(حوار مع الروائي خليل النعيمي)

بشير البكر
(سوريا / فرنسا)

خليل النعيميينفلت الكاتب والروائي السوري خليل النعيمي عن رفاقه وزملائه من المبدعين العرب بتعددية مواهبه وانشغالاته في غير ما ميدان، من الجراحة التي يمتهنها منذ فترة طويلة، الى الكتابة في مختلف ألوانها وتجلياتها وأنواعها، من الكتابة النقدية، الى كتابة الرحلة مروراً بالكتابة الروائية ورغم تركيزه في الأعوام الأخيرة على أدب الرحلة (مشروع مدن ونصوص) حيث اصدر كتابين متميزين، فإن الرواية تبدو شاغله الأساسي، وقد صدرت له مجموعة من الروايات التي حفظت له مكانه على مساحة الإبداع العربي، وآخرها "دمشق الحرائق".
إن الجمع ما بين هذه الميادين والانشغالات في غاية الخطورة والالتباس، فالجراحة التي يمارسها النعيمي باقتدار جعلته احد الجراحين المهمين في باريس، تتطلب متابعة خاصة، كما تستدعي الكتابة الروائية وقتاً ووعياً حاداً بتقنيات الكتابة وبامتلاك رؤية واضحة للعالم، كما يشير الى ذلك "لوسيان غولدمان" في العديد من مؤلفاته.

في الحوار الذي أجرته "الخليج" مع النعيمي، محاولة للدخول الى عوالمه، وعرض رؤيته الخاصة حول طرائق اشتغاله، وكذلك نظرته الى الكتابة العربية، وفي ما يلي نص الحوار:

فن الجراحة وفن الكتابة

* أنت طبيب جراح، وتمارس الكتابة جانبا، هل الجراحة مهنة ووسيلة للعيش، أم انك تزاولها بحب؟

أمارس مهنتي بحب، ويمكنني أن أذهب ابعد من ذلك، فأنا مستعد لأن أتعامل مع الجراحة كفن (فن الجراحة) حتى ولو من دون مقابل، فالمسألة بالنسبة لي، شخصياً ليست مسألة معاش، وإنما هي نوع من الاكتفاء يمنحني العمل الجراحي اكتفاء كبيراً، اكتفاء شخصيا يبقى شيئا أساسيا بالنسبة لي، بطبيعة الحال يوجد جانب مادي، فأنا بالتأكيد أعيش من عملي كجراح، لكن بالإضافة الى هذه الناحية، أنا سعيد على المستوى الشخصي.

* ماذا تعني بقولك "الجراحة كفن" ألا تأخذها بقوالبها؟

يمكن للجراحة بشكل من الأشكال أن نقارنها بالكتابة. فإذا كانت المادة الأساسية في الكتابة هي اللغة، وعبر هذه الأداة يمكن أن ننشئ أكثر من نص، أو تقارنها بالموسيقا، فأنت عندك الآلة الموسيقية والأوتار، فباستعمالك الأوتار تنشئ أكثر من صوت موسيقي، فالجراحة لا تختلف عن هذه المقاربة. نعم لديها مبادئ، لكن عبر الإمكانات الشخصية للجراح وطريقته في صنع العمل الجراحي، وما يقوم به، وقابلية استعداده للقيام به، ومدى الانسجام الذي اسميه ب"العضلي العصبي" أثناء العمل الجراحي، يمكن أن يجعله أيضا، يقوم بأكثر من مستوى في العمل نفسه. وبالتالي فالعمل الجراحي هو عمل فني.

