حاورته منى كريم: حاتم الصكَر من أهم الأسماء التي عرفها النقد العراقي و العربي، تتبع خطوات الحركة الحداثية، فدرس مفصليات جيل السبعينات في العراق و من ثم تجربة الشعر النسائي في اليمن الخ... يملك هذا الناقد الشاعر آراءً خاصة حول الشعر و تلمس نبض الحركة النقدية العربية. يقيم حالياً في اليمن وقد شغل عدة مناصب تعليمية فيها.. بعد إلحاح طويل استطعنا أن نحتوي كلماته في هذا الحوار:
* قلت ذات مرة في إحدى حواراتك عن قصيدة النثر إنها تريد في برنامجها غير المعلن ـ أي المسكوت عنه ـ "أن تقلل كمية الشعر في القصيدة، هذا الذي يملؤها حتى تفيض به أو تختنق، وهي بذلك تهدم وتبني معا. وتلك إحدى عللها وأبرز مآزقها". كيف ترى في تخلص قصيدة النثر من : زوائد القصيدة والبلاغة والاعتماد الكلي على الشعر المنطلق من اللغة والزخرفة.. هدماً؟
- (الهدم) في إجابتي وصف معرفي لخطوة إجرائية معروفة في مناهج التفكيك خاصة، وهي لحظة منهجية تكتيكية على مستوى القراءة، نتخلص خلالها مما أسميته فائض الشعر فيها، وهذا مأزق فني على مستوى الكتابة، إذ يواجه الشاعر مسؤولية إبعاد تلك الزوائد وإيقاف تدفق الشعر وتداعي لوازمه التقليدية: غنائية موضوعية أو تصويرية، زخارف بلاغية مكررة الخ...
لقد قلت ذات مرة إن قصائد السّياب تختنق بشعر وفير أكثر مما تتطلبه القصيدة. كان في خاطري وأنا أقول ذلك قصائد السياب المزدحمة بالاسترسال التصويري وخلق ما يدعوه إحسان عباس الصور المستعرضة، أي التي تتمدد أفقياً وعرضياً دون أن تنمو عمودياً وتؤسس لبؤرة نصية تتسع حولها أطراف القصيدة. كان الشعر بآلياته المعهودة يحاصر رؤى السياب، فيطفح نصه بذلك الشعر الذي كان بالإمكان تنقيته أكثر.
وذلك انتقل لبعض قصائد النثر في مراحلها المبكرة، وهو ميراث أصيب به النثر الشعري أيضاً: تجارب الريحاني وجبران و روفائيل بطي وسواهم.. وترك ظلاله على تيار من قصائد النثر التي لم يمارس كّتابها عملية (الهدم) المشار إليها في سؤالك وفي إجابتي.. هذا الوقوع تحت جاذبية (الشعر) وحضوره التقليدي الفائض، هو أحد وجهي أزمة فنية في قصيدة النثر، ووجهها الآخر هو الاستسلام لمفهوم (النثر) بمعناه المقابل أو المناقض للشعر، فصرنا نقرأ قصائد وثائقية مثلاً يحضر فيها النثر (في السرد والوصف معا و وفي البناء الجملي والتراكيب وغنائية الموضوع) حضوراً نثرياً إذا صحّ الوصف، أعني بكل برودته ومباشرته ولا شعريّته.. وإذا كنت قد دعوت لهدم فائض الشعر لصالح قصيدة نثرية خالصة، فأنا أذكّر هنا بضرورة إقصاء حضور النثر ككتلة بهيكله ووجوده ووظيفته الخارجية.
* عُرفت قصيدة النثر بتخلصها من الإيقاع، ما رأيك في التجارب التي حاولت منح بعض الإيقاع لقصيدة النثر كصنع موسيقى من تراكيب الجملة وتراتب الألوان والأفكار حسب وصف الأستاذ صلاح نيازي، أو مثلاً كتجربة شاكر لعيبي مع قصيدة النثر المقفاة؟
- ثمة التباس في السؤال.. قصيدة النثر لم تعرف بتخلصها من (الإيقاع) إلا إذا كان المقصود (الإيقاع الخارجي) المتحصّل من الموسيقى الشعرية التقليدية (الأوزان والقوافي)، وكثير من الأطروحات النقدية الحداثية تؤكد وجود (إيقاع داخلي) بديل عن تلك الموسيقى المقصاة في قصائد النثر. وعلى هذه الفرضية دارت بعض دراسات كتابي (مالا تؤديه الصفة) بيروت 1993، وبعض دراسات كتابي الأخير (حلم الفراشة) صنعاء 2004وفي تلك الدراسات مقترحات وتصورات لوجود ذلك الإيقاع البديل مثلاً كإيقاع التكرار والتوازي وإيقاع السرد والإيقاع الخطّي المتكون من هيئة النص وتنضيده الكتلوي... هذا الزعم النظري المدعم بتطبيقات نصية وتحليلات فنيّة وصفه البعض من الزملاء بأنه (وهم) أو (تصوّر تجريدي) وافتراضات قراءة، مبعدين تماماً وجود إيقاع داخلي أو أي إيقاع في قصيدة النثر، ما دامت تقوم أساساً على اتحاد متناقضين هما الشعر والنثر.. ولكل منهما أعرافه واشتراطاته.
