤمن بان الشعر كلام له معنى وله رسالة قبل كل شيء أما الطلاسم والتهويميات فلا تعني لي كثيرا ولست معنيا بها.
وفي جميع الأحوال فإننا يجب أن نميز بين الغموض الناشئ عن عمق المعنى ورهافته، وبين الغموض الناشئ عن فساد المعنى أو عدم وجوده أصلا. وهذا الثاني للأسف هو الغالب فيما يقال عنه شعر حداثي.

** يقال إن الفرق بين تجربتك الشعرية تجربة إبراهيم العريض، انك بقيت في حدود الغنائية الشعرية، في حين ان دراسة العرض الفلسفة ودخوله من خلالها عبر الأسئلة الكونية الكبرى أدت إلى اتساع دائرة الرؤية لديه فما هو تعليقك؟

- لكل ناقد الحق في أن يقرا التجربة كما يريد طالما انه يورد القرائن الدالة على ذلك ، وبالنسبة للغنائية التي تتسم بها تجربتي الشعرية فقد حافظت على شعرية الشعر وجمالياته، وذلك لان إدخال العامل الفلسفي في الشعر يؤدي حتما إلى خفوت جذوة الشعر والغنائية لأنه يعني الميل إلى تجريد الصور والمعنى، وقد استمرت هذه الغنائية في تجربتي، إلا انه من المهم التأكيد تجربتي الشعرية لا تخلو أمامي من فكر ورمز وعمق واشتباك مع الأسئلة الكونية الكبيرة، واكتشاف للجذور الفلسفية، وعلاقة التراث بالثقافات المغايرة وأنماط الحوار بين العقول الكبرى في تاريخ العالم، إلا أن الشاعر اليقظ الحي هو الذي لا يسقط في التجريد الذهني البارد ولا الخطاب الاجتماعي المباشر، الشعر عندي اتساع في الرؤيا وانفتاح على الأسئلة وانغماس في القلق، وهو قبل ذلك متعة وفن وصناعة.

** هل الشعر يجب أن يرتبط بالموسيقى بالضرورة؟ وهل كل ما كتب خارج البحور والقوافي لا يعتبر شاعراً من وجهة نظرك؟

- أنا لا أؤمن بالمنثور الذي يقال عنه شعراً هذه وجهة نظري ولم تتغير طوال نصف قرن، الشعر لابد أن يكون شعراً موزونا ومقفى، قد تكون ذات نزعة محافظة كما يقول عني بعض النقاد ولكنني مؤمن بأن الشعر والموسيقى رفيقان لا يفترقان، ولذلك فإنني لا اطلع كثيراً على ذلك الشعر الذي يسمونه نثرياً.

** وكيف تقيم تجربتك الشعرية في مراحلها المختلفة؟

- هذا السؤال من الصعب الإجابة عليه لأن الشاعر لا يستطيع ان ينتقد نفسه، ولكنني أود أن أسجل ملاحظات في هذا السياق، فالشعر موجات وأقواها الموجة الأولى ولذلك أنني اعتقد أن أقوى أشعاري هي تلك الموجودة في الديوان الأول.

** لمن تقرأ لشعراء البحرين المعاصرين أو القدامى؟

- أقرأ لغازي القصيبي وعبد الرحمن رفيع وعبد الرحمن المعاودة وإبراهيم العريض.

** وماذا عن قاسم حداد؟

- لا استسيغ شعره، وقد توقفت عن قراءته لأنني كما قلت سابقاً لا استسيغ شعر الذي لا يحترم العمود الموسيقي.

** وهل أنت راضي عن حياتك وتجربتك؟

- نعم أنا راض، لقد أعطيت الكثير (تسعة دواوين) وأخذت الكثير أيضا من الحب والتقدير والرعاية.

** يقال أنك من عشاق جمع الكتب حتى أنك تشتري من كل كتاب أربع نسخ فهل هذا صحيح؟

- نعم أنا أمتلك مكتبة في كل مكان اسكنه بالفعل اشتري عدد أربع نسخ من كل كتاب حتى يكون في كل مكتبة من مكتباتي نسخة منه.

** وهل تتابع الصحافة بشكل يومي؟

- إلى حد ما الصحف تتجه إلى السياسة والسياسة مكروهة والثقافة في صحافتنا مخنوقة محدودة، القصائد في الصحافة القديمة كانت توضع في الصفحة الأولى أو في الصفحة الأخيرة أما اليوم فمساحة الثقافة قد تقلصت إلى درجة محزنة.

** هل انتقل حب الشعر إلى أولادك؟

- نعم بالتأكيد اثنان من الأولاد لهم نتاج شعري جيد.

** أنت من عشاق الطبيعة ولكن الطبيعة تضيق مساحاتها وفضاءاتها مع الزحف العمراني؟

- هذا صحيح ولكن مع ذلك مازلت اخرج مع السائق للهضاب بعيدا عن العمران لاستمتع بالطبيعة، وأجمل اللحظات هي لحظات نزول المطر.

** سمعت أنك عازف عود وأنك تتغنى أيضا ببعض الأصوات؟

- نعم فأنا عازف عود من الدرجة الأولى ولقد درست العزف وأغني جميع الأصوات البحرينية القديمة محمد زويد محمد بن فارس وضاح بن الوليد.

** هل ثمة أمنية من أمانيك لم تتحقق؟

- كل شيء تمنيته في الحياة تحقق تقريباً والحمد لله، وما دام عندنا هذا الملك الطيب الذي يحب الناس وشعبه ووطنه فإن كل الخير سيعم هذا الوطن العزيز.

ملحق رؤى - الأيام
الأحد 23 مايو 2004 م