* أي ليس عملاً جامداً، فهو يقبل الاجتهاد والحركة؟

لا، لا ليس عملاً جامداً، انه يقبل الاجتهاد والحركة والاقتراع والتطبيق الجديد، وأهم وأبعد من هذه النقاط الأساسية، انه في العمل الجراحي، وهذا تصوري الشخصي، مثلما الشأن مع الكتابة تتجسد كل ذات الجراح، أي أن الجراح بكل ذاته يتجلى في عمله الجراحي، كما الكاتب في عمله الإبداعي، وأكاد أذهب أبعد من ذلك الى انه في العمل الجراحي حتى الكيان الفيزيائي للجراح يمكن أن يتجسد في انجازه للعمل، وبالتالي فكثيرا ما أقارن الجراح بقبطان في بحر هائج، وهو المسؤول الوحيد عن توصيل السفينة الى بر الأمان، لأنه هو الذي يتحكم بمجموعة من العوامل، والعديد من البشر، وجملة من الإمكانات الدقيقة من أجل انجاز عمل صغير أو كبير أحيانا بالنسبة للمريض.

* هل هناك صلة ما بين الجراحة والكتابة، فأنت تتحدث عن الجراحة كفن؟

الخيط السري لمن يكتشف موجود دائما، بمعنى أننا يمكننا أن نعثر على خيط سري بين شكل بناية وشكل قصيدة، أحيانا يخترع المبدع نموذجا جديدا، مثلا، بمقطع كتابي حينما يرى منظرا أو شجرة أو حتى بناية، أو عندما يقوم بعمل جراحي، بالمعنى هذا، بالنسبة لي، يوجد الخيط السري.
لكن هذا الخيط السري تطلب مني سنوات عديدة لاكتشافه، لمنهجته ولتكوين نظام معين بين الكتابة والجراحة. الخيط السري من المؤكد انه موجود ولكن بطبيعة الحال من لا يبحث عنه في الحياة لا يجده حتى وان كان مبسوطا أمامه.

بنية تشريحية للحياة

* ألا تحس بسبب انخراطك اليومي في كلا النشاطين، أي الجراحة والكتابة، أن احدهما يحاول أن يفرض نفسه عليك أكثر من الآخر؟

أنا أجد نفسي في انسجام مع الموضوع، وأكاد أقول أني اعتبر نفسي محظوظا بسبب توفري على الإمكانيتين، بحيث أعبر من أحداهما الى الأخرى، وان أتحكم بما يمكن أن اسميه ب"سياق الحياة اليومية" أو حتى بنظام التفكير والحياة لأني أحيانا اكتب نصا ما، وأنا أقوم بعملية جراحية، بمعنى انه يخطر لي، نفحا على الأقل. يحدث أن تنفتح أمامك أفكار جديدة أو آفاق جديدة في الكتابة وأنت منهمك في العمل الجراحي، أنا لا أنكر أنني في بداية ممارسة العمل الجراحي حينما كنت طالبا في جامعة السوربون استفدت من الفلسفة كثيراً في العمل الجراحي، وأنت تعرف أني درست الفلسفة والطب في جامعة دمشق، وهنا تابعت الجراحة والفلسفة السياسية المعاصرة في الوقت نفسه، وكنت كثيراً ما اشرح لزملائي ونتناقش حول هذه النقطة، وكنت أجد لي ميزة كبيرة، وهي أنني في الفلسفة استطيع أن افهم كثيرا من النواحي الجراحية، وان أقوم بتطبيقها بشكل سليم.

* لكن هذه الجوانب التقنية لا تبدو في رواياتك، فهي تخلو من العوالم الجراحية؟

هذا صحيح، في الكتابة التي أمارسها، التغييرات الشكلية ليست مهمة، لكن من يقرأ نصوصي الأولى قبل أن أصبح جراحا ونصوصي اللاحقة، أتصور انه في بنية النص العميقة يمكن للمهتم، بشكل تشريحي أن يجد تأثيراً واضحاً وقوياً، لأن الكتابة انتقلت عندي، أي أن العين عندي لم تعد عيناً خارجية، لم تعد عين كاميرا تصف وتحتفل بالواقع، كما يقولون بشكل سخيف في الإبداع العربي المعاصر الآن. وإنما أخذت ترى الى ما بعد البنية التشريحية للواقع والحياة. لكن إذا كان المقصود هو أني لم اكتب عن الجو الطبي وعوالم الممرضات والممرضين والأطباء، فهذا لا يعنيني، فحتى لو كتبت عن هذا الوسط، فإنك تجد أي كاتب من الدرجة الثانية يكتب لك عن جو المستشفى ويحكي عنه، لكن نصه سيظل كلاسيكيا وغير معني بالنقطة التي أود أن اشرحها، وهي نقطة التأثر العميق بالبنية التشريحية للحياة.

الغرب لا يعنيني

* تعيش في الغرب (فرنسا) منذ ثلاثين سنة على الأقل، لكن الملاحظ لكتاباتك يفاجأ بالأجواء السورية، فهل معنى هذا أن الغرب لم يؤثر فيك؟

أثر فيَّ الغرب بشكل كبير، وأعود مرة اخرى الى المقارنة التي سبق أن تحدثنا عنها بين الكتابة والجراحة، ومدى التأثير العميق لإحداهما في الأخرى، الغرب أثر فيَّ لكني مرة اخرى لست معنيا بنقل صورة الغرب السطحية التي أراها في الشارع كل يوم، بنقلها كتابياً وإبداعيا، لأنها في النهاية صورة نموذج حياتي معين، وعندما قمت برحلات كثيرة في العالم اكتشفت تماما أن نمط الحياة العربية هو نمط الحياة الغربية، ولا تنسى أن الثقافة الغربية منبعها من المشرق العربي، وبالتحديد من منطقة ما بين النهرين، لأن الفكر الديني والفلسفي في الغرب (اليونان يمكن اعتبارها جزءاً من المنطقة العربية الإسلامية المنطقة المتوسطية)، وإذا ما تجاوزنا الاختلافات السطحية الظاهرة، وهي ليست اختلافات بل مظاهر، نبدأ في تبني وجهة نظر اخرى تكون أعمق وأكثر بحثا في جوهر الكتابة والوعي الإنساني للكتابة، لكن العالم العربي مازال يعيش، للأسف في مرحلة "الحي اللاتيني"، ل"سهيل إدريس" و"موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح، مع العلم أن الأخيرة رواية رائعة، لكنها تقوم على الصراع السطحي، الذي لا يملك جوهراً خلافيا بين البنيتين، لكن هي الصورة السائدة اليوم، ولا نستطيع أن نطور ذوق القارئ الا بعد عقود طويلة من الزمن، وبإنتاج نصوص كثيرة ومختلفة.

نقد التاريخ الشخصي

* ولماذا الإصرار على الأجواء السورية في كتاباتك؟

مرد حضور الأجواء السورية، راجع الى سببين، كما أتصور، الأول، إن العمل الأدبي في حاجة الى بؤرة أو مخزن، كي ينشأ حوله، كما هو الشأن في عملية غزل الصوف، الذي يبدأ بأول قطعة، يتم النسج حولها، وتكوين ما هو مرغوب، والصوف يمكن أن يكون ابيض أو اسود، ويمكن للبؤرة أن تكون دمشق أو باريس، ما يعني لي أنا لماذا دمشق؟ لأن الكتابة كما قلت، ذات مرة، فعل اجتماعي مسؤول وذو توجه أو رؤيا أساسية تنطلق من تاريخ يحاول أن يغير هذا التاريخ، وان يقوم بنقده أو بشكل من الأشكال يتقصد أن يفهمه.. يحاول الكاتب أن يفهم تاريخه الشخصي، ولا معنى لكتابة لا تتجه الى التاريخ الشخصي للكاتب. لأنه لا يعنيني أن اكتب عن سنواتي وأنا كبير وجراح في باريس، بقدر ما يعنيني أن أفهم كيف كنت أعيش وأنا طفل في بادية الشام، وأيام الدراسة الثانوية وعلاقتي بالعائلة وبمفهوم الوطن، إن الكائن بحاجة الى أضعاف حياته اليومية (الحياة البيولوجية) ليفهم جزءاً من طفولته، على كل حال أنا لا أزال في هذه المرحلة، مرحلة البحث في مفهوم معين عن حياتي.

السفر مؤسس للاختلاف

* تمارس نوعا آخر من الكتابة، كتابة الرحلة، ومؤخراً قمت بزيارة خاصة الى كوبا من أجل ذلك لماذا هذه الازدواجية: الرواية والرحلة؟

لا أرى في الأمر ازدواجية قدر ما أرى أن السفر يساعد أو يسهم في تعميق فهم الكائن أو إدراكه لحياته اليومية. وكما قلنا قبل قليل لتاريخه الشخصي. بالسفر نعي أن الكوكب الأرضي كله عبارة عن مجموعة أو مجموعتين من البؤر الانسانية، من بؤر الأفكار ونمط الحياة المختلفة، وبالتالي هو يجعل الكائن الإنساني المسافر متفتحاً أكثر وقابلاً لاستيعاب اختلافه أو اختلاف الآخر عنه، قادرا على كتابة نصه الإبداعي الروائي بشكل آخر، وأتصور كما كتبته في احد نصوص الرحلات، إن للدول العربية مهمة أساسية، وهي أن تدفع رعاياها الى السفر، فطالما انك في أرضك ولا تدرك شيئا عن العالم حتى ولو قرأت كل كتب "ابن عربي" أو مؤلفات تراثية وغير ذلك. فالسفر في الحقيقة هو اكتشاف أن المكان ليس كل شيء، وان المكان الجغرافي معطى تماما، مثل فكرة "الحق" أو "العدالة" أو "الظلم" إن هذا الاكتشاف، أي اكتشاف أن المكان الإنساني هو معطى ما، معطى فلسفي، يجعلك تعرف وتصبح إنسانا نسبويا، أي أن الموضوع يصبح بالنسبة لك شيئا نسبيا يفتح مدارك كثيرة ويحدث نوعا من النقلة ما بين مرحلتي ما قبل السفر وما بعده.

لقاء الذات

* إذا ما أخذنا بعين الاعتبار فائدة السفر المتمثلة بالاكتشاف، الا ترى أن هذا النزوع له صبغة بدوية، تعود الى جذورك كبدوي، فأنت في كوبا تبحث عن المغامرة والاكتشاف، لكن السفر من دون حدود هو معطى موروث بالنسبة لك، قبل كل شيء؟

هذا تشخيص صحيح. في الحقيقة حين أسافر، وأنا عادة ما أسافر وحيداً، اكتشف أنني أكون نفسي، اكتشف للمرة الأولى ماهيتي ككائن وإنسان، لأني أحس بوجودي في المكان الأساسي الذي ابحث عنه والذي هو الكون. الكون ليس بالمعنى المجرد فقط، بل حتى بما أشرت اليه، وهو أنه كما هو الأمر بالنسبة للبدوي لا توجد منطقة محرمة. ليست هناك منطقة يستعصي الوصول إليها.

حين أسافر التقي فعلا بذاتي الأساسية التي أحس أنني فقدتها بفعل الاستقرار الطويل في المدن، امني لا أسافر من اجل التمتع النظري فقط في العالم ولكن من اجل إدراك قدر الخسارة التي يسببها عدم السفر. يعني أن أمراً لا تمارسه لا يمكن معرفة أهمية ضياعه منك. وعندما تسافر تعرف أن العالم يستحق كثيراً من التبصر والإدراك والحب.

بكيت في عدن

* ما هو المقصود بما كتبته في نص "عدن": لن أنام قبل أن امشي المدائن كلها ليلا؟

عدن هي إحدى المدن التي استحوذت علي في لحظة دخولي إليها ليلا، كان الى جانبي السائق والسيارة، لكن قررت أن أمشي، لأن عدن بالنسبة لي ليست مدينة إذ حين دخولي إليها أدركت إنها مجموعة مدن محاطة بجبال، والآن لماذا هذا الشعور بأني قررت الا أتوقف قبل أن أمشي المدائن كلها، قد يكون أني عبر عدن بدأت اكتشف أن عدن التي هي مدينة واحدة.
إنما عبارة عن مجموعة مدن، واكتشفت كذلك أن العالم عبارة عن مجموعة من "العدنات": مدائن الكون، مدائن العالم، وبدأت بالفعل في زيارات لمدن اخرى بعد عدن، لأن اليمن وعدن كانا من أوائل الدول أو المدن التي أزورها واكتب عنها، هذا الانبثاق الفوري والمفاجئ لمفهوم المدائن الانسانية، للتوجيهات. كان من الممكن أن يحيلني الى هذه النقطة، أي نقطة الإدراك المفاجئ والعميق للتعدد، تعدد العالم جغرافيا، وبطبيعة الحال لا يمكنك إدراك تعدد العالم الجغرافي الا إذا استوعبت البعد الثقافي خلف التعدد الجغرافي.
في مدينة عدن بكيت بالفعل، كثيرا وبشكل حقيقي، وكان السبب في ذلك هو شعوري بأنني فقدت خلال سنوات عديدة وطويلة مثل هذه الروعة. ومثل هذه التحفة الانسانية، واقتنعت أن العالم لا بد وان يحوي تحفا وروائع اخرى، واكتشفت أيضا أن الجهل لم يعد هو الجهل بالكتاب كما تروج الثقافة العربية المحدودة، من خلال القول انك لم تقرأ فلانا أو علانا، لم تقرأ "سان جون بيرس".. الخ. وإنما الجهل هو ما لم تره بعد، الدليل على أن الثقافة العربية الراهنة التي شغلتنا منذ الخمسينات بمشكلة اسمها "الشعر العربي الحديث" لم تصل الا الى العدم، تماماً مثل السلطة العربية التي شغلتنا بقضيتين أيضا ولم تستطع تحقيقهما وهما الاشتراكية والوحدة. وبالتالي وصلنا الى ما نحن عليه. تكتشف في هذه اللحظة أن التاريخ هو الجغرافيا، وانه ليس المكتوب فقط، وإنما الجغرافيا المثقفة أو المبدعة والناطقة.

عدم الثقافة العربية

* يبدو أن رحلاتك الأولى ابتدأت على شكل تسجيل انطباعات ثم أصبحت مشروعا بحيث انك الفت كتابين أليس كذلك؟

نعم أصبحت مشروعا. ومن أول لحظة اكتشفت انه مشروع أساسي. وأنا طبعا اكتب دائما ضمن خطة اسمها: مدن ونصوص. تيقنت بالفعل انه مشروع وأكمل فيه وأساند بالأحرى المشروع الروائي. فمن قبل، وكما ذكرت، صدرت لي "مخيلة الأمكنة" و"كتاب الهند".. الأول صدر عن "المجمع الثقافي في أبوظبي، وصدرت منه طبعة كذلك عن الهيئة العامة للكتاب في مصر، أما الثاني فسيصدر قريبا عن المجمع الثقافي.