التجربتان اللتان يشير إليهما سؤالك لم تجدا ملموسيّة نصية :أي أن التجّسد أو التحقّق النصي لهما ظل غائباً، لكنني أجد أن تراتب الألوان أو تدرجها وكذا تجاور الأفكار أو تقاطعها والبناء الجملي جديرة بالفحص والدراسة حقاً.. وتساهم في البحث عن أطر إيقاعية لقصيدة النثر، تنسحب من بعد على وجودها النصي كله - أي مستوياتها الدلالية والبنائية واللفظية والخطيّة... أما التجربة التي لخّصها السؤال بأنها (قصيدة النثر المقفاة) فلم أجد لها ـ شخصياً على الأقل ـ أي مستند نظري إيقاعي مقنع، وذكرت في إحدى اللقاءات أنها تخلخل إيقاعية قصيدة النثر بجلب القافية لمتن متمدد دلالياً وبنائياً متخلصاً من إيقاعية الوزن، وذلك يجعل النص ناشزاً، ويعيد إلى ذاكرة القراءة تجارب شعراء النثر الشعري وطابياتهم المتذبذبة إيقاعيا، إضافة إلى أن هذا المقترح يعكس أو يقلب مقترح الزهاوي الذي أسماه (الشعر المرسل) القائم على الالتزام بالوزن مع إهمال القافية، وذكّرت بالنقاشات الذوقية التي دارت حوله، ووجدت في مبررات رفضه ما يصلح لرفض قصيدة النثر المقفاة التي لم تفرز أفراداً من النصوص تعزّز الفرضية الإيقاعية تلك.
وأظن أن سردية قصيدة النثر التي تأكدت في العقود الأخيرة جديرة بالتأمل والمحاكمة النظرية، كمقترح عملي للبحث عن طرق إيقاعية جديدة لقصيدة النثر العربية.
* يحمل المتلقي العربي كمّاً كبيراً من الأخطاء في تصوره لقصيدة النثر، بعضهم يراها متجذّرة في التراث العربي، قبل رامبو و بودلير ـ كما رسّخ أدونيس ـ والآخر يجد أنها نوع متطفل على الإبداع العربي. باعتقادك على من تقع ولادة هذه المفاهيم الخاطئة؟، وهل لاحظت وجود أية محاولات لترسيخ مفهوم كوني لقصيدة النثر؟
- في مناسبات سابقة أسميت البحث عن جذور لقصيدة النثر العربية في التراث بأنه مظهر من مظاهر (عقدة الأصل) أي رغبة العربي بالانتساب والبحث عن أصول، فكما أن للفرد سلالة وقبيلة وأسرة…الخ...فلا بد للنوع الفنّي من أصول. حصل هذا في البحث عن أصول لفنون مستلفة من الغرب كالرواية والقصة والشعر (الحر) والمسرحيّة.. وحصل في أطروحات كانت تحاول التنظير لقصيدة النثر وتأسيس تاريخية مفترضة لها، وقد وصفت ذلك بأنه أحدى جنايات جيل الرواد في كتابة قصيدة النثر.. ومظهر لردود أفعالهم على رفض المتلقين لتجاربهم وتخوينها.. لا بأس في البحث عن (ممهّدات إيقاعية وشكلية) تخفف رفض القارئ العربي لنوع القصيدة النثرية واحتجاجه التام عليها، والتذكير بأنواع (شعرية) خارج الترسيم التقليدي والرسمي الصارم للشعر.. وهذه الحجة استخدمها رواد الشعر (الحر) في العراق خلال الحجاج حول شرعية قصيدتهم منتصف الأربعينيات، فأشارت نازك الملائكة مثلاً إلى شعر البند والموشح كنوعين لهما قرابة أو نسب بالقصيدة الجديدة، وأشار السياب إلى مرجعيات أخرى: الجرأة الموسيقية في شعر المولّدين العباسيين (المحدثين) ومعلقة عبيد وفي نماذج من شعر الحداثة في دوراتها المبكرة كالمهجريين والحوار في مسرح باكثير.. أدونيس بوصفه صاحب المقترح الاصطلاحي (قصيدة النثر) والذي ظل يراجعه ويرفضه ويستبدله لاحقاً، حاول أن يبحث أيضاً عن (سلالة) كي لا تظل قصيدة النثر مخلوقاً هجيناً أو مولوداً بسفاح زوجي أثمره لقاء النثر والشعر خارج المؤسسة الرسمية الشرعية..
قد يكون مقترح البحث عن ممهّدات إيقاعية في التراث الشعري والتنويه بنصوص تفرّ من التجنيس النوعي المألوف، مقترحاً توفيقيّاً، لكنني أحاول من خلاله تسمية الأشياء بأسمائها، فقصيدة النثر شكل شعري فرنسي نقله شعراء عرب في لحظة من تطور الشعريّة العربية- بعد مقترح شعراء العراق الرواد (ما عرف بالشعر الحر) وربما وجد المشتغلون بالنظرية الأدبية جذورا لهذا النوع قبل إطلاق بودلير المصطلح (قصيدة نثر) عام 1861م :كالنثر الموقّع والترجمات والمذكرات، بل حتى في استخدام المصطلح (قصائد نثر) وصفاً لبعض الروايات كما يقرر بوالو عام 1700.. فعندنا أيضاً جرى النبش في الماضي للقول بأننا نعرف هذا النوع.. وذلك غير دقيق، فالكشف الذي قام به أدونيس بذائقته الشعرية العالية وحسّه النقدي عن كتابات النفري في المواقف والمخاطبات وبعض كتابات التوحيدي ثم الندّات الشعرية في نثر المتصوفة كالبسطامي والجنيد والخرّاز والحلاج وغيرهم تظل في سياقها الكتابي، فهي تنطلق من النثر أساساً، وإذا صادف والتمعت فيها مناطق شعرية فهي تخلق ذلك على مستوى (الأثر) الذي تحدثه في نفس القارئ والشبيه بأثر الشعر، لكن كتّابها محكومون بالقصد أي إنتاج نصوص يقصد منها أن تكون نثراً تأمليّاً لا ينتسب في كتابته إلى اشتراطات الشعر.
أما محاولات ترسيخ مفهوم كوني لقصيدة النثر فأعتقد أنها موجودة ضمن الاصطفاف الحداثيّ العالمي، فلكل عصر ذائقة وإيقاع في الفنون كافة، كالرسم والسينما والمسرح والشعر، تسود فيها رؤية أو منهجية أو تيار، وهذا ما يسم قصيدة النثر ذات البعد الكوني بالمعنى الفكري لا الجغرافي..أي الاشتراك الإنساني في الهموم الفنية والعقلية والوجودية.
* انطلاق قصيدة النثر على مستوى الشعر العربي من العراق (على يد روفائيل بطي والرصافي وغيرهم) في عشرينيات القرن السابق، هل منح بريقاً ما للتجربة الشعرية العراقية؟
- لا أعتقد أن لكتابات بطي أثراً في قصيدة النثر العراقية بأجيالها المختلفة، منذ جماعة كركوك (سركون بولص وصلاح فائق وفاضل العزاوي وجان دمو..) وحتى زملاءهم الآخرين (عبد الرحمن طهمازي وحسين عبد اللطيف وعمران القيسي وسواهم) وصولاً إلى الجيل التالي للستينيين حتى اليوم، لسبب بسيط هو أن تلك الأشعار النثرية التي كتبها روفائيل بطي في ديوان (الربيعيات 1925) وكذلك أشعار أمين الريحاني (الريحانيات) وخواطر جبران وشعره المنثور أيضاً، وكتابات مدرسة مجلة (الأديب وصاحبها (ألبير أديب) وما نشر في المجلات العربية مثل (الحرية) التي أصدرها بطي ببغداد عامي 1924 و 1926 والنصوص المنشورة في مجلات المهجر ولبنان ومصر لم تكن تحت قوة القراءة كمراجع مؤثّرة أو جزء من ثقافة الشاعر.. ربما كانت تلك النصوص حافزاً مرجعيّاً لشعراء من جيل الروّاد وما عرف بالشعر الحر لقربهم الزمني والفكري من تلك التجارب.. لقد كانت العودة لتلك الأشعار لاحقاً وفي فترة البحث (الأكاديمي والنقدي) عن مستندات تقوّي وتعزّز الحاجة للانتقال إلى قصيدة النثر.
أما الرصافي فلا أرى لـه أي دور في ذلك، ولم أقرأ في شعره أية اختراقات للبنية الشعرية التقليدية، بل كان شعره في أغلبه (نظماً) عاديّاً.. ولم يلفت انتباه الشعراء اللاحقين إلى ما فيه من حسّ يومي حياتي وكسرٍ لهيبة الموضوع الشعري -بسبب ضعف بنائه وتقليدية قصيدته.. ربما وبصدد الحديث عن مؤثرات في تجربة قصيدة النثر في العراق، يكون ممكناً الحديث عن أثر الترجمات الشعرية، والكتب الدينية، وإطلاع الشعراء بحكم إجادتهم للّغة الإنجليزية على نماذج عالمية، إضافة إلى تأثير مجلة (شعر) البيروتية ودواوين شعراء التجمع الذي عرف نقدياً بجماعة شعر، وأدونيس وأنسي الحاج وأبو شقرا ويوسف الخال بوجه خاص.. بقياس المؤثر كان يمكن للتراث الرافديني الأدبي كحوار السيد والعبد وكملحمة جلجاحش والرقم الطينية التي حققت ونشرت نصوصها من بعد أن تكون ذات أثر أقوى لو أنها قرئت جيدا..
* كيف تحدثنا عن حاتم الصكر الشاعر؟ ألا يجد (الشاعر الناقد) صعوبة في كتابة القصيدة، ألا يجلدها؟
- تجربتي الشعرية متواضعة، فأنا أندرج ضمن المناخ الستيني، كتبت القصيدة الحرة بمؤثرات سيّابيّة أولاً ثم هدأت إيقاعات قصيدتي قليلاً، لكن ذلك ترافق مع انصرافي للنقد، وقراءة كتبه، وذلك دعاني لإقامة علاقة أصفها دوماً بأنها (عشقية) لا رسمية مع الشعر.. أكتبه في ضجرات واستثارات لكني لم أكرس نفسي كليّاً لـه.. والشعر لا يرضى بعلاقة كهذه بل يريد تملّكاً وتسلّطاً تاماً.. كان ثمة توتر بيني وبين قصيدتي، وعدم رضى أو استقرار، حتى تباعد ما بيني وبينها رغم دواويني الثلاثة المنشورة.. وقطع نثرية كتبتها ـ ونشرت بعضها ـ في الأعوام الأخيرة.. مؤخراً وربما لتعليل القطيعة وتكييفها نظرياً ـ صرت أؤمن أن الشعر ممارسة يمكن أن تأخذ تجلياتها خارج (النصوص) أي بملاحقة القصيدة في مظاهر عدة منها: القراءة والمتابعة وكتابة النقد الشعري، لاسيما وأنا ممن يتبلور جهدهم النقدي في الجانب التطبيقي.. أو بمعيار تصنيفي منهجي أنا من المصطفّين حول النص، والمركّزين توصلاتهم وقناعاتهم النظرية من خلاله أولاً... إن ذلك لا يبعدني عن الشعر كثيراً وربما جعلني وسط عناءاته ومشاكساته..
* تقع التجارب العربية الحديثة في خطأ كبير حيث ينطلق الشاعر في كتابة قصيدته من اللغة، بينما عمل الشعر على المستوى العالمي على استخدام اللغة باعتبارها وسيلة لإيصال الفكرة الإنسانية التي يحملها الشاعر وتكويناتها من رؤية أو مخيلة وغيرهما. ما رأيك بهذا التصور؟
- القصيدة نشاط لغوي إنساني يصهر داخل تراكيبه المستويات النصية الأخرى كالدلالة والمعنى والإيقاع والهيئات النصية وحتى الموضوعات والمضامين التي تتراجع أهميتها إذا ما احتكمنا إلى (الكيفية)- أي إذا عددنا الشعرية هي إجابة على سؤال (كيف قال النص ما يريد؟) وليس (من قال) أو (ماذا قال) وهما الحلقتان الأقدم في سؤال الشعرية،حين كان الاهتمام بالتاريخ والبيوغرافيا وتركيز القراءة والتحليل في صاحب النص، وذلك هيمن على الجهد النقدي التراثي عندنا، ثم صار الاهتمام بالمعاني والدلالات والأغراض التي يؤديها الملفوظ النصي، فظهر شرح النصوص وتفسيرها ونثرها بديلاً عن تحليلها وتأويلها والبحث في طبقاتها عن المسكوت عنه، والصلة النصية بين القصيدة المقروءة وأفراد النصوص الأخرى (التناص) وفحص المستوى الخطّي (هيئة النص أثناء كتابته) وعتباته (عنوانه وما يحف به من ملاحظات تمهيدية وختامية كالإهداء وزمن الكتابة ومكانها..الخ) ومما فات القراء والنقاد ـ والشعراء بداهة ـ الانتباه إليه في تلك الحلقات من تاريخ الشعرية العربية هو المستوى اللغوي للنص بما أن النص هو نسيج لغوي في المقام الأول، فأهمل المعجم اللفظي ودلالاته الزمنية والصرفية والمستوى التركيبي ـ الجملي ـ والأسلوبي و دلالة استخدام أساليب معينة في النص..
وضمن الثورة المنهجية الأخيرة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي جرى التركيز على اللغة ومظاهر وجودها في النص والتي أشرت إليها قبل قليل.. ولكن وقع خطأ كبير سببه الحماسة المنهجية، فقد ترافق استلافنا لمناهج النقد الغربية الحديثة مع الاتجاه اللساني بأنواعه (البنيوية والأسلوبية خاصة) مما عزّز الاعتقاد بوجود اللغة كعنصر مهيمن مستقل عن أية وظيفة.. وأعتقد أن كثيرا منا وقع تحت فتنة لغة النص وكونها غاية لا وسيلة، حتى ردّد البعض رأي بارت الطريف في تشبيهه للغة النص المقصودة لذاتها وليس لإنتاج المعاني والدلالات، بممارسة الجنس لغرض المتعة والجنس ذاته وليس لإنتاج الأبناء أو ولادتهم. بل هو يبشّر بالنص اللازم (الذي يكتفي بنفسه) لا النص المتعدي (الذي ينتج أغراضاً أو دلالات في المقام الأول). وهرع المتحمسون للمنهجيات اللسانية إلى التراث النقدي ليعلوا من شأن المدارس اللفظية في الشعر العربي القديم والقائلة بأن اللفظ جسد والمعنى روح، وبأولوية الألفاظ والتراكيب على المعاني (المطروحة في الطريق يعرفها الجاهل والعاقل، العربي والأعجمي ) برأي الجاحظ..
لكن سؤالك يعيد ترتيب المسألة، فتصبح اللغة (في الكتابة الشعرية) وفحص مستوياتها المتحصّلة (في الكتابة النقدية) مناسبة ملائمة للانفتاح على الدلالات والأفكار التي توصلها النصوص باعتبارها (رسالة) تنطلق من مرسِل إلى مستقبل عبر قناة.وهذا التصور يحفظ أدبية النص من جهة ولا يبدد لغته فداءً للمعاني، ومن جهة ثانية يحفظ الحمولة الدلالية للنص ويتيح للمتلقي استخراجها، علماً بأنني استخدم (الدلالة) عامداً لأنها أوسع من (المعنى) الضيق، ولان كلّيتها أكثر مشروعية في البناء النصي من محدودية المعنى وجزئيته..
* تحوّل العمل الأدبي من تحت قبضة النقد إلى القراءة، بحيث أصبح الناقد مجرد قارئ خبير لا يملك دور القداسة المحطّمة. ألا ترى أن هذه الفكرة غير متحققة على مستوى الثقافة العربية؟
- في السنوات الأخيرة، وبضغط المنهجيات النقدية الجديدة وتحوّلات كتابة النصوص من جهة، والوعي بها وقراءتها ونقدها، تحوّل الجهد النقدي ـ أسوة بتطور العلوم الإنسانية كلها ـ في أكثر من اتجاه :
فلم يعد النقد منعزلاً عن العلوم الإنسانية.
ولم يعد النقد تابعاً ومفسراً للنص.
ولا أداة تعليمية لبيان ما يغمض فيه أو يلتبس.
وانفكّت صلة النقد بتاريخ الأدب الذي هيمن طويلاً على فكرنا النقدي.
وتخلى الناقد عن دور (الحكم) أو (الحاكم) الذي يصدر أحكاماً على النصوص ويقيّم تلك النصوص ويمنحها درجات أو امتيازات..
وترافق ذلك مع انحسار هيمنة البنيوية والأسلوبية وصعود تيارات ما بعد الحداثة في المجال النقدي في الغرب نفسه الذي اتجه صوب ألمانيا هذه المرة ـ بعد التخفف من المدارس الفرنسية وقبلها الانجلوسكونية كالنقد الجديد ـ وصادفت أطروحات مدرسة كونستانس حول القراءة والتلقي، ونظرية الاستقبال تحديداً، قبولاً عاماً لأنها أعادت التوازن للفكر النقدي واقترحت تخلّصه من الانغلاق أو (الانحباس داخل النصوص) بتعبير جاك دريدا، والتخفيف من الهيمنة اللسانية التي تعدّ النصوص مظاهر لغوية وأسلوبية دون المستويات النصية الأخرى... وعادت للقراءة هيبتها لا باعتبارها مسحاً بصرياً أو استيعاباً عادياً للنصوص، بل بكون القراءة نشاطاً إنسانياً نقدياً، يحتك فيه القارئ مع النص بما يسميه نقاد استجابة القارئ (ذخيرة القراءة) التي يهجم بها القارئ المتلقي على النص ليحلله ويملأ فجواته التي يتركها الشاعر والكاتب لأسباب فنية غالباً يقتضيها النظم والتأليف النصي، ويعيد القارئ بذلك إنتاج النص بكشف علاقاته مع النصوص الأخرى بخبرته.. وكان ذلك إنصافاً لنشاط القراءة الفاعلة لا المنفعلة وإعادة اعتبار لقارئ طالما ترفعت عليه الكتابات والمناهج وتجاهلته بل عدّت ـ في فورة وهيجان حماستها المنهجية ـ جهله بالنص مؤشّراً على تميّز النص وشعريته..
في ثقافتنا العربية لقيت هذه الأفكار قبولاً واسعاً لاسيما في الاصطفاف النصي وتفرعاته (البنيوية والأسلوبية والتفكيكية والتأويل) وأكثر المتحمسين هم القادمون من حاضنات فكرية (نصيّة) فنية أو من تيارات يسارية (كالبنيويين التكوينيين) يضعون القارئ في حسابهم.. ويعدّونه طرفا في عملية التوصيل.
لقد كانت جهود نقاد عرب بارزين (في المشرق والمغرب) تؤكد الاتجاه صوب آليات القراءة وجماليات التلقي واستثمارها لترتيب الفكر النقدي والرؤية والموقف والمنهجيات بتوسّط وواقعية، ونتج عن ذلك اهتمام كبير بالنصوص واستخلاص دلالات وأسلوبيات متعددة، حتى إن لم يعلن الكاتب اندراجه ضمن منهجيات القراءة، لأن الكتّاب ـ وهذا وجه آخر للنضج النقدي عندنا ـ لم يعودوا يعلنون عن مناهجهم بضيق وتحيّز كما يعلنون عن صنف دمهم، بل يسيرون حيث تقودهم النصوص والمشكلات النقدية التي تتيحها القراءة.. فهم يعبرون عن رؤى نقدية لا انحيازات منهجية مغلقة.
* ما قولك في مسألة غياب الحركة النقدية عما تنتجه الحركات الإبداعية الجديدة؟
- لي في هذه المسألة رأي منشور في عدة مناسبات نقدية أو صحفية، فأنا لا أؤيد الرأي القائل بغياب (الحركة) النقدية.. بل على العكس أرى أنّ جزءاً كبيراً من ترسيخ الحداثة وقبولها في الأوساط الأدبية والرأي العام يعود لجهود النقاد ومنافحتهم عنها واقترابهم من نصوصها.. وكثير من تلك الجهود وصفتها بأنها تقوم بدور (التمهيد) وتهيئة الأرض المناسبة لظهور الإبداع الجديد وترسيخه.. ولكن ليس بوصفه مفردة مفردة وملاحقة (كل) ما يصدر، بل بتأشير الظواهر مثلاً والتجييل (التصنيف الجيلي) وترتيب الصلة مع التراث النقدي والمنهجيات الجديدة وفي إشاعة والمصطلحات والمفاهيم.
ولا أريد بذلك تبرئة نقدنا المعاصر فأن له مشكلاته ومآزقه، وثمة نقاط تراخ وكسل فيه ولكن ليس لدرجة وصفه بالغياب. لا سيما وأن المهمة النقدية اليوم يتولاها الشعراء أنفسهم أحيانا.
* ألاحظ أن آلية النقد العربية تركّز على العوامل الزمكانية في النص، والحديث المتكرر عن الحداثة، أليس من الجدير بهذه الآلية المرور بمرحلة حداثة وتجديد للتخلص من رتابتها؟
- أوافقك القول بوجود (رتابة) و (تكرار) في الحديث عن الحداثة، وأعتقد أن ثمة ظواهر في النقد الأدبي العربي عامة (وليس النقد الشعري فحسب) تشير إلى محاولة الخروج من تلك الرتابة، كالاتجاه إلى مناهج السرد لنقد النتاج السردي (قصة ـ رواية ـ مسرحية) والابتعاد عن الدردشة وتلخيص الحبكات، من أجل تنظيم قراءة السرد على وفق عناصر النص السردية والاهتمام بوجودها في النص.. وهناك اليوم دعوة واسعة لها مظاهر نقدية وتمثّلات واعية لما سمّاه عبدالله الغذامي (النقد الثقافي) مع الاعتراف بوجود هذا التيار في المنهجيات النقدية الغربية، وذلك أدّى إلى توجيه الاهتمام لا إلى النص فحسب بل إلى الظواهر الثقافية، كالأدب النسوي وصورة المرأة وأدب السيرة والمذكرات والأدب الشعبي وصلة الفكر بالأدب، وغير ذلك من التجلّيات (الثقافية) بالمعنى الواسع للثقافة والمتعدي حدودها الأدبية الصرف.
* يقول أحد شعراء قصيدة النثر كنصيحة لعدم الانغماس في قراءة الموروث والاتجاه لقراءة الأعمال العالمية:" لا تبحث في البيت كثيراً. اتجه مباشرة للشرفة العليا". كيف تعلق على كلماته؟
- أنا لا أعلم من قال ذلك أو أسدى تلك (النصيحة!( ـ ليس في كتابة الشعر نصائح ولا تعاليم بل هي كدّ فردي أولاً ـ !
لكنني لا أوافقه بل أتهمه بتجاهل جماليات الأمكنة، لأن الاتجاه إلى الشرفات خطأ جشتالتي خطير، يتجاهل بسببه الرائي العتبات التي تتلازم بنائيّاً مع أجزاء البنية الأخرى ـ كالشرفات ـ.. ومقابل ذلك أقترح ـ ولا أنصح ـ بأن نبحث عن أنفسنا داخل المقروء : تراثاً كان أو معاصراً أو عالمياً.. وأياً كان مكانه : في الهامش أو العتبة أو معلقاً في الشرفات !
وأرى أن التقابل بين ما هو عالمي وموروث تقابلا عدائيا كما يصوره ذلك القول هو افتراض ووهم، ولا يعكس وعيا بالتراث ولا بالثقافة العالمية والرؤى والمواقف المعرفيّة..
* هنالك أصوات تجديديّة تدعو النقاد إلى التوقف عن الهذيان في استخدام المصطلحات الطويلة والكثيرة حتى لا ننفي النقد بعيداً عن المتلقي الذي يرى في النقد ألغازاً لا تحل. هل حاولت الاستجابة لهذه الدعوة، أم أنك تملك رأيا أخر؟
- كثيراً ما توقفت عند المناهج الوصفية ودعوت لتجاوز (وصف) النص أو الانشغال بوصف آليات المنهج، والاتجاه للتطبيق والأخذ بمعطيات النص ومستوياته نفسها بدل إسقاط جهاز اصطلاحي أو مفاهيمي كبير يبتلع النص ويسحقه.. قلت ذلك لمناسبة الهجمة المنهجية السردية، فهي وإن كانت تنظّم قراءة المسرودات وتجعلها عملاً علميّا إلى حد كبير، لكنّ الانغماس في خلافاتها الاصطلاحية وتشعباتها وتفرعاتها تؤدي إلى ما شخّصه محمد مفتاح مبكّراً في مثل هذه المناهج إذ آتهم بعض مستخدميها العرب بما أسماه (تكثير المصطلح) وذلك يبلبل الباحث والقارئ معاً كما يعكس خلافات لفظية فارغة أحياناً، كتسمية الراوي الخارجي مثلاً بالبرّاني وأيهما أدق الخ...
كما أن بعض المصطلحات المقترحة تزيل مصطلحات قارّة ومتداولة وتتوفر على أكثر ما يتطلبه علم المصطلح في اشتقاقها ودلالتها (شمولها للأفراد وقابليتها الصرفية الخ..)
وعرضت مراراً فكرتي عن (التكييف) المنهجي في مجال المصطلح والمفهوم باعتبار الأول بنية فوقية للثاني وتعبيراً إجرائياً عنه.. وملخّصها أن واضعي تلك المصطلحات اشتقوها من اشتغالهم على (نصوص) بلغة ما وظرف ما فلا قدسية لها إذا ما كيفناها عند النقل لتناسب نصوصنا.. وهذا ينطبق بالمناسبة على الدعوة لعودة المصطلح النقدي القديم والذي أراه بحاجة هو الآخر إلى (تكييف) ليناسب نصوصنا، مادام قد أشتق وأستخدمه النقّاد عبر استقراء نصوص ما في زمن ما، وصارت بعيدة عنا الآن..
* ندرة النقاد العرب ومعاناة ساحة النقد من أمراض عدّة، هل ستحوّلها إلى جثة أم أن هنالك طرقاً لتفادي الموت؟
- ربما كانت إجابتي على أسئلتك (7 و 8 و 9) تناسب الرد على هذا السؤال، فأنا لا أتفق معك في مسألة (الندرة) رغم أني اتفق معك في مسألة وجود (أمراض) هي في رأيي جزء ممن مظاهر عافية نقدية، إذ أن ذلك دليل على اشتغال وحركة الجسم النقدي لا خموله.. وارتياده مناطق جديدة لا يمتلك ـ ربما ـ حصانة كافية ليخوض فيها.. بسبب جدّة القضايا أو تفوّقها على المنظور النقدي وأدواته ومنهجياته. لقد تبلورت اتجاهات نقدية واجتهادات حرّرت الدرس النقدي من مدرسيّته وتقليديته ودمجته بآفاق النصوص وعوالمها، فضلا عن تعدد الأسماء النقدية وكثرتها إذا كان لذلك أهمية كما أوحى سؤالك.
لذلك يصبح (التحول إلى جثة) افتراضاً مجرداً لا أوافقك عليه، أما الطرق المقترحة لارتياد الجديد منهجياً ونظرياً، فذلك ما أجد زملاء كثيرين يعملون بصدده: هم في الحياة الثقافية والكتابة أكثر منهم ـ للأسف ـ في الجامعات والمدارس العربية والمؤسسات الثقافية الرسمية وصحافتها.. لكنهم يلتقون في منابر متخصصة ومؤتمرات وندوات ومحاضرات ومساجلات ودراسات أظن أنها مؤشر على وجود حالة الحركة أي الحياة حتى لو كنا معترضين على حجمها أو أثرها فيما حولها وفي قناعاتها الفكرية ورؤاها.. لكن من الغبن والظلم شطبها ونعتها بالموت إلا إذا كنا نرجسيّين لا نرى النقد من حولنا إلا إذا كان يحتك بنصوصنا نحن !
* يعاني الشاعر العربي ـ خاصة الذي يحاول أن يكتب عن الإنسان البسيط ـ من صعوبة الوصول إلى لغة شعرية وسطية بحيث لا تكون القصيدة حكراً على فهم النخبة فقط، فهل يكتب هذا الشاعر عن الإنسان من أجل أن يتلقى النص مثقف غالباً ما يكون بعيداً عن الشارع، أم أننا باسم جودة الشعر والرمزية واللامباشرة والتخلص من الخطابية العالية ـ خاصة الخطاب الإيديولوجي- نحوّل الشاعر إلى مشروع محصور في الوسط الثقافي؟
- سأفاجئك برأيي ـ رغم أنني مع الإنسان الذي وصفه سؤالك بالبسيط ـ فأقول إن قدر الشعر منذ وجد أنه فن نخبة، لا بمغزى الكتابة ومضامينها وهدفها واتجاهها، ولكن بمعنى صعوباته الذاتية كملفوظ نصّي، تماماً كما أن الفلسفة لها نخبتها الكاتبة والقارئة حتى إن كانت لصيقة بالإنسان، مهمومة بمصيره ومستقبله وعدالة حياته.. حتى تاريخ الأدب يعلمنا هذه الأمثولة، فثمة شعر كثير رفضه المتلقي متّهماً الشاعر ـ كما حصل مع أبي تمام ـ بأنه نبطي يقول ما لا يفهم ! وأنه أراد الاستعارة فخرج إلى الاستحالة. وهذا يفسر وجود الشروح المفصّلة للدواوين، فهي عندي كناية عن صعوبة الرسالة الشعرية وحاجتها إلى وسائط لتكون في مجال التداول.. لكن نخبويّة فن الشعر قضية تقنية، كما أننا مثلاً لا نفهم تعقيدات الحاسب الآلي كصناعة وتقنيّة لكن ذلك لا يمنع استخدامنا لـه.. وهذا يجري في تداول الشعر.. ولا تحول صعوبته دون اقترابه من القضايا الإنسانية بشروط الفن - أو احتواء معاناة الإنسان الشخصية والعامة.. أما (خدمة) الشعر للإنسان البسيط بالاقتراب من مستواه الثقافي وليس ارتفاعه به إلى مستوى الشعر فهي دعوة للتضحية بالفن الشعري لا بالرموز والأساطير فحسب، ودعوة لإحلال ما ليس شعرياً كالخطابات المباشرة بدل المحتوى الشعري.. وخدمة الإنسان تكون برأيي في دعم أفق قراءته والارتفاع به ثقافياً كي لا يكون الشعر مفصلاً على قدر فهمه الآني..
ولا تنسي أن الشعر الحديث بالذات محفوف بمعارف وهواجس وأشكال لم تدخل في أفق قراءة المتلقي الذي لم يغيّر موضع قراءته بحسب تطور الأساليب وغنى النصوص.. أما قصر أو حصر التلقي بالمثقف الذي وصفه سؤالك بالبعيد عن الشارع فأرى أنه ترجمة لإيديولوجيا (توظّف) الكتابة لأداء خدمات مباشرة : مضمونية ودعائية لا فنية أو جمالية.. ولا أرى تقاطعاً بين أن يكون النص مغتنياً بالمعرفة والوسائط الفنية العالية، وبين أدائه لمهمات إنسانية هي في جوهر عمل الشاعر.
* حالياً لا يلد الشعر شعراً، بل أن المعرفة وأشكالها بشكل عام تلد الشعر، هل الأمر مشابه مع النقد؟
- أوافقك تماماً على تغذية الشعر اليوم بالمعرفة… والأمر نفسه حصل مع النقد، فقد تسلّطت المعرفة على المنهجيات بدءاً من الماركسية التي كانت الواقعية والتكوينية مظهرها الأدبي والنقدي (لوكاتش وغولدمان) حتى الظاهراتية وتجليّاتها النقدية عبر مناهج القراءة والتلقي (تأثر آيزر وياوس بأطروحات هوسرل وغادامير وهايدغر) فضلاً عن المناهج النفسية (الفرويديون وتعديلات تلامذتهم مثل يونغ و لاكان).. وليس الأمر جديداً في مجال النقد، فالعرب أيضاً كان للمعرفة وحقولها وعلومها أثر بيّن على مناهجهم التي اتضح فيها أثر أرسطو بجلاء فضلاً عن موارد الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام..
لكنني شخصياً أميل إلى الرأي القائل بوجوب امتصاص النقد وتمثّله للمؤثر المعرفي بحيث يغدو مندرجاً في ثنايا الخطاب النقدي ولا يصادر أدبيته، فالنقد عندي يظل نشاطاً أدبياً في المقام الأول، وإن استلف قناعات وآليات من علوم إنسانية مجاورة.. وهذا حصل فعلاً في خطابنا النقدي المعاصر، وسأمثّل لـه ب :التحليل والتأويل مثلاً، فهما ـ إجرائياً ـ مصطلحان ومفهومان قادمان من حقول أخرى (علم النفس وعلم الكلام..) لكن التكييف الذي حصل لهما في الخطاب النقدي جعل التحليل صفة للنشاط النصي وعلم الكلام لخطوات التأويل المعروفة كالشرح والفهم والتفسير.. كما أن انسحاق بعض المناهج تحت خطابات أخرى كالنقد النفسي الذي أجد فيه إكراهات كثيرة لجعل النصوص تمر عبر التحليل النفسي وآلياته، يسلبها أدبيّتها وصلتها بالنصوص بما أنها ملفوظات لغوية أدبية في المقام الأول.
* بصراحة شديدة، نعرف عن حاتم الصكر اهتمامه بتتبّع التجارب الشابة، إذن لماذا يكتب الصكر قراءات نقدية عن أشخاص أصيبوا بتخمة القراءات المكتوبة عنهم وهم من أجيال شعرية سابقة (مثال: عبد العزيز المقالح وعدنان الصائغ)؟
- اهتمامي بالحداثة الشعرية وحماستي لها جعلتني أتقصّى أثرها وتجلّيها حيث أجدها، دون عقد أو أحكام مسبقة.. هكذا وجدت نفسي أهتم بالأجيال الشابة وبالأشكال والأساليب الشعرية الجديدة، ولم يمنعني ذلك من الكتابة حول أية تجربة تلفت انتباهي ولذا أجد أني أكثر زملائي احتكاكاً بالنص الشعري في بلدان عربية مختلفة ومن أجيال شعرية شتى.. ولعل ذلك يفسّر المناسبات التي كتبت فيها عن أعمال ونصوص لا عن أسماء أو أجسام شعرية! ولا حاجة لكي أعدّ عشرات الأسماء التي تعرّضت لتجاربها عراقية وعربية ومن أجيال مختلفة تتقاسم الهمّ التحديثيّ الذي أعتقد يقينيّا أنه مسؤوليّة مشتركة.
إيلاف
2004 الثلائاء 7 ديسمبر