حاورها: اسكندر حبش
ظلك الممتد في أقصى حنيني"(منشورات رؤى ثقافيةـ بيروت ودار الينابيع ـ دمشق) عنوان المجموعة الثالثة للشاعرة السورية رشا عمران و تأتي بعد
"وجع له شكل الحياة" (1997) و كأن منفاي جسدي (1999) مجموعة جميلة لشاعرة ـ عبر استرجاع سيرة جسد ورجل ـ تحاول أن تتمسك بحياة تهرب لحظاتها،كما تقول.
حول المجموعة الجديدة كما حول بعض قضايا الشعر كان هذا اللقاء:
بداية، ثمة سؤال يطرح نفسه: مهما حاولنا البحث عن مرجعيات للقصيدة،لا نستطيع أن ننسى بأنك ابنة الشاعر محمد عمران. هل يلقي ظل والدك أي ثقل
في كتابتك؟
أولاً، أنا لم أقل يوماً إنني لست ابنة محمد عمران. أنا ابنته شرعياً و نفسياً.
وليس صحيحاً أن ينسى أحد ذلك، ولكن هل وجدت أنت أو أي قارئ آخر لمجموعتي الأخيرة ثقلاً أو ظلاً ما لمحمد عمران، أو لغيره من الشعراء؟
أزعم أن ما يميز هذه المجموعة عن مجموعتي السابقتين أولاً وعن العديد من المجموعات الشعرية المطروحة في السوق الأدبية حالياً هو أنها لا تذكر بأحد. أنا لا أدعي فتحاً جديداً في الشعر العربي، أنا، أساساً،لا أؤمن بهذا القول. ما من شاعر، مهما كان عظيماً، يمكنه القول إنه فاتح في الشعر ، هذا يعني تماماً أنه منقطع عن الماضي و عن الحاضر ،أي هو ليس شاعراً. أما الآن فأؤمن بأنني شاعرة.
هناك جيل شعري جديد يتشكل في سوريا اليوم .و في العمق، نجده يختلف إلى حد كبيرـ من حيث رؤاه وأدوات تعبيره ـ عن الجيل الذي سبقه. بما أنك واحدة من هذه الكتابة الجديدة، أولاً كيف تنظرين إلى هذا الجيل؟
ثانياً، كيف تحددين أنت نفسك رؤيتك الكتابية؟
من المشروع أن نختلف إبداعياً عن الجيل السابق.حياتنا مختلفة بالكامل، نحن كجيل أكثر انفتاحاً من الجيل السابق على العالم وعلى الحياة. هذا جد مشروعي. هم أيضاً كانوا أكثر انفتاحاً من الذين سبقوهم . نحن لا نحمل القضايا السابقة نفسها،وإن حملناها فبشكل مغاير تماماً ،و هذا قد انعكس على كتاباتنا خصوصاً الشعرية منها . أنا أعتقد أننا ابتعدنا بالشعر عما يسمى القضايا الكبرى، خلقت في الأساس، ما من قضية كبرى، بالمفهوم الدقيق للكلمة،خلقت شاعراً كبيراً. الشعر الذي يبقى هو المستمر، البعيد عن كل هذه المفاهيم.الشعر الذي يبقى هو المعني بماهيته، المعني بقضاياه الخاصة، المخلص لنفسه.ألا ترى معي أن الشعر هو قضية ذاته!وأنه هو هذا الذي يمكن أن أسميه، مجازاً، بؤرة تجذب نحوها كل ما يخدمها من تفاصيل الحياة معتمدة على تلك الساحرة الخفية التي تدعى اللغة؟!هنا، أرى الشعر،بوصفي شاعرة،ليس شيئاً آخر سوى الشعر، فحسب.أما أفقي فهو اللغة، ولكن السؤال هو أني كيف سأصل بها أو كيف ستصل هي الى الشعر الذي لا يختفي.
خارج المصطلح
يشير الشاعر أحمد جان عثمان في كلمته على الغلاف الأخير أنه (في شعر رشا عمران. . يبطل مفهوم الأدب النسائي ، حيث يغدو الشعر الذي تكتبه امرأة فعل تحويل دراماتيكي بعد أن كان انفعالاً نمطيا) . كيف تفهمين أنت هذا المصطلح و كيف تفهمين هذا التحويل و الى أي حد يعنيك أن تكوني خارج المصطلح ؟ هل من كتابة ذكورية و أخرى نسائية . ؟
إنا كائن خارج عن العادات في حياتي من كل المصطلحات في إبداعي. لا أحب المصطلحات، وخاصة الحديثة منها واعترف أنني لا انتمي إليها. أنا انتمي إلى غريزتي، وإبداعياً على وجه الخصوص. أنتمي إلى جسدي بكل تحولاته،أنتمي إلى هذه الأنا التي فيها من الأنيموس مثلما فيها من الأنوثة،إلى هذه الثنائية الموجودة في كل كائن حي.هذه الثنائية التي عمل "الرجل"،وبجهد مرعب،على تحويلها إلى ذكورة مطلقة على مدى نشاط ثقافي طويل،وتحول معها فعل الكتابة
إلى استعلاء ذكوري مجرد.وبالتالي تأصلت في الشعر لغة ذكورية قشية جافة لا رطوبة فيها. هذا المطب الذي وقع فيه ( قصداً) معظم الشعراء العرب ممهدين الطريق للنقد الذكوري بتبني مصطلح"الأدب النسوي". سأقول لك شيئاً: كلما قرأت مصطلح"أدب نسوي" تذكرت الحديث الشريف"رفقاً بالقوارير"فهل تقبل أنت، كونك رجلاً، لو أن الزمن عاد إلى عصره الأمومي فيقال مثلاً"رفقاً بالصنابير"؟! ومن ثم، مصطلح أدب نسوي مقابل ماذا؟ وكأن الأدب أصبح "بوتيكاً":نسائي،رجالي، ولادي....سن محير.وللأسف فإن معظم الشاعرات العربيات لم يفهمن هذه المسألة،لم تع المرأة الكاتبة أن أنوثتها هي الحاضنة للحياة، وبالتالي الحاضنة للغة،بدأت تكتب، وبلغة ذكورية ممسوخة،انفعالاتها، بينما الرجل محتفل بانتصاره يصفق لها.أنا أؤمن بالتكامل بين الأنثى والرجل، ولكنني قد أكون منحازة حينما أقول إن الأنثى هي القادرة على إفراغ الموت "الذكوري"من سمّيته،ومن ثم احتضانه كجزء من الحياة في مقطع لي في هذه المجموعة أقول:"أتعدد كما الموت/ كيفما اختلفتَ/ دروبك إلي".
تقع ـ عملياً ـ مجموعتك الثالثة في ثلاث قصائد طويلة، اللافت أن القصيدة الأولى، التي تحتل جزءاً كبيراً من الديوان، مبنية على شكل مقاطع، تشكل في النهاية، قصيدة واحدة. ماذا تعني لك الكتابة وفق هذا الأسلوب. بمعنى آخر، كيف يختار الشاعر أسلوبه؟
اخترت نصوص هذه المجموعة من مناخ واحد، قصدت أن تكون كلها، قصيدة واحدة بثلاثة مقاطع و ثلاثة عناوين. المقطع الأول الأطول جاء على شكل نصوص قصيرة دون التخطيط المسبق لذلك كي لا أكون مدعية. أحب كتابة القصيدة القصيرة أو ما يسمى قصيدة اللقطة، كما أحب كتابة القصيدة الأطول. الشكل هنا يأتي تبعاً لحالتي النفسية خلال عملية الكتابة، وليس انعكاساً لأي شيء آخر. أكتب النص، فجأة أشعر أنه يجب أن ينتهي هنا، وهكذا.
شعراء الأيديولوجيا
إحدى القراءات الممكنة لديوانك الجديد، أنه يستمد" موضوعه" من شذرات سيرة ذاتية. هل أن الشاعر في النهايةـ لا يكتب إلا نفسه؟ بهذا المعنى، هل الكتابة هي عملية ذاتية صرفة؟
تاريخنا الشخصي هو جزء من التاريخ الجمعي، يختلف فقط في التفاصيل الصغيرة. بهذا المعنى، نعم، فأنا أكتب ذاتي، لكنني أيضاً أكتبك أنت أي القارئ، إن كنت شعرت بأن قصيدتي لامستك بشكل ما، لا يمكن للكتابة أن تكون غير ذلك، عندها، تفقد الكتابة انحيازها، إذن هي تفقد تمايزها، تفقد قدرتها على البقاء. أنا أعي العالم في ذاتي، وفي ذاتي أنغمس في العالم، ومن ذاتي أنطلق إلى العالم. لماذا لم يبق مما يسمى شعر النضال، أو شعر المقاومة ما يستحق القراءة؟ أجمل قصائد نيرودا هي قصائده الذاتية، قصائده عن ماتيلدا. محمود درويش في الجدارية مثلاً أكد عظمته الشعرية، بينما ظل الآخرون اللذين عاصروه من شعراء النضال و الأديولوجية يراوحون في مكانهم.
في قصائدك، ثمة عالم يهرب من أمامك. هل توافقين على هذا الكلام؟هل الكتابة هنا محاولة لتوقيف زمن منساب عند نقطة معينة، تشكل فردوساً ضائعاً؟
أية كتابة هي محاولة القبض على ما يتسرب من بين أصابعنا، هي محاولة للتمسك بالحياة أو التشبث بها، أعني الحياة بمعناها النفسي العميق وليس بمعناها المجرد.أنا أراقب الحياة من نافذتيّ الحب و الموت. لا يمكنني أن أغلق واحدة منهما، أزداد حباً فأزداد موتاً، أغرق في تفاصيل الجسد فأغرق في تفاصيل الموت. أنا أقول دائماً أن نشوة الجسد القصوى هي تماماً لحظة الدخول في العدم، حينها تختفي كل الأشياء و التفاصيل الصغيرة و الكبيرة ولا يبقى سوى الفراغ.ألا يحلم الجميع بهذه النشوة؟ بتبسيط أكثر، ألا يحلم كل عاشقين في الحياة بإيقاف الزمن عند نقطة معينة قد يسميها البعض فردوساً، أما أنا فأسميها نقطة التلاشي، أو بتعبير أدق، نقطة توتر الوعي بين الجسد والموت.
سؤال أخير، ماذا تريدين من الشعر؟
في أحد مقاطع المجموعة أقول:"ما معنى الشعر/ حين يعجز / أن يشفي / من الموت". هل يكفي هذا الجواب؟ لو عرف أي شاعر ماذا يريد من الشعر لتوقف عن الكتابة، وبالتالي لانتهى الشعر. جمالية الشعر في سريته الجاذبة، نموت لنقترب منه دون أن نعي لماذا. هل يعطينا أسراره، هل يمنحنا الفرح، أو الحزن، أو الحب..... ربما هو فقط يجعلنا نملك هذه القدرة على طرح الأسئلة.هل يكفي ذلك؟.... أنا لا أعرف.
السفير
إقرأ أيضاً:-