ليست هناك مناسبة بعينها يمكن أن ننسب هذا الحوار لها. لأن صاحبه أصدر ما يربو علي ستة دواوين شعرية وخمس مسرحيات ومن هنا فان الحوار معه يمكن أن يكون بلا مناسبة. فمحمد فريد أبو سعدة أحد شعراء جيل السبعينيات في مصر وهو من القلائل الذين استمروا فاعلين في هذا المشهد وفي حوارنا معه نحاول أن نقف علي نقاط تمايزاته عن أقرانه وعن أسباب عدم انتسابه للجماعتين الشهيرتين إضاءة و أصوات ومدي تأثير ذلك عليه. وفي المقابل يحدثنا أبو سعدة عن جماعة كتاب الغد التي كان ينتمي إليها في بداية السبعينيات وهي الجماعة التي أسسها الدكتور عبد المنعم تليمة وكانت تسعي لأن تكون نقابة حقيقية للكتاب والفنانين. ويحدثنا الشاعر أيضاً عن تأثراته الأولي بصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ثم ادونيس ومحمد عفيفي مطر وكيف امتلك بعد ذلك صوته الخاص وكيف كان ينظر لجماعتي إضاءة وأصوات علي إنهما تضمان شعراء أغراراً في سن الشباب لم يكن الانتساب لهما شيئاً مغرياً وكيف أن عدم قيامه بسداد مائة جنيه لجماعة أصوات لطبع احد دواوينه هو السبب الذي حال دون حصوله علي عضوية الجماعة. فوق ذلك فان أبو سعدة يتهمنا بأننا لم نستطع استيعاب مشروعه الذي قدمه في المسرح الشعري وأكد أن سؤالي حول هذا الموضوع ينم عن عدم قراءتي لمشروعه المسرحي. وهو كلام صحيح الى حد كبير وان كنت قرأت قليلاً من هذه الأعمال إلا أن الانصراف الحقيقي عن قراءة المسرح الشعري برمته مرجعه قناعة أخري بعدم جدوى مثل هذا النوع الكتابي وهو أمر لا يخص أبو سعدة وحده ولكنه يخص كل هذا المنجز برمته.
وقد أصدر أبو سعدة خمس مسرحيات هي ليلة السهروردي الأخيرة ، حيوانات الليل ، مساء ثقيل ، روليت عائلي ، عندما ترتفع الهارمونيكا ، العاب ليلية كذلك أصدر عدداً من الدواوين الشعرية منها السفر الى منابت الأنهار ، الغزالة تقفز في النار ، صعوداً الى السهو ، جليس لمحتضر ، ذاكرة الوعل ، مكاشفتي لشيخ الوقت الى جانب بعض الدواوين الأخرى.
وهنا نص الحوار:
* شعرية محمد فريد أبو سعدة حققت انتقالات مختلفة بين التفعيلة والنثر. فالمسافة شاسعة تقريباً بين الغزالة التي تقفز في النار و صعوداً الى السهو . كيف تري هذه الانتقالات؟
نعم في تجربتي الشعرية التي بدأت بالسفر الي منابت الأنهار ولم تنته بعد بـ جليس لمحتضر انتقالات مختلفة ويمكن للطائر المحلق أن يرصد هذه الحركة من الديونسيوسية الي الأبولونية في تجربتي، وفي هذا التحول التدريجي تخلت التجربة عن عناصر وأبرزت أخرى وان تمسكت علي الدوام باللغة الحسية والحبك السردي. لاشك أن هذا التحول كان قريناً بتحولات الوعي، فإذا كانت مهمة الشاعر ـ فيما مضي ـ هي اكتشاف الانسجام في الفوضى عبر مؤالفة الأصوات كما في الإيقاع الخليلي فان مهمة الشاعر الآن ـ فيما أري ـ لم تعد قاصرة علي تجميل العالم أو تسويغه باكتشاف النظام في الفوضى وإنما مهمته اكتشاف الفوضى في النظام أي البدء بالعالم كما هو عليه ودون أي تصور مسبق. من خلال هذا الوعي أصبح في إمكاني وضع الموسيقي في مواجهة الميلودي ووضع الجموع في مواجهة الجماعة، بجملة واحدة كانت تجربتي تتحرك من مركزية الصوت ومركزية الذات ومركزية الجماعة الأيديولوجية الي تعددية ترفد الصوت بالموسيقي والأنا بالآخر والجماعة بالثقافات المغايرة.
* اعتمدت في البداية لغة خاصة يمكن القبض عليها في القاموس الشعري الصوفي، كانت الذات أكثر تشظياً وكان الشعر كذلك. هل كانت شعريتك تأتي تأسياً بخطي الرواد في هذا السياق لا سيما مطر وادونيس وما هي المؤثرات التي وجهت تجربتك؟
تخيلت الشعر امرأة تقودني كضرير فأري ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون لقد قادتني خلال تجربتي كلها حاستا السمع والبصر وكنت أعتقد أن الشعر تشكيل جمالي للزمن عبر تقطيعه بالصوت، وتشكيل جمالي للمكان عبر الصورة، أي ما يسمي الآن بالسيونوغرافيا مضافاً إليها إيقاع الصوت. كنت أرى أن اكتشاف صورة شعرية تزاوج بين الألفة والدهشة والبصر والبصيرة هي مهمة شعرية بامتياز وهي كذلك بالطبع ولكنها لم تعد كل شيء. كنت مولعاً بالسينما بل وحلمت أن أكون مخرجاً فقد سحرتني منذ صباي الباكر بهذه اللغة التي كأنها الخيال دون ترجمة، سحرني الإيقاع الذي تمضي به المشاهد: السرعة والبطء، القطع والمزج، القرب والبعد، الصمت والإيماءة، الموسيقي والكلام وكان السؤال الذي أرقني منذ بدأت الشعر: هل يمكن للشعر أن يغتني ويتسع عبر هذه الجماليات؟ وكنت رساماً (تخرجت من كلية الفنون) أحلم بالقصيدة التي تقول نفسها كما تفعل الأيقونة أو كما تفعل لوحة الطبيعة الصامتة دون تعليق يضطر إليه الشاعر فيبدو كلاماً فائضاً عن الحاجة! هذه بعض المؤثرات التي شكلت تجربتي. وفيما يتعلق بالآباء فسوف تجد في قصائدي الأولي صوتي صلاح عبد الصبور وأمل دنقل لكن تجربتي كانت قد مضت وأسئلتي قد بدأت وازدادت رغبتي في خلوص بيت لي. كان هذا قد حدث عندما قرأت ادونيس ومطر. في حمي البحث عن الهامش التقيت بالنفري والبسطامي والسهروردي وابن عربي وبهرني هذا الشطح الصوفي إذ كان يرفد دراستي للسوريالية بتجليات غير مسبوقة وأقدم من الحركة الأوروبية وقد استفدت من الشطح في تشكيل الصورة الشعرية أما اللغة فأعتقد أنني عبر ميلي الطبيعي للاقتصاد والإحكام وبساطة التركيب كنت أمضي الي المنجم الذي نحتوا منه ولا آخذ ما تساقط منهم!
* انتقلت بعد ذلك الي قصيدة النثر. لا اعرف إذا كان ذلك استفادة من منجزها الجديد أم أن تجربتك ذهبت في سياق تطورها الطبيعي. كيف ترى مشهد قصيدة النثر الآن؟
في الثلاثينيات من القرن الماضي كان التخلخل الذي أصاب القصيدة العمودية قد أدي في النهاية ـ وعبر ولادة مؤلمة ـ الي ظهور توأمين في وقت واحد هما (قصيدة التفعيلة) و(قصيدة النثر) ولان قصيدة التفعيلة تحمل جينات الأب الموروث فقد تم قبولها بعد عنت بينما رفض الاعتراف بقصيدة النثر باعتبارها شعراً لقيطاً! كانت مجلة (شعر) قد أسست ـ منذ الخمسينيات ـ لهذه القصيدة المتمردة ومع اختفاء المجلة انطلقت إضاءة 77 لتمارس الدور نفسه بل ولتخرج القصيدة من الغيتو اللبناني لتتنفس الهواء تحت سماوات أخري، أي أن الظهور العلني والواسع لقصيدة النثر حدث سبعيني بالأساس ليس في مصر فقط بل وفي الشعرية العربية كلها منذ أول السبعينيات، وحتى قبل ظهور الجماعات كان شعراء هذا الجيل يكتبون قصيدة النثر، وكان البعض وأنا منهم يميلون الي التركيب والمزج بين هيمنة الصوت وهيمنة المشهد، هكذا ببساطة كانت تجربتي تذهب الي البحر عبر تنزهها في النيل!
* أنت احد شعراء ما يسمي بجيل السبعينيات لكنك لم تكن أحد الأسماء الطنانة بحكم عدم وجودك في جماعتين رائجتين هما أصوات وإضاءة كيف تري المشهد السبعيني الآن وما تمخضت عنه المقدمات النظرية التي سبقته؟
نعم أنا أحد شعراء جيل السبعينيات في مصر لكنني كنت أكثر تحققا منهم، كنت عضواً في (جماعة كتاب الغد) قصائدي تذاع من البرنامج الثاني في عهد بهاء طاهر وأنشر قصائدي في ملحق المساء الأدبي أيام عبد الفتاح الجمل، ونشرت لي مجلة الطليعة قصيدة السفر الي منابت النهار في ملفها الشهير عام 1973 جنباً الي جنب مع عفيفي مطر. كنت معروفاً أكثر الأمر الذي لم يجعل انضمامي الي مجموعة من الشبيبة أمراً مغرياً، لقد طلبوا مني قصائد لإضاءة 77 ونشر بعضها بالفعل وكان من الممكن أن احسب على (أصوات) لو دفعت المئة جنيه التي طلبها عراب الجماعة لإصدار ديواني الأول ولكنني رفضت. لم تكن بياناتهم جديدة بالنسبة لي فقد كنت في هذه السنوات أقرأ أصولهم عند ادونيس وحاوي وانسي الحاج والماغوط وجبران كما كنت وما أزال على علاقة وطيدة بأحد أبائهم الروحيين وهو د. عبد المنعم تليمة الذي كان واحداً من مؤسسي كتاب الغد، لقد مر علي هذه السبعينيات أكثر من ربع قرن ولم يبق من الدعاوي سوي ما كان تعبيراً حقيقياً عن الروح الجديدة التي زلزلت الشعر وجعلته بالتأكيد غير ما كان عليه قبلنا كما لم يبق تحت خيمة الجماعات سوي أحاد إذا أضفنا إليها فريد أبو سعدة ومحمد صالح أصبحنا أمام ستة شعراء هم كل ما تبقي من هذا الجيل. سأستعير جملة من مقال حلمي سالم المنشور في الحياة اللندنية عن ديواني (جليس لمحتضر): ولكن أولئك الشعراء ـ أنا وآخرين ـ قاوموا العزل خارج الدائرتين، بل كونوا دوائرهم الإبداعية التي فرضت نفسها في الساحة الشعرية بجهدهم المتواصل وبتنوع عطائهم الشعري وتجدده في الوقت الذي لم تمنح خيمتا الدائرتين شرعية لبعض المتوسطين الذين انضووا تحت عباءة الجماعات المسلحة .
* يعتقد ستيفن سبندر أن الشعر كان يمثل طفولة البشرية وبدائيتها كذلك فهو موصوم بأنه ضد الحضارة وعليه يتوقع انقراضه.. هل يعزز مثل هذا القول شعار أننا في زمن الرواية ؟
بالطبع يمكن موافقة ستيفن سبندر إذا ما كان يعني القصيدة البسيطة كالطفولة البشرية لكن الشعر ككائن حي قد طور نفسه ليجابه عالماً معقداً كالذي نعيش فيه وربما ما نراه من هوس التجريب في هذا الفن يكون دلالة على أن الشعر كالإنسان يتطور عبر التحدي والاستجابة. بالطبع القصيدة البسيطة هي لحن ـ مهما كان جميلاً ـ لا يملك شيئاً أمام السيمفونية وهي كوخ يبهت أمام الكاتدرائية ولكن لماذا لا ننتبه لما يحدث في الشعر الآن. لقد وسع نفسه وأذاب تخومه لتلتقي بتخوم أخرى هي تخوم السينما والمسرح والموسيقي والعمارة؟ لقد وجدت الفنون لتبقي وهي في سبيل البقاء قادرة علي القيام بتحولات مدهشة وعليه أن تقرأ ذاكرة الوعل ومكاشفتي لشيخ الوقت بل وحتى جليس لمحتضر لتدرك سعيي لاقتناص العالم والشباك التي أقترحها لذلك، أما عن مسألة زمن الرواية فسوف أحيلك الي الكتاب الأول الذي أصدرته سلسلة المحاولات النقدية التابعة لمجلة ورشة الرواية والذي عرضه في الحياة اللندنية محمد برادة وفيه يحاول أكثر من عشرين روائياً الإجابة علي سؤال: الرواية لأجل أي شيء؟ وذلك في سياق الرد علي من ينظرون لموت الرواية لأنها تغرق في التفاصيل ولا ترتقي الي التعبير عن المطلق!!
* كتبت المسرح الشعري في لحظة تراجع فيها حضوره كلياً، هل تعتقد أن اللحظة تقبل بهذه الشعرية الملحمية التي انتهت مع صناعة البطولات التاريخية الأولي وما أسفرت عنه من ملاحم؟
يبدو أن أعمالي لا تقرأ بشكل جيد، سؤالك ينم عن هذا، فتجربتي مع المسرح مبكرة جداً. مسرحيتي الأولي ـ التي لم تنشر حتى الآن ـ انتهيت من كتابتها قي 1970 ومسرحياتي الخمس نشرت في 95 و97 مع أن آخرها كتب في 1987 أقول هذا لأؤكد لك أنني لم اكتب في لحظة تراجع حضور المسرح التي هي عليه الآن هذا من جهة ومن جهة أخرى فان كلامك عن الشعرية الملحمية ينصب في الأساس علي مسرحية وحيدة هي ليلة السهروردي الأخيرة التي صدرت عام 2002. ما أود أن أضيفه هو أنني في المسرحيات الخمس: (حيوانات الليل، مساء ثقيل، روليت عائلي، عندما ترتفع الهارمونيكا، ألعاب ليلية)، كنت أختار شخصياتي من الحياة، من المهمشين والمنكسرين، كنت أجرب شعرية جديدة لا تقوم علي ما للتاريخ من سحرية جاهزة وإنما تقوم علي طبيعة الأزمة التي تواجه الإنسان هنا والآن، بمعني أنني كنت أراهن علي اكتشاف الشعري من هذا الجحيم، من كسر الألفة ومن التوتر الناجم عن تعري الشخصيات في مواجهة الآخرين، لكن أحدا لم يقرأ بجدية تجربتي في المسرح ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت أنها بالرغم من استفادتها من صلاح عبد الصبور إلا أنها قطعت شوطاً أبعد وفي اتجاه مختلف.
* اقتربت بشكل ما من المؤسسة الثقافية ثم اختلفت معها. بين الاختلاف والاتفاق تكمن أسرار ـ لا شك ـ ما هي وكيف تري دور المؤسسة الثقافية لدينا؟
في أوائل السبعينيات كنت في جمعية كتاب الغد وكان شعارها الأساسي نحو اتحاد وطني ديمقراطي مستقل للفنانين والكتاب والأدباء وقد سجن بعض الأعضاء من جراء نضالهم في سبيل ذلك. لكن منذ تولي د. جابر عصفور أمانة المجلس الأعلى للثقافة تحول المجلس الي سرادق هائل يضم كل التيارات الفكرية والسياسية والإبداعية، حتى انك قد تتساءل من الذي لم يتعامل مع المجلس؟! لقد رأيت آبائي الروحيين ينخرطون في العمل ولم يكن هناك من يقول قل ولا تقل مما قوي قناعتي بأننا نمارس دورنا في شروط أفضل، كانت اللجان وهي كثيرة تحتشد بمبدعين حقيقيين بل وتجدد دماءها باختيار أعضاء من أجيال مختلفة. أعرف أن وجود الرموز الكبيرة والشريفة هو تبييض لوجه السلطة ولكن ما الضرر إذا كسبت هي هذا وكسبنا نحن شرطاً أفضل لخطابنا الخاص الذي يناوئ عند الضرورة خطاب السلطة؟! قبلت الدخول في لجنة الشعر عندما رشحني لذلك د. عبد القادر القط وهو لورد ليبرالي جميل. واستمر الأمر حتى اختلف الشرط وحدث الصدام فعندما القي صنع الله إبراهيم بقنبلته وجدت نفسي أكتب أول بيان تأييداً لموقفه النبيل ورحت آخذ توقيعات كل من رأيته من رموز الكتابة في مصر والعالم العربي، ثم أرسلت البيان الي جريدتي القدس والحياة وغيرهما. كان الحرج الذي وجدت فيه السلطة نفسها والارتباك الذي أذهلها قد أسقطا القناع وأسفرا عن وجه كريه لم تستطع حتى ذلاقة لسان جابر عصفور أن تستدركه أو تقلبه لصالحها بحجج واهية من قبيل: لماذا إذن أخذ جائزة العويس أو لماذا عمل في أمريكا؟ فسد العقد منذ هذه اللحظة، إذن أصبح هنا من يقول لنا (قل ولا تقل) وبعد شهر واحد من هذا الموقف تم تشكيل اللجنة في ميعادها ولم أكن أنا ومحمد بدوي ومحمد عبد المطلب ضمن التشكيل، فقد وضع بدلاً منا كمال نشأت وعبد المنعم عواد يوسف وآخرون، ثم جعلوا الرئاسة لأحمد حجازي الذي انتهى من الشعر منذ أكثر من عشرين عاماً والمناوئ الأول لأوسع التيارات الشعرية المعاصرة حضوراً.
* أظن أن الجيل الذي تنتمي إليه أصبح صاحب شعرية متبلورة الي حد كبير بحكم اعتبارات موضوعية وسنية. ترى من هي الأسماء التي أسفر عنها هذا الجيل. أرجو أن تبرهن على اختيارك؟
يمكن القول أن إعادة النظر في الرؤى المستقرة وطرح الأسئلة كان الهوس الحقيقي الذي ميز السبعينيين وقادهم الي خلخلة النموذج وهدمه، فعلي مستوي اللغة تم المزج بين الشريف والمبتذل فيها، وعلي مستوي الإيقاع تم المزج بين الإيقاع الخليلي وموسيقي النثر، وفي البناء تم التخلي عن القصيدة البسيطة لصالح القصيدة المركبة، كل ذلك في إطار رؤية تنتصر للشفاهي والمسكوت عنه أو المحذوف (لا للعلم به ولكن للخوف منه)! طرح السبعينيون بجرأة مفهوم الشعر نفسه في قصائدهم وهدموا ثنائية الشكل والمضمون إذ صار الشكل معني في ذاته ومن هنا كان التوسع في التجريب توسعاً في موائمة القصيدة لوقتها وحتى القضايا الكبرى تراجعت في موائمة بين الجمالي والسياسي لتدخل النص من الأبواب الخلفية. بالطبع عرف المشهد الشعري قبل ثلاثين عاماً أكثر من عشرين شاعراً لكن العدد الآن تقلص حتى أصبحنا لا نري حضوراً سوى لستة شعراء هم:
حلمي سالم، رفعت سلام، محمد صالح، محمد سليمان، وعبد المنعم رمضان. وللأسف فان واحداً أو اثنين من هؤلاء يمكن أيضاً أن يفاجئنا بالتوقف.
* قصيدة النثر الآن أصبحت ملكاً لأجيال مختلفة فهي المنجز المنسوب لرواد وشبان وما بينهما. تري هل هناك ملامح مختلفة لهذه القصيدة لدي الأجيال المتعاقبة، وما هي مرجعية هذه الاختلافات؟
التصق بجيل الثمانينات تعبير ظالم هو انه (جيل مدشوت) وأنه مجرد قنطرة بين السبعينيات والتسعينيات، ربما يعود ذلك الي الصخب الذي صاحب جيلنا واستنسخه التسعينيون، وربما لأن الأعمال الأولي لجيل الثمانينيات لم تكن بالفعل واعدة أو قادرة علي طرح جماليتهم بالقوة اللازمة. علي أي حال لقد بدأت تتكشف ملامح هذا الجيل مع خفوت صخب التسعينيين ومع تبلور بعض التجارب المميزة بين أبناء هذا الجيل. وفيما يتعلق بقصيدة النثر فقد ساهم السبعينيون في تقديمها وظلت موشومة بانشغالاتنا الجمالية بينما راحت تجعل من نفسها تعبيراً جمالياً عن المهمشين في حياتهم اليومية فقط، وتحذر ـ حذر الموت ـ أن ترتفع بوقائع هذه الحياة الي رؤية أكبر فهي حساسة تجاه الواقع السياسي والاجتماعي للذات، وشيئاً فشيئاً مع التسعينيات راحت تنحو نحو الكوزموبوليتانية والتجرد من خصوصية المكان والزمان حتى يمكن القول أنها أصبحت قصيدة طائرة لا خصوصية لها وكأنها استجابة ما لدعاوي العولمة!
* كنت عضواً بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ـ لكنك لم تقدم المطلوب من شاعر محسوب على الطليعة الشعرية.. ترى ما هي الأسباب وما هو شعورك الآن وأنت خارج اللجنة؟
أنا شاعر من شعراء الطليعة في هذه اللجنة لكننا كنا محاصرين بشيوخ لم يكتبوا أو يقرأوا منذ أكثر من عشرين عاماً. آخر ما يتذكرونه هو أمل دنقل الذي قفل علي أصابعهم الباب ومضي. ينبغي أن تعرف أننا بذلنا جهوداً كبيراً بالفعل لكن الأسوأ ظل مع هذا قائماً. كسبنا معركة التصويت علي القرارات لكننا خسرنا معركة عمل مضبطة للجلسات لمعرفة تحفظات أو اعتراضات الأعضاء علي هذا الأمر أو ذاك مما جعلنا نبدو في عيون الآخرين وكأننا شلة واحدة من البيض الفاسد. هل تدرك أننا استطعنا تغيير (أو تجميد) نص في اللائحة يجعل بعض الشعراء أعضاء في اللجنة بحكم مناصبهم في جهات أخري مثلاً كان إبراهيم عيسي دائم العضوية في لجنة الشعر لأنه رئيس (جمعية شعراء العروبة) وبعد رحيله جاءت نور نافع لتحل محله في اللجنة باعتبارها حلت محله في الجمعية. هل تعلم أن المؤتمر الثاني للشعر العربي لم ينعقد (و قد لا ينعقد أبداً) لأننا قررنا جائزة قدرها 50 ألف جنيه علي غرار جائزة الرواية وقتها، فظل صيادو الجوائز والسفريات من اللجنة يسوفون الأمور بحجة أن الجائزة ستذهب اليى العرب!
هل تعرف أن مشاريع كثيرة توقفت لأنها مع التصويت تخسر أمام أغلبية محافظة، مثلاً ترجمة نصوص من الشعر المصري المعاصر بالاتفاق مع دار نشر أوروبية أو إقامة مؤتمر لقصيدة النثر أو إصدار مجلة فصلية عن اللجنة أو ترشيح شعراء من خارج اللجنة لتمثيل الشعر المصري في المهرجانات الدولية. لقد كان آخر ما اقترحناه هو ألا يستمر شاعر في اللجنة أكثر من دورة أو دورتين لضمان تجديد التمثيل الشعري وطلب بعض الشعراء بالفعل ومنهم بدر توفيق إعفاءه من الدورة القادمة. أعتقد أن تمثيلاً عددياً متساوياً لتيارات الشعر الثلاثة والمواءمة في كل تيار بين الأجيال الفاعلة فيه يمكن أن تكون نقطة البداية في إصلاح جذري للجنة الشعر.
القدس العربي
2004/09/03
أقرأ أيضاً: