فقط بعد إقامتها في لندن وعملها هناك، كشفت الشاعرة السورية ندى منزلجي، بشكل كامل، عن شغفها بكتابة الشعر. من هناك بدأ اسمها يظهر ويأخذ مكانه مع الأصوات الجديدة، برغم أن البعد الجغرافي لم يتح لها الانضمام إلى صف شعري، وهذا ما تراه أفضل بالنسبة لتجربتها الفردية.
وحين قدم نزيه أبو عفش لمجموعتها الأولى (قديد فل للعشاء) الصادرة عن دار المدى، كان كمن يدفع إلى القارئ صوتا شعريا بات يمتلك نبرة وحساسية خاصة في معاملة الكلمات واستدراج الاحتمالات المدفونة فيها:
*بدأت قصائدك بالظهور بعد إقامتك في لندن، وأثناءها صدرت مجموعتك الأولى (قديد فل للعشاء) وقدم لها الشاعر نزيه أبو عفش. أحب أن نتحدث أولاً عن بداياتك، ماذا عن انشغالك الأول بالشعر ومتى صار هاجسا، ولماذا الشعر وليس أي طريقة أخرى في التعبير.
؟ لندن، كأنها إعلان جاء أخيرا لعلاقة طويلة، شبه سرية، وحلمية مع الكتابة، كأنها الفضاء الحر الحقيقي الذي كانت تستجديه نصاعة القصيدة. فيها أنا اسم جاء من عدمه، لا خلفية سابقة هنا لأتكئ عليها، ولا راية لأقف تحتها، أنا التي اكره الشعارات، وانفر من التكريس.. لا بل أخشاه. لم أكن، صراحة، مفتونة بالإعلام (الوطني)، ولم تكن الصفحات الثقافية فيه تشكل أي إغراء بالنسبة لي.. ولا كنت بذلك الأقدام الذي خيل إلي انه ضروري لمراسلة الصحف والمطبوعات التي كنت اعتبرها منفذا مناسبا.. ربما لم أكن أيضا أستطيع تحمل ان أقابل بالتجاهل. محاولاتي كانت قليلة جدا مع النشر ولم اعتبره شرطا لازما للكتابة.
*في لندن كنت المجهولة بجدارة، كما ينبغي، وحينها ظننت أن في إمكاني تقديم ما أريد. ومع عملي في الصحافة الثقافية هنا كنت أكثر استرخاء، وشعرت ان الأوان قد حان للإفراج عن بعض قصائدي والمضي قدما في علاقة معلنة ملتزمة مع الشعر.
لكني اخترت سوريا لأصدر منها مجموعتي الأولى، أردت اعترافا من هناك لكن بعد ان لم تعد الرايات تفرض ظلها الثقيل على رأسي، وحين علمت ان الشاعر الرائع نزيه أبو عفش سيقدم لمجموعتي، كان أكثر ما أفرحني ان قصائدي جاءت إليه من عدم صاف، ذلك الذي أحبه. قصائد شاعرة مجهولة، مرت يوما على صفحات (المدى) ورحلت دون ان تقول حتى شكرا للذي نشر لها.
أما بدايتي مع الشعر فتعود إلى ما قبل بلوغي العاشرة من العمر، كنت حينها اصدق ان ما اكتبه شعر، (أستعير) قصائد نزار قباني، أعيد كتابتها على طريقتي. كان أخوتي يضحكون من صغراهم وقصائدها الغرامية المفتونة بقبلة العاشق بينما هي تقبل خد دميتها وتقرأ مجلة (ميكي) و(سوبرمان) جنبا إلى جنب مع رواية (الغانية نانا) لأيميل زولا وأشعار عمر الخيام. شيئا فشيئا بدأت ثقتي المطلقة تتراجع، وأصبحت قصائدي المفترضة لعثمات قلقة، وبدأت تقترب مني. كان العالم وما يزال ينسحب كله خارجا ثم يتكثف في خربشات على صفحات دفاتري المدرسية وكتبي، أعيش الواقع بنصف، وبالثاني احلم بالشعر. اكتبه أم لا؟ ذلك أمر آخر. إلا ان علاقتي بالشعر، لحد الآن ملتبسة، مزدوجة، فيها كل شغف العشق، وكافة احتمالات الخيانة. انه الطائر الذي قد يشرع جناحيه يوما ما بعيدا جدا عني، أو هو الحبيب الذي اتخذته وسيلة لاستدرج حبيبا آخر فوقعت في أسر لهب الأول، أو خسرت الاثنين معا. خيل لي دائما ان الشعر عبور طويل جدا ومغر جدا على طريق الرواية، وصدقت طوال حياتي أنني يوما ما سأكتبها. انظر إلى الحياة من خلال رواية. تستغرب ربما لو أقول لك إنني عاجزة عن فهم ما يحدث لي وحولي ما لم أتخيله فصلا في رواية. أحدد أهمية الأحداث حسب تأثيرها في حبكة روائية.. لكني في النهاية ابحث عن غبطة الشعر، تلك السوداء العميقة. لماذا؟ لأني بكل بساطة، وعلى ما يبدو، هكذا أحب.
خارج الحدود
*هل تظنين أن إقامتك في الخارج تبعدك عن العيش في جيل أو حالة شعرية ما، وهل هذا الانتماء ضروري في رأيك؟
؟ إذا كانت إقامتي في الخارج أبعدتني عن الانضمام إلى صف شعري، فهذا ما أصبو إليه.. وإن كان المكان الجغرافي في هذا الوقت فقد الكثير من صرامته في تربيتنا على كل منحى. إقامتي هنا لم تبعدني عما يكتب هناك خصوصا مع ما يوفره الانترنت من تواصل واتصال، بل أنا أشد حرصا على متابعته وأكثر احتياجا لفكرة الانتماء ككل. لكني يوما لم أكن مؤمنة، وقد أكون على خطأ، بحسنات التحرك ضمن فضاء معين مهما اتسع، أؤمن بالانتماء إلى العالم وبالفردية في الكتابة والتفرد كمسعى وغاية (لن استعمل المصطلحات الدارجة: قتل الأب مثلا.. لا أحب هذا المصطلح، ولا القوالب التي تسعى المصطلحات لحبسنا داخلها.. الفن فضاءات لا متناهية، وتجدد لا يشترط القتل أو الإلغاء، والتكريس وجه آخر للتقليد) لكني بالتأكيد ودون إرادة مني أتحرك على ضفاف تجربة شعرية للجيل الذي صنفت ضمنه، جيل التسعينيات.. ألم أعش أنا أيضا كافة خيباته؟ لكني أتمنى لو أسبح في نهر آخر، خاص بي، وعلى ضفاف بعيدة جدا وفي أفق متسع يشمل العالم بأسره خارج اطر الجنس بمعنى (ذكر وأنثى) وخارج الانتماء الاثني، فما بالك بحدود جيل معين أو حالة معينة. الشعر هذا الكائن الساطع الحرية اطمح واحلم بالتحليق معه وحدنا بكل أنانية الشاعر، بكل إخلاصه للشعر.
*يشعر قارئ قصائدك بحساسية خاصة في نبرة الكتابة. هناك توتر في الجملة الساعية، غالباً، إلى الحذف والمحو والاقتضاب، ومزج ذلك بالاستغراق في عوالم وتفاصيل تدعو إلى الاسترسال والثرثرة.
؟ امتلك الجرأة لأقول إنني أحب اللعب مع القصيدة. كلانا يستدعي رقته، وأسنانه وأظافره أيضا. القصيدة بالنسبة لي طبقات، فوق طبقات. دهاليز سرية وحدائق مفتوحة لتلعب فيها الثعالب وتزورها الغزلان البرية. تطاوعني، لتنزلق من يدي وتجرني خلفها من ماء إلى ماء. اكتب وأمحو، وأصدق ان الشعر ما يبقى، وأن القليل يشي بالكثير، لكن حرير القصيدة يغريني أيضا بنثر الدانتيل فوقها أو على أطرافها (أو رميها أحيانا بحجارة تمردي). حرير القصيدة جوهرها يلمع أكثر مقابل تخاريم الدانتيل وتفصيلاته. ألقي بها مقتصدة، متوترة وألهث لاحقة بها، وأحب ان أنثرها أيضا بتأن، لأفضح روحي أكثر، لأفضح الحالة الشعرية وأعمقها، أليس الشعر كشفا، ومكاشفة، ومواربة وتهربا من قول ما لا بد من قوله، أليس هو رؤية جديدة لعالم كل ما فيه قديم؟ ها أنا أجيب سؤالك بسؤال، لأني ربما أريد للقصيدة أن تطرح سؤالها وتمضي.
*هل يساعدك مزاج ما في القراءة على تدعيم وتعزيز مزاجك في الكتابة. بمعنى هل هناك أصوات وتجارب (ليس بالضرورة أن تكون شعرية فقط) تدخل في نصوصك بصفتها شيئا تحبينه فتحولينه إلى مادة شخصية.
؟ مزاج الكتابة كائن حساس جدا، كامن ومستعد للظهور عن أول بادرة (تحرش)، ومستعص وقصي أحيانا.. تحركه أشياء كثيرة، قراءات، أفلام، موسيقى، مشهد عابر، رائحة ما، لون داكن لعتمة، الوجوه التي ارقبها في قطار الأنفاق، النظرات التي تضيء وأخرى الذاوية، الحب وغيابه، الوحدة العظيمة والتواصل المبهج.. لا استطيع الحصر، لكن لم يحدث أنني قرأت كتابا ما وأغلقته لأكتب قصيدة، لا.. القراءات عادة تدخل فلتري المبهم وتتصفى وتتخمر في أناة داخل رأسي، ومصفاتي شديدة التمويه لدرجة أنني نفسي أتوه عن أصل البلورة النابضة في قلب القصيدة.. لدي مصدر غريب للإلهام.. انه طريقتي الخاصة في فهم الأشياء، مثلا كنت مرة أتجول في إحدى المكتبات حين لفت نظري عنوان أعجبني وأسفت لان أحدهم سبقني إليه (إنني أرنو إلى المكان)، تجربة كاملة تختزلها عبارة، غربة المكان وتطلع إلى آخر قد تكون فيه اشد اغترابا.. وهكذا.. قصيدة قفزت إلى ذهني خالطها شعور بالاختلاس. لكن هذه العبارة كانت في الحقيقة تركيبا قرأه خيالي من الجمع بين اسم الكاتبة الفرنسية آني أرنو واسم روايتها وهو (المكان)! كتبت قصيدة عن الموضوع لكني حتى الآن لم ارض عنها، في موقف آخر أعجبت بعنوان (حكايا الأجساد) لمسرحية كانت تعرض في مدينة اللاذقية، أحببت جرأته والوعد الذي يتضمنه، لكن العنوان الحقيقي كان (حكايا الأجداد).. ها أنت ترى الفرق الشاسع بين الاثنين.
* ما الذي يدفعك إلى كتابة قصيدة. هل الشعر ما زال يعوض عن شيء ما؟
؟ لدي إحساس شديد الوطأة بالعبثية. لماذا الكتابة؟ وماذا يعني أن يقرأ احد ما أكتبه أم لا! من يهتم أصلا بشطحات الشعر.. أو الرواية، أو أي أدب أو فن آخر؟ الإبداع الحقيقي ذلك الذي يملأك بالدهشة والامتنان انتهى ربما، أو هو وهم آخر.. وأين أنا منه على أي حال؟ لكن وبعجينة التناقضات التي تصنعني أؤمن أن الشعر محاولة لخلق توازن، وسيلة وحيدة للتصالح مع الحياة.. ماذا اصنع إذاً بالألم؟ ذلك العميق الكبير الشاسع وكأنه يشمل العالم.. ماذا أصنع بالعاطفة العطشى أبدا.. بالتوق، ب..ب.. ماذا اصنع بنفسي لولا الشعر؟ خارجه أنا لا أحد.. وحده قادر على أن يطلق ضحكتي مغتبطة وعالية، متورطة وساخرة.. الشعر؟ جئت إليه كي أكون.
السفير- يونيو 2005