الرواية مشروعي الأساسي

* أرى أن مشروع الرحلات بات يشدك أكثر من مشروع الرواية. هل صحيح هذا الانطباع؟

أنا روائي. والرواية مشروع أساسي في حياتي. ولكن "مدن ونصوص" أو مشروع رؤية العالم بطريقة مغايرة كما كنت أتصور انه يمكنني أن أراها لا يقل أهمية بالنسبة لي. وعلى العموم، فانطلاقا من عملي كجراح، اكتشف كما يقال في الجراحة، ففي الجراحة توجد تقسيمات: جراحة كبرى وجراحة صغرى. فالجراحون والحكماء الكبار يكررون انه لا توجد جراحة كبيرة وأخرى صغيرة. بل توجد جراحة واحدة فقط. بالنسبة لي توجد كتابة فقط، فأنا حين أعطي كل طاقتي في الرواية، فإني افعل الأمر ذاته في نصي عن بلد أو مدينة. وبالتالي فعبر هذا النشاط الإنساني نكتشف أن الحياة في حاجة الى كل إمكانات الكائن لكي تستقيم، وان الإنسان في حاجة لأن يكون حقيقيا في الأعمال التي تعبر عنه، وهو ما يعبر، بشكل أبعد عن احترام عميق للكائنات الأخرى للقراء والكون والطبيعة وحتى للبيئة التي تكتب عنها.
الشيء الذي أود التأكيد عليه هو أني لا أستخف فأعامل النص عن المدينة بطريقة اقل من النص الروائي. بل أعامل كل ما اكتب، تماما مثل العمل الجراحي بالأهمية نفسها. وإلا فإنك تدخل في عيوب تختلقها، وبالتالي سيكون لك الفخ الذي تسقط فيه.

الجهل أحيانا خلاق

* هل كتبت عن باريس التي تعيش فيها منذ نحو 30 سنة؟

لا. لم اكتب، اكتب لحد الآن عن المدن التي كان لها في مخيلتي وجود قبل أن أراها، الكتابة عن المدن مثل كتابة قصيدة. المشكلة هي علاقة المخيلة بالأمكنة وليست علاقة الإقامة بالمكان. أما المعرفة الدقيقة في تفاصيل المكان أو الكائن ليست بالضرورة مبدعة. أن ما هو مبدع يمكن أن يكون الجهل. فأنا حين كتبت عن سائق تاكسي كان يريد أن يوصلني الى الإسكندرية بغرض الكتابة عنها، وطفق يشرح لي. قمت بطرده بعد أن منحته عقد يوم كامل من اجل نصف ساعة. هذا كله من اجل الا يحكي لي. لأني لست في حاجة الى المعرفة. معرفة أن هذا القصر كان للملك فاروق. أنا لا يهمني هذا، بل ما يشغلني هي علاقة القصر بجواره وبمحيطه، بالناس والبؤس. أي أن الجهل أحيانا هو الخلاق أكثر من المعرفة، لكن حين تملك الوعي لاستيلاد الإبداع من الجهل الذي تعيشه.

* وهل اتفق انك زرت مدينة ما لأول مرة ولم تكتب عنها؟

نعم حدث لي في عديد من المرات.

لا كتابة من دون عاطفة

* حدثنا عن تجربة "كوبا" الأخيرة؟

كانت تجربة كوبا مثيرة جدا، وكتبت عنها. فهي بالنسبة لي كانت تمثل شوارع مدينة "الحسكة" "مدينة الكاتب الواقعة في شمال سوريا"، والبؤس الذي كنت أعيش فيه. حينما لم أكن املك مذياعاً ولا كان باستطاعتي قراءة الصحف، ولا اعرف شيئا عن العالم. كنت أقف باستمرار أمام واجهة "مكتبة أنطوان" ممعنا النظر في كتاب اسمه: "عاصفة على السكر" وكنت اقرأ ذلك في يومها عاصفة على السكر. الذي كانت تمثله لي كوبا هو ما يمثله غيفارا وكاسترو، وما تعنيه هذه الأحلام لنا. لكن حين تدخل كوبا تكتشف انك في عالم آخر، هذه هي المفارقة الأساسية.

أنا لا اذهب الى كوبا من اجل أن أؤكد رأيي السابق أو المسبق فيها. أنا ذاهب الى مكان لأمتلئ بعواطف جديدة، وأنا أتصور أن أي كتابة من دون عاطفة هي بضاعة فاسدة بشكل من الأشكال، ومن الأساس. وقد أوحت لي كوبا نصا طويلا.

* لماذا تستخدم ضمير المتكلم في نصوصك الروائية. هل نصك الروائي نص شخصي؟

هو نص شخصي، لكن ليس بسبب استخدام ضمير المتكلم، لأنه أداة أو لعبة من صيغ الكتابة والتعبير عن أجواء البنية الروائية. هو نص شخصي فعلا، لأني مهتم بما أحس انه هو البناء التاريخي الثقافي لي أنا ولكثير من الناس أمثالي، لكن استعمالي ل "أنا" المتكلم يسمح لي أن أقارب، وبنوع من الخدعة، حقيقة التفكير لدى الراوي والكاتب، وإلغاء المسافة بينهما، وتوحيدهما في شخص واحد. من جهة اخرى لا أنشئ في نصوصي الروائية حكاية خارجية: الحكاية ليست خارج النص وإنما داخل النص، ولأنها كذلك، فهي ليست في حاجة الى شخوص كثيرة، لأنه في حالة وجود شخصيات كثيرة على منوال روايتي "دمشق 67"، فأنت مضطر، بشكل من الأشكال، الى تضخيم النص أو الإفراط في الطول. والإضافة تخلق الكثير من المشاكل، من اجل شرح كل شخصية، يستدعي الأمر إضافة شخصيات ثانوية. هذا أحد النماذج الكتابية المعروفة. وإذا كنت تتوفر على الوقت والإمكانية فأنت تستطيع فعل هذا. ما يهمني هو توصيل رسالة معينة. وأتصور لحد الآن، أن ضمير المتكلم كاف لإيصالها.

نصوصي مفتوحة

* هل أنت واع بكون نصوصك مفتوحة، هل هي طريقة مقصودة؟

لا، ليس مقصودا، ثم أن مسألة "النص المفتوح" التي طرحت في الغرب خلال الستينات والسبعينات، وشغلت الكثير من النقاد والمثقفين العرب الذين أتصور أنهم لم يأخذوا بالبعد الفلسفي أو الجانب الإجرائي البنائي لهذا المفهوم، واستعملوه لأنه صيغة سهلة.. "النص المفتوح" "عبر النصية" "التناص" وكثير من المصطلحات التي تتحدث عن تقنية الكتابة. إذا كان النص مفتوحا فمن الممكن أن يكون نصا مفتوحا في الشعر وفي السينما وغيرهما. أنا شخصيا أتصور أن النص مغلق أكثر مما هو مفتوح. هو نص مغلق على بنية معينة، وأفكار محددة، وتوجه ثقافي، وسياق معرفي معين. لكنه مغلق بانفتاح. مغلق قابل للانفتاح، وليس معنى ذلك انه مغلق على ذاته ومكتف بها. انه نص مغلق لهدف محدد معين، هو الذي ابحث فيه. بطبيعة الحال يمكن لأي كاتب للنص المفتوح أن يصرح بأن نصه أيضا له هدف. هذا صحيح، لكن توجد مغالطات كثيرة. وأنا أتجنب زيادة اللغط حول هذه الإشكاليات.

* لكنك تكثر من استخدام التناص والتراث. ما الذي يضيفه لك ذلك؟

استخدمت التناص في رواية "الخلفاء" فقط، لأن النص كان يعتمد على تراث فرقة الخوارج.

حركة نقدية مغشوشة

* كيف ترى النقد الأدبي تجاه أعمالك؟

لا املك أي رؤية أو نظرة عن الموضوع نهائيا. فأنا في البداية لم اطلع على كل ما كتب حول أعمالي. وما قرأته كان قد وصلني بفضل أصدقاء. لكن حركة النقد العربي باتت اليوم مغشوشة ومعطوبة ومزيفة ومرتبطة بالمصالح والعلاقات الشخصية والدعوات للمهرجانات والمؤتمرات. يكفي أن تكون مسؤولا ثقافيا في جريدة أو مجلة كي تصبح بين عشية وضحاها شاعرا كبيرا أو روائيا مهما وأحيانا ناقدا كبيرا. ما ينقص الثقافة العربية ليس هو هذا النقد المزيف أو المصلحي، وإنما الرؤية الفلسفية والتوجه العميق لبنية الثقافة لعلاقة الكائن، هو احترام المثقف نفسه للثقافة التي يدعي انه يمارسها.
ونحن في العالم العربي نعرف أن المثقفين من كبار الشعراء الى صغار الروائيين لديهم كثير من الأشياء التي يمكن أن يؤاخذوا عليها.

* ما حال الرواية العربية، اليوم؟

أنها في حالة تطور.

الرقابة السلطوية للإعلام

* ومن من الروائيين يثير إعجابك؟

تتطور الرواية العربية كل يوم وباستمرار. وهناك كتاب لا يذكرهم، مع الأسف، النقد المغرض ولا يتحدث عن أعمالهم. مع ذلك فهم كتاب مهمون. ونحن بحكم تجربتنا في باريس نعرف أن الرقابة السلطوية غير موجودة. ومع ذلك توجد رقابة أكثر قسوة منها، وهي رقابة وسائل الإعلام. يجب الا ننسى، وأنا منذ ثلاثين سنة في باريس، لم يشتهر إطلاقا روائي جديد، ما عدا واحد أو اثنين، معنى هذا هو أن الإعلام ليس كل شيء لكنه يستطيع أن يسهم في التعريف ببعض المواهب، ولا يمكن أن يصنع من شخص عديم الموهبة روائيا أو شاعرا كبيرا.

الرواية العربية موجودة، وهناك روائيون مهمون من المشرق والمغرب، وما هو موجود على السطح ليس هم المهم. ثمة مدعون باستمرار، ما أريد قوله هو وجوب التمييز ما بين الحركة الثقافية العميقة التي تجري في المجتمع العربي وبين الوجوه أو الاستعارات الثقافية المعروفة، أو التي أصبحت مألوفة بحكم التواتر الإعلامي حولها. في حركة الشعر العربي مثلا ركزنا منذ 50 سنة على نفس الجيل، ولو سكت الإعلام العربي اليومي عن هؤلاء، فإننا لا نعرف من سيبقى بالنسبة للقارئ العربي الهاوي والعادي، الذي يقرأ ويبحث عن مرتكز ثقافي، ويفرز بوسائله الخاصة، ولا ينظر بعين السلطة أو وسائل إعلام السلطة. من سيبقى، وكيف سيرى هذا الى هؤلاء، الى هذه الطغمة الشعرية التي أتصور أنها لوثت الحياة الثقافية العربية. لأنها فعلا كانت تتصرف كطغمة ولا تزال، وبالتالي حرفت المسار الذهني والثقافي والتحليلي. حرفت نوعية القراء نفسها. لكن هذا لا يمكن أن يستمر طويلا. وليس صدفة أننا لا نزال نكبر "المتنبي" ولا نقرأ الآلاف من الذين كانوا معه، يتصدرون مجالس الخلفاء والكلام، لأن الثقافة، إذا لم تعبر عن روح المجتمع وجوهر الحياة، فإنها مهما بلغت "تقدميتها" وحداثتها فإنها لا تدوم.

تجاوز الثقافة السائدة

* هل تقصد أن الكم الكبير مما يسمى الكتابة السائدة سيموت بعد فترة؟

إنها تموت حالا. تموت وهي تكتب، تصور أني اقرأ قصيدة لشاعر ما وتحدث لحظة ولادتها. ما أريد قوله هو عكس ما تقصده بسؤالك. ليس الأمر مسألة ذم للشاعر، لأن الشاعر يحترم حتى لو كان شعره رديئا. والشاعر الصغير يحترم مثلما هو الأمر مع العمل الجراحي الصغير.

جريدة الخليج - الشارقة


إقرأ أيضاً: