رعـد مطشـر
(العراق)

جليل القيسيملاحظة بعد الرحيل :
نشر هذا اللقاء في أماكن عديدة في حينها لأهميته – كما قال الراحل جليل القيسي –وأعيد نشره وفاءً لرحيل أستاذي وصديقي المبدع الكبير أبي أسامة ؛ جليل القيسي.....

ولد في العام المسمّى (1937) حاملاً سرَّ الإنسان النقي ، الحسّاس ، المهذّب ، مارّاً في(مملكة الإنعكاسات الضوئية) تجّاه عالـمٍ مصابٍ بالصرعِ والجنـون , ولـد مع ولادتـه (صهيل المارّة حول العالم) متجوّلاً في مدينةٍ تُدعى (آربخا) بشفاهٍ حزينة فرأى جميعَ آلهتها وفكَّ ألغازها سامعاً كلماتٍ غريبةً ؛ الخيرَ ، الشرَّ ، العدالةَ ، الظلمَ ، الوجودَ ، الفاعلَ ، العبثَ ، الاستلابَ ، الانسحاقَ ، الفقرَ الفقرَ الفقـرَ .. فكبر في (آرنجا) بسرعةِ الضوء أرادَ الرحيلَ إلى العالم الجديد أمريكا 1958 فعانى في شجرة هذا العالم الجديد : التشرّد والبطالة والخيبة والإحباط ... ذاتَ مرَّة رمتْ عليه المصادفة في اللاّمكان كتاباً لرجلٍ يُسمّى ديستويفسكي , فانفتحَ الباب على وسعه ودخلت كل الينابيع إلى فكرهِ المتوقّد ، المليء بالأمل والطموح حاملةً معها كل حضارات العصور . كان لغزاً ولَمْ يزل ، بسيطاً مثل بديهية يفهمها الطفل في الرابعة من عمره متواضعاً ؛ يثوي بين جنحي طائرٍ خُرافي في مدينة يثرثُر فيها الجميعُ عن آلهةٍ مِنْ ريشٍ تَمرُّ في لحظةِ القلق والخوف ، تحمل موسوعة التأريخ والأدب والفكر والفلسفة إلى جسده المتهادي بضعفه وقوتهِ , بعزلتِه وإحتكاكه مع الآخرين .. فتعالوا معي أنّي أسمعه ينادي (وداعاً أيّها الشعراء) ستمرّون في خيالي حُلُماً يُضيءُ كـ (ومضاتٍ من خلال موشور الذاكرة).. فتعالوا في زورق واحدٍ إلى (آرنجا) فها هو .. "البعدُ يقترب" بزليخا الحزينة ، ولننادي جليل(.. عاد إفتحوا الأبواب) إنّه سيكسر العزلة ويسمو كجناحٍ في يدي عرّاف .. فاسمعوه إنّه يجيب عن الألم بالألم وعن المشاكسة بالتحليق إلى مملكة الصمت الأخيرة .

* رعد : العزلة ؛ هل هي حالة نفسية أم فلسفية يلجأ إليها جليل القيسي في ساعة التعب .. أم أنّها عزلة الشهرة (كما يفسّرها بعضهم) أو أنّها (كما أظن) هي الحساسية العالية والخجل الشديد اللذان يسيطران على حياة جليل القيسي ؟

- جليل القيسي : أكثر من ثلاثين عاماً وأنا في شرنقة العزلة . لقد ضربتها حولي بطريقة درامية مشوبة بالساديّة أشكُّ أنْ تستطمعاناتها.قوة أنْ تحرّرني منها لأنّها أصبحت فردوسي .. وبحكم السنوات الطويلة سلّمتُ نفسي إلى قواها الأصيلة .. للعزلة قداسةٌ غريبةٌ إذا ما عرف الإنسان كيف يتمدّد على صليب معاناتها .. العزلةُ تهب شحناتٍ من القوة الديناميكية لشعورِ ولا شعور الإنسان .. في العزلة أتسلّمُ نداءاتٍ دافئةٍ من العالم ، ومن أقطاب جسدي ويتأجّجُ ضربٌ نادرٌ من نارٍ لذيذةٍ في الجوانب الأكثر إستيحاشاً في داخلي .. يحترقُ داخلي مثل طائر (السمندر) لكنّني أشعر بