دمشق ـ القدس العربي ربما تكون التظاهرة الفنية الأقوى في تاريخ سورية المعاصر، مئات بل آلاف من المثقفين والفنانين وأصدقاء يوسف عبد لكي، ضاق بهم خان أسعد باشا ، وانداح بعضهم في سوق البزورية أو مدحت باشا ينتظرون فرصة أفضل لمشاهدة المعرض مساء يوم الجمعة 6 أيار (مايو)، وهو المعرض الفردي الـ26 له. إضافة لمشاركته في معارض جماعية بلغت 29 مشاركة.
وإذا علمنا أن عبد لكي، سبق له وأقام في سورية سبعة معارض، منذ عام 1973 حين كان طالباً في كلية الفنون الجميلة بدمشق إلى العام 1998، وعندما كان ما يزال في منفاه القسري في باريس، ندرك أهمية هذا المعرض الأخير والاستثنائي في ضوء الحراك السياسي والثقافي الذي تشهده سورية مؤخراً، والذي سمح بعودة الفنان يوسف وأمثاله إلى البلد. تلك العودة التي ولّدت مناخات جديدة من التفاؤل.
ولد يوسف عبد لكي في مدينة القامشلي، في أقصي الشمال الشرقي من سورية، سنة 1951، ونال إجازة من كلية الفنون الجميلة بدمشق سنة 1976، إضافة لدبلوم حفر من باريس سنة 1986، ودكتوراه في الفنون التشكيلية عام 1989، وكانت رسالته لنيل الدكتوراه عن رسامي الكاريكاتير العرب وتقنياتهم .
يقول الناقد المصري حسن سليمان: ان عالم يوسف عبد لكي علي رغم سوداويته يحتويك فنياً، أسماك وجماجم من عالم آخر، عالم أسطوري، ينتظر البطل الأسطوري .
أما الشاعر نزيه أبو عفش فيقول: رغم جميع الخيبات والمحن والكوارث والأعطاب الروحية التي تخلّفها عقائد الاستبداد والمطاردات والسجون والمعاهد /الوطنية لتأهيل الخارجين عن الصراط الرسمي للعقيدة، إلا أن يوسف ما يزال يأمل: يأمل بريشته، ويأمل بقلبه، ويواصل رحلته السيزيفية الآملة إلى أعالي الهاوية: هاوية الإنسان .
حول عودته إلى سورية ودلالات هذه العودة، حول فن الرسم لديه ومراحل تطوره، حول معرضه الأخير في خان اسعد باشا، كان لصحيفة القدس العربي هذا اللقاء مع الفنان الدكتور يوسف عبد لكي:
* عاد يوسف عبد لكي في 19 نيسان (ابريل) إلى دمشق بعد غياب دام ربع قرن تقريباً، ماذا تعني لك هذه العودة؟
يتضمن هذا السؤال مستويين، ففي المستوي العاطفي عندما يرجع المرء إلى بلده، فهو يعود إلى أصدقائه، وبالنسبة لي فان سورية لم تكن في أي يوم من الأيام أبنية أو شوارع أو حقول، سورية أصدقائي، الناس الذين يشتغلون فناً، والناس الذين يهتمون بالثقافة عموماً، وبالسياسة.
فإذا انطلقنا من اعتبار البلد هو مجموع الأصدقاء والعلاقات فانه لم يبرح وجداني طيلة تلك السنوات، ولذلك اعتبر عودتي إلى البلد بهذا المعني هي العودة إلى المنبع الذي صنع خيالاتي وتوجهي المهني، لأنه كان يشكّل المحرك وراء كل عملي سواء بالفن أو بالصحافة أو بالسياسة. وبالتالي هذه العودة بتعبير آخر هي عودة إلى واحدة من منابع تكوين شخصية الإنسان.
بينما في المستوي الآخر الحقوقي، فأنا ذهبت للدراسة في فرنسا بقرار مني، لكني مكثت فيها 24 سنة مرغماً، الامتناع عن تجديد جواز سفري، وكان إحساسي خلال هذه السنوات بأن منعي من العودة إلى سورية ـ أنا وآلاف السوريين الموجودين في الخارج ـ هو اعتداء علي حق من حقوق المواطنة، هو انتهاك من السلطات السياسية لواحدة من أهم حقوق المواطنين، وبالتالي هو اعتداء بشكل أو بآخر من السلطة السياسية علي الدولة السورية، وآليات عملها.
وعلي هذا الأساس اعتبر أن حقي في استعادة جواز سفري و في العودة، هو أمر لا يمكن مناقشته أو المساومة عليه أو التنازل في سبيل الحصول عليه،انه حق مطلق، ولذلك رفضت أية اتصالات أو مساومة عندما قررت العودة.
وإذا كانت السلطات خلال الخمس والعشرين سنة الماضية قد فرضت علي الكثير من المواطنين والمعارضين أن يعودوا بالاتفاق مع جهة أمنية أو سياسية، فهذا بالحقيقة لا يسجل علي المواطنين، بل يسجل علي السلطات التي فرضت ذلك.
وعودتي الآن بالشروط التي تمت بها اعتبرها هي الشيء العادي والسليم، لأنها استعادة لذلك الحق، واعتقد أنني لو تصرفت بطريقة أخري فلن أكون إلا نادماً.
* بمناسبة الحديث عن شروط العودة هل جري استدعاؤك من قبل أية جهة أمنية؟ أو طُلب إليك مراجعة تلك الجهات؟
في الحقيقة كان اسمي موجوداً لسنوات طويلة علي الحدود والمعابر لإلقاء القبض عليّ، وجري تخفيف هذا الأمر ليصبح سنة 2001 مجرد مراجعة لأحد فروع الأمن لدي عودتي، وهذا التخفيف تم ضمن إجراء طال ما يقرب من (250) مواطنا سوريا في الداخل والخارج.
ولدي وصولي إلى المطار، كنت أتوقع تلقي إشعار لمراجعة احد فروع الأمن، لكن شيئاً من هذا لم يحصل، ولم يتم استدعائي من قبل لأي فرع للآن.
* يجري الحديث في سورية عن التغيير والإصلاح بشكل كثيف، هل تولد لديك انطباع بذلك؟
ربما جري تخفيف الكثير من الإجراءات الأمنية، لكن هنالك مجموعة من المعضلات الكبيرة في الحياة العامة في سورية لم يتم التعامل معها بعد، معضلات تتعلق بحقوق المواطنين، وتتعلق بالوضع الشاذ الذي يعيشه البلد منذ ثلاثين سنة ونيف.
وتزخر كلاسيكيات الأدب السياسي في سورية بالتأكيد علي مجموعة من النقاط لها علاقة بإنهاء حالة الطوارئ وتشريع الحياة الحزبية في سورية وصياغة حياة سياسية أسوة بما هو مألوف في كل بلدان العالم، كذلك التعامل مع حرية التعبير وحرية الصحافة بطريقة غير استبدادية، وبالتالي رفع اليد عن كلام الناس وطريقتهم في التفكير والاعتقاد، وإطلاق حرية المعتقلين السياسيين الذين انتفي أي مُبرر سياسي أو قانوني أو أخلاقي لإبقائهم في السجن، فانا لا أجد سبباً لبقاء شخص مثل الدكتور عبد العزيز الخير منذ (13) سنة، والذي حكم لمدة (22) سنة وهو حكم سريالي أسود وغير قابل للتصديق، كما لا يوجد أي مُبرر لبقاء شخص مثل الدكتور عارف دليلة أو النائب رياض سيف منذ أربع سنوات في السجن، وإذا كان من حق كل سلطة سياسية أن تدافع عن نفسها، إلا أنه لا يحق لها العبث بحياة البشر، والمفارقة أن بقاء هؤلاء المواطنين في السجن لا يقدم أي خدمة للسلطات.
ومن القضايا المعلقة كذلك ملف المنفيين، وإذا كان قرار وزارة الخارجية بإصدار جوازات سفر لكل السوريين المنفيين، يُمكن اعتباره خطوة ايجابية، فانّه لا يصبح قراراً حقيقياً إلا بوقف الملاحقات الأمنية بحقهم، والسماح لهم جميعاً بالعودة إلى البلد، أو صدور عفو شامل عن كل القضايا التي شتتت الناس في المنافي.
ومن القضايا التي أصبحت أيضاً من كلاسيكيات الديمقراطيين والمعارضين في سورية، قضية مكافحة الفساد، فإذا لم يتم تأسيس بُنية قانونية لمكافحة الفساد، وبالتالي عدم ترك هذا الموضوع الخطير للمناسبات السياسية والمناسبات التي تستهدف تلميع وجه النظام السياسي، سيبقي الفساد ينخر عظام المجتمع من أعلاه لأسفله.
كل هذه الملفات أرهقت المجتمع السوري منذ ثلاثين سنة وحتى الآن، ولا يبدو أنّ السلطات تُدرك استحقاقات العصر الجديد، الذي لم يعد يحتمل وجود أنظمة استبدادية كما رأينا في السبعينات والثمانينات.
وبالنسبة لمستوي التغيير السياسي لازالت هذه الملفات مطروحة علي رزنامة السلطات، لأنّ المعارضة باعتقادي عملت أكثر مما تستطيع، لم تترك وسيلة للمطالبة والإلحاح علي هذه النقاط منذ (30) سنة.
* دعنا نعود إلى التظاهرة الجميلة التي حصلت لأول مرة في تاريخ سورية، أكثر من (200) شخص من الأصدقاء والمثقفين احتشدوا في مطار دمشق الدولي لاستقبالك؟
علي المستوي العاطفي كان استقبال الأصدقاء في المطار، وزيارتهم لبيت والدتي معبأ بكثير من الحرارة والصداقة ونبل العاطفة، التي لم أكن أتوقعها بهذا الزخم، أما علي مستوي التلقي فقد عشت حالة لا توصف من الفرح بملاقاة الناس والأصدقاء والأهل.
الشيء الذي أرغب بالحديث عنه، وربما لا يعرفه الكثيرون، أنّ العشرات ممن التقيتهم في المطار كنت اعرف أسماءهم فقط، والتي كانت موجودة علي قوائم المعتقلين السياسيين، ومن كثرة تداول هذه القوائم والأسماء، ترسخت في ذاكرتي الأسماء كأنها حبر علي ورق أبيض، أرقام في جداول المعتقلين، وفجأة أقف بمواجهة أشخاص، واكتشف أنّ هذه الأسماء والأرقام هم ناس حقيقيون، لهم عيون تلمع وأفواه تضحك وأذرع تضم بحرارة، هؤلاء الأشخاص الذين أمضي أغلبهم ما يُقارب خمس عشرة سنة في السجن، هم الآن بشر حقيقيون مليئين بالمحبة والعاطفة، وعندما وقفت بين أذرعهم كنت كمن يكتشف قارات إنسانية جديدة، وأنهم بشر قبل أن يكونوا معتقلين أو ناشطين في حقل السياسة.
وهكذا وخلال لحظة انتقل ما كان خيالا في رأسي إلى شيء واقعي وعاطفي عميق، وهذه اللحظة ستبقي من أكثر اللحظات الأثيرة علي قلبي ووجداني. كما أنها جعلتني أحس بمسؤولية خاصة تجاه علاقتي بالناس وبعملي وبالسياسة. وفي تصوري أن هذه المسؤولية هي الشيء الثاني الهام الذي تلقيته في المطار.
* هل ما زال يوسف عبد لكي يفرق بين الوطن والبلد؟
بالتأكيد، لأن كلمة الوطن علي جماليتها ونبلها تم استخدامها من قبل أجهزة الإعلام في سورية، وفي كل الدول العربية لتكون غاية لإخفاء مآرب أبعد ما تكون عن مصالح البلد وحياة الناس، وبالتالي أصبحت كلما سمعت كلمة الوطن أعلن خشيتي مما يُضمر وراءها من كوارث ومصالح يُراد تمريرها تحت هذا التعبير.
بهذا المعني تم تفريغ هذه الكلمة من دلالتها، وتم تفريغ الوطن من معناه خلال كل هذه السنوات، الوطن باعتباره مكاناً لضمان عيش الناس، مكاناً لضمان عمل لهم، مكاناً لحفظ كرامتهم، مكاناً لإقامة علاقات سوية بينهم وبين الدولة من جهة، والسلطة السياسية من جهة ثانية، كل هذا بالحقيقة تم تدميرها تماماً.
لذلك أنا أفضّل استعمال كلمة أخري لم (تُعهر) في الإعلام العربي، كما (عُهرت) كلمة الوطن، وأقصد تعبير البلد، لأني أراه أكثر بساطة وأكثر ودية، ولم تركب أجهزة الإعلام ظهره بعد.
* إذا عُدنا إلى البلدة الأولي، إلي القامشلي التي ولد ونشأ فيها يوسف عبد لكي، ماذا تعني له هذه المدينة الآن؟
القامشــــلي واحدة من الخيبات الكبيرة في حياتي، فهذه المدينــة الصغيرة والجميلة التي تركـــت أجمل الصور في ذاكرتي، حين كانت مدينة أقليات بشكل حقيقي، أقليات تتعايش مع بعضها ببساطة وعفوية، لن تجدهما في أرقي البلدان تنظيماً لشأن الأقليات، لا أذكر أبداً حصول أي حادث بين أقليات هذه البلدة من عرب وأكراد وآشوريين وسُريان وأرمن ومحلّمية ومردلية...الخ.
كان وجه المنافسة الوحيد بين هذه الأقليات لا يتجاوز حدود الحماس لفريق كرة القدم لهذه الأقلية أو تلك، والذي ينتهي بانتهاء اللعبة، حيث يحمل مُشجعو الفريق المنتصر أعضاء فريقهم إلى مركز النادي.
كذلك كانت هذه المدينة علي مستوي شوارعها وتخطيطها، علي مستوي نظافتها، تختزن الكثير من الظرافة والرُقي، وكل هذا المخزون الجميل في ذاكرتي تمّ تدميره حسبما سمعت في السنوات الأخيرة، لذلك لدي رغبة بأن أترك هذه الذكري الرائعة في رأسي كما هي، دون أن اذهب واكتشف ما سوف يطعن ذاكرتي وعواطفي.
* المرحلة الثانية في حياة يوسف عبد لكي كانت مدينة دمشق، ملعب الصبا والفن والسياسة، والتي تعود الآن إليها بعد ربع قرن من الغياب، هل يمكن لك أن تقارن بين دمشق التي غادرتها ودمشق التي تراها الآن؟
يحتاج الإنسان إلى فترة طويلة لإعادة اكتشاف المدينة، وبالتالي لإجراء هكذا مقارنة، مع ذلك يُمكن أن أكون قد خرجت بالقليل من الانطباعات علي مستوي المعاينة البصرية، وهي ملاحظات صادمة تماماً، بدءاً من أعداد السيارات في شوارع دمشق، والتي تذكرك بالازدحام الذي تعرفه مدن العالم الكبرى كباريس أو القاهرة مثلاً، كذلك كمية الإعلانات والدعايات التي تملأ فضاء المدينة وهي تتسم بالبشاعة وقلة الذوق نتيجة اعتمادها علي خطوط الكومبيوتر من جهة، وعلي الألوان المتعاكسة والفسفورية من جهة ثانية، بحيث عندما يسير المرء في شوارع دمشق يحس أنه يعتدي عليه بصريا في كل لحظة، الملاحظة الثالثة أنّ حدود المدينة امتدت فيها الشوارع والأنفاق والجسور التي أزالت ألفتي ومعرفتي بها، فأنا الآن احتاج لجهد كي أتعرّف إلى خارطة الشوارع والحارات المركونة في ذاكرتي، وكيف أدخل إليها وأخرج منها.
وهذا كله لم يكن موجوداً قبل (25) سنة، وهذه الملاحظات البصرية السريعة التي صدمتني، لا أقول أنها الملاحظات الأساسية والعميقة للتغيرات التي شهدتها المدينة، فهذا يحتاج إلى وقت أطول لأدراك التغييرات التي أصابت البشر، وهم عصب المدينة ومعناها الأول والأهم.
* مرّ يوسف عبد لكي بتجربتي السجن والمنفي، هل يمكن إجراء مقارنة بين مفاعيلهما علي المستوي الداخلي؟
قبل المقارنة أحب أن أتحدث قليلا عن السجن، أنا أعتبر أني بدأت أتعرف بشكل حقيقي علي بلدي داخل السجن، وليس قبل السجن أو بعده، لأن علاقاتي بالناس كانت محصورة بأبناء جيلي وأبناء مهنتي. فجأة اكتشفت أن ضمن مساحة 25 مترا مربعا التي تسمي مهجعاً ، يوجد أناس من كل المدن السورية ومن أجيال مختلفة، وبحكم تعايش هذه الكتلة البشرية ضمن هذه المساحة الصغيرة مدة 24 ساعة من أصل 24 ساعة يومياً، أُتيح لكل منا التعرف بشكل حقيقي علي الآخرين.
التنوع غير المحدود لهؤلاء الناس، قوتهم الروحية، طرق استجابتهم العقلية لصعوبات السجن، عاطفتهم ، مستويات التوتر في العلاقات اليومية، أنواع التربية الشخصية والسياسية، معدلات النضوج النفسي للأشخاص، كل هذه التباينات ما كان بالإمكان أن يراه أو يعايشه الإنسان في أي مكان آخر.
بهذا المعني،رغم صعوبات السجن وألم اللحظات الصعبة، لم شعر أبداً بالمرارة تجاه هذه التجربة، بل كان لدي إحساس بأنها واحدة من أكثر لحظات حياتي غني.
أما بالنسبة للمقارنة بين السجن والمنفي، فاعتقد أن الشيء المشترك بينهما يكمن في إتاحة الفرصة لاكتشاف الذات والآخر، لكن عملية الاكتشاف هذه تتم في المنفي ـ رغم صعوبته ـ بشيء من الفرح والفضول، بينما تتم العملية في السجن مع شحنة من الألم المتواصل،لكن مما لا شك به أنهما تجربتان مفصليتان في حياتي.
* كيف انعكست هذه التجارب علي اشتغالك بالفن؟
يكاد يكون التأثير مباشراً وغير مباشر، لكنه تأثير حاسم في مرحلتين من عملي الفني. الغربة أو السفر إلى فرنسا وضعني فجأة أمام مجتمع آخر، له ثقافة مغايرة، وعادات اجتماعية وسياسية مغايرة، وضعني فجأة أمام طرق تفكير أخري، أمام حرية ما كانت أبداً متاحة لي في بلدي، كل هذا شكل بالنسبة لي صدمة جعلتني أطرح علي نفسي سؤالاً لأول مرة يتعلق بهويتي، سؤالاً انعكس في شغلي منذ بداية الثمانينات وحتى نهايتها، واعتقد بأني اجتهدت لصياغة نوع من الإجابة علي هذا السؤال الهوية الذي لم أفهمه أبداً باعتباره مفهوما مغلقا علي نفسه، فأنا أفهم هويتي دائماً باعتبارها تقوم علي التواصل مع الآخر والانفتاح علي العالم، وبالتالي هي ليست صيرورة مقطوعة أو مغلقة، وبهذا المعني اجتهدت لصنع قطعة حفر فيها نوع من التمازج بين المنظور الغربي الذي نراه بشكل واضح في أعمال الفنانين الأوروبيين منذ القرن الخامس عشر وحتى الآن، وهو منظور قائم علي حسابات هندسية بحتة، وهو الذي يعطي بشكل أو بآخر الإنسان قدرة علي رؤية الأشياء في بعدها الثالث، بطريقة أقرب ما تكون إلى النظر الواقعي.
والمنظور الآخر هو المنظور الشرقي الذي نراه في المنمنمات العربية والفارسية والهندية والتركية والمنغولية، وهو منظور جمالي بحت، لا علاقة له بتراتب الأشياء خلف بعضها البعض، هي أشياء تتراتب مع بعضها وفوق بعضها، هاتان الطريقتان في النظر إلى المكان هما ما حاولت أن أضعهما في قطعة حفر واحدة خلال فترة الثمانينات.
وأعود لأقول أنني لو لم أسافر إلى فرنسا، لما كنت طرحت ـ أصلاً ـ علي نفسي سؤال الهوية، ولا طبيعة علاقتي بالآخر وثقافة الآخر. ولما انخرطت في صياغة ما صنعته خلال ست سنوات.
أما السجن فعلي العكس من السفر أو المنفي، اذ استغرقت فترة طويلة تقارب العشرة أعوام حتى بدأ لا يهضم وجدانياً، حتى استطعت أن أخرج قطعة حفر بشكل أو بآخر محسوبة علي آلام السجن وزمن السجن، وأنا لم أقل موقفي من السجن بل من السجانين، وهذا نوع من الهجاء في نظري إلى عملية استعراض القوة الموجودة عندهم، نوع من التهكم علي حجم الاهتراء الموجود لدي السجان الصلف، هذا كله تسرّب ـ بشكل أو بآخر ـ ضمن مجموعتي المسماة أشخاص ، والتي اشتغلت عليها بين عامي 1989 ـ 1995، هذه المجموعة اشتغلتها كحفر علي المعدن، وكأعمال بالفحم أو الباستيل، وهي ابنة السجن وان كانت تطال صلف البشر وعنفه ضد البشر بما يتجاوز السجان والسجن. لوحات ضمت ثلاثة أشخاص يقفون وقفة استعراض لقوتهم وصلفهم ووحشيتهم في مواجهة المشاهد ـ الآخر.
وإذا كان هذا موجودا علي مستوي الدلالة، فانه أيضاً موجود علي مستوي حياكة العمل علي ما أعتقد، وله علاقة بتحرير الأشخاص من الصرامة الواقعية التي كنت اشتغل عليها في المراحل السابقة، بحيث أصبح الشخص نفسه هو حجة لمجموعة من الارتجالات، مجموعة من الاقتراحات الجمالية التي لا تتساوق في الحقيقة مع الشيء الواقعي أو التشريحي في رسم الأشخاص.
وذلك لأن هذه الطريقة، بقدر ما كانت تعبر عن أو تستعرض تلك الأشكال المشوهة، بقدر ما كانت تستعرض اقتراحاتي لتحرير تلك الأشكال من صرامتها السابقة، وهذا مكسب ثان من مكاسب السجن، إذا استطعنا القول بأن للسجن مكاسب.
* ما زال متابعو الحركة التشكيلية في سورية يتذكرون إطلالتك الأولي عبر ثلاثية أيلول، أين هي الآن؟
بالحقيقة ثلاثية أيلول هي لوحة اعتز بها اعتزازا خاصا كمشروع تخرجي من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، كانت عملا بالقلم الرصاص من ثلاث قطع طبعاً، قياسها 14.05 X 22سم كانت أجزاء العمل معنونة البدء، التنفيذ، الأمل وللحقيقية أقول أن لكل جزء من هذه الأجزاء جوه الخاص، رغم وحدتها وتلاحم الأجزاء فيها، إضافة لرومانسيتها ووحدتها التعبيرية، فيها أيضاً الكثير من السخرية في الجزء الأوسط بالنسبة لهيئة الأشخاص، الذين يمكن أن يري المرء صدي لهم في مجموعة الأشخاص التي أنجزتها بعد ما يزيد عن 20 سنة.
عُرضت اللوحة أكثر من مرة في سورية في صالة الفنون الجميلة، وفي المتحف الوطني، لكن فيما بعد اقتنتها منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت معروضة سنة 1982 في قاعة الكرامة في مواجهة جامعة بيروت العربية، وبعد اجتياح إسرائيل لبيروت سنة 1982 تم نهب الكثير من الأبنية والمكاتب والبيوت...الخ، وقيل لي وقتها أن الإسرائيليين نهبوا فيما نهبوا لوحة ثلاثية أيلول مع لوحة جدارية أخري لي عنوانها المشهد الحالي ، والتي كنت رسمتها بالحبر الصيني، وكانت بحدود
250 X 122 سم، وقد عُرضت سابقاً في دمشق سنة 1978.
هاتان اللوحتان افتقدتهما وأنا لا اعتقد أن الإسرائيليين قد سرقوا اللوحتين، أنا اعتقد أن هناك شخصاً ما أو مجموعة ما قد سرقتهما، وأنا أحب عبر هذا اللقاء أن أوجه نداء لمن كانت لوحاتي بحوزته ، أنا مستعد أن أتبرع له باللوحتين فقط مقابل أن يسمح لي بتصويرهما، لأن الصور الموجودة لهاتين اللوحتين مأخوذة منذ السبعينات، حيث لم تكن ثمة تقنية أو احترافية عالية بالتصوير، وبالتالي ما املكه من صور عنهما هي مطبوعات تكاد تكون مشوهة.
* ترك يوسف عبد لكي أحصنة معلقة علي جدران الأمل، وفي بيوت الأصدقاء، وعاد إلينا بعد هذا الزمن بمزيج من الطبيعة الصامتة: (عظام، جماجم، أسماك، أحذية)، كيف اجتاز عبد لكي هذه المرحلة؟
بقدر ما كانت الأحصنة الاحتجاجية في مرحلة السبعينات أحصنتي، كانت أيضاً أحصنة مرحلة، وأحصنة ما يتفاعل في قلب المجتمع من آمال وطموحات وأشواق، فجيل السبعينات كان آخر جيل في سورية وفي البلاد العربية الذي حمل أحلاماً عريضة وواقعية لتغيير ما اجتماعيا وسياسيا. وقد ترجمت هذه المرحلة نفسها بتحركات علي المستوي الثقافي في الكتابة وفي المسرح وفي الشعر وأيضا في السياسة، وبهذا المعني فان رسومي تتجاوز اقتراحاتي أو رؤيتي للفن وللحياة من حولي، انها ابنة حقبة أكثر مما كانت ابنة صانعها. بينما الأشياء التي اشتغل عليها الآن كطبيعة صامتة أشياء فيها الكثير من الهدوء والسكينة، مع أنّ فيها شيئاً كان مخزوناً في كل أعمال السبعينات من شدة التعبير، ومن شدة النزوع المأساوي الذي كان موجوداً في أعمالي القديمة، وهذا شيء نراه ببساطة في رؤوس الأسماك المقطوعة، نراه في الجماجم وفي العظام، رغم ذلك استطيع القول أن فسحة التأمل الجمالي أصبحت أوسع في عملي الراهن، كما أظن أن فسحة المرارة أيضا أصبحت أكبر.
* يلاحظ إصرارك الدائم علي استخدام اللونين الأبيض والأسود؟
اعتقد أن الفنانين الذين يعملون علي سطح ينقسمون إلى اتجاهين رئيسيين ومتداخلين، الفئة الأولي يمكن أن نسميهم الملونين، ونواظم الشغل لديهم قائمة علي تناقضات اللون الحار مع اللون البارد،وهم غالباً علي مستوي البنية النفسية أناس عاطفيون، أمثال مونيه، رونوار، ماتيس، وهنالك تشكيليون آخرون يمكن أن نسميهم الرسامين، ونواظم العمل لديهم تقوم علي علاقة الأسود بالأبيض، علاقة الخط بالكتلة أيضاً، وبنيتهم النفسية هي غالباً بنية عقلانية. وهذا لا يمنع ـ كما ذكرت ـ من تداخل الاتجاهين، لأن الحدود بينهما ليست حدود قاطعة، فنري كثيراً من الرسامين يشتغلون كملونين وكثيرا من الملونين يشتغلون كرسامين، مثلاً بيكاسو الذي عمل عشرات آلاف الأعمال الملونة، لكن بنية العمل الملون لديه هي بنية خطية بامتياز، بنية رسام، كذلك عندما يأتي شخص مثل بونار الملون المعروف ويشتغل كرسام، فالبنية في أعماله هي بنية لونية، حتى وهو يرسم بالحبر الصيني.
ربما أكون محظوظــاً اذ اكتشـفت مبكراً أنني رسام أكثر مني ملوناً، وبالتالي أخذت أكثف كل جهدي علي امتلاك تقنية العمل بالأسود والأبيض،وبالتالي استخدمت دائما التقنيات الخطية كالحفر والفحم وقلم الرصاص..الخ
* في هذا المعرض يطغي اشتغالك علي الطبيعة الصامتة، كما يطغي الاهتمام بالأشياء الهامشية ـ ان صح التعبير؟
هذه المجموعة جاءت مباشرة بعد عملي علي مجموعة الأشخاص، وهي مجموعة لا تخفي النزوع السياسي والاحتجاجي فيها، حيث كان الإحساس بالسواد المكتوم داخل قلبي، والذي حاولت إخراجه عبر مجموعة الأشخاص، حتى شعرت بأن كل ما يمكن أن أقوله في هذا الحقل قد قلته، ودخلت في حالة من السلام الداخلي.
هذه الشحنة من الهدوء بدأت تترجم نفسها بمجموعة من الأشكال البسيطة والهامشية في الفترة الأولي، إلا أنني في المراحل الأخيرة ورغم صدقي مع لحظة السكينة تلك، أخذت استعيد بشكل أو بآخر نزعة التعبير السوداء القاسية القديمة ، وصارت كثير من الموضوعات العنيفة تأخذ مساحتها في عملي، كرؤوس الأسماك المقطوعة، أو الجماجم أو العظام ،والتي أصبحت نوعاً من المعادل لما هو جديد في شغلي، ولما هو موروث من عملي السابق،أصبحت تترجم كل النزعة التعبيرية الني كانت موجودة في شغلي، وفي الوقت نفسه تعكس رغبتي في أن أصنع لوحة، لا يكون عصبها فقط في طاقة الاحتجاج، بل عصبها في بنيتها الجمالية ، بنية تحوي أسئلة وفيها تعريج علي تراثنا البصري، كل هذا قادني إلى مجموعة أعمالي الجديدة.
بهذا المعني قد تجد في عملي الأخير تنويعاً علي فكرة الفراغ الموجودة في الفنون الصينية القديمة، كما تري فكرة البنية المركزية الموجودة في المنمنمات الشرقية، والتي تقود العمل إلى حالة سكونية، بعيداً عن النسبة الذهبية الموجودة في الفنون الغربية.
كل هذه الاختبارات والتي لا يفترض بكل مشاهد أن يدركها، إلا أنني واثق بأنها ستنتقل إليه دون أن يعقلن ذلك، تنتقل إليه كمتعة وكخبرة جمالية.
لكن هذا المعرض استعادة لما قدمته في القاهرة أو الكويت؟
فكرة هذا المعرض بالأصل هي اقتراح من الناقدة المصرية فاطمة إسماعيل منذ ثلاث سنوات، يقضي بتجميع أعمالي ذات القطع الكبير وعرضها في مجمع الفنون بالقاهرة، وقد تحققت هذه الفكرة في نهاية العام المنصرم، كما أعيد عرضها في قاعة الفنون في الكويت، والآن يعاد عرضها للمرة الثالثة في خان أسعد باشا بدمشق، مع إضافة عشرة أعمال جديدة. وكل اللوحات في هذا المعرض تنتمي لمجموعة الطبيعة الجامدة التي اشتغلت عليها في السنوات الأخيرة، باستثناء لوحة شاذة وحيدة في هذا المعرض تمثل قبضة مشدودة ومقطوعة بعنوان (مرثية إلى جيل السبعينات)، الجيل الذي اغتالت الأنظمة العربية طموحاته وأشواقه من المغرب إلى البحرين ، وقد أردت غبر هذه المرثية أن أقدم تحية لجيل الأحلام ذاك.
* هل نجح يوسف عبد لكي في إعادة اكتشاف الخريطة التشكيلية في سورية؟
رغم حرصي الكبير بالحصول علي أية مطبوعة تصدر حول الفنانين التشكيليين السوريين سواء من الأجيال السابقة أو من الأجيال التي ظهرت بعد سفري، ومع شيء من الادعاء أستطيع القول بأنني اعرف الشيء الكثير من خارطة الفن التشكيلي في سورية، وأعرف الشيء الكثير عن إبداعات جيل الثمانينات والتسعينات في سورية، أعرف أسماءهم وتقنياتهم وأعرف طرق عملهم وتصوراتهم... الخ، ورغم كل هذه المتابعة لا أخفيك إحساسي بالقصور عن قول أية كلمة فيها إنصاف، لأن المطبوعات مهما كانت أمينة فهي بلا شك مطبوعات مشوهة، ومهما كانت اللوحات الأصلية التي استطعت متابعتها في أكثر من بلد عربي، لا شك أن كميتها تبقي قاصرة عن إدراك مجمل المشهد التشكيلي السوري.
وربما تكون واحدة من أهم الأمور التي أضعها أمام عيني الآن بعد افتتــاح معرضي، أن تتيح لي الأسابيع القادمة فرصـة الاطلاع علي أوسع ما يمكن من أعمال الفنانين الشباب والفنانين من الأجيال السابقة، لاكتشف بشكل عياني ومباشر إلى أين وصلت تجاربهم.
بالرغم من إقراري بهذا التقصــير الكبير، إلا أن هنالك التجارب الجديدة والقوية التي تستحق التحية والتأمل مثل تجارب باسم دحدوح، وأحمد معلا وبثينة علي وياسر صافي وادوار شهدا وغسان نعنع وفادي يازجي وسارة شما وعلي مقوص والعديد من الفنانين الآخرين الذين تغيب في هذه اللحظة أسماؤهم عني.
القدس العربي
2005/05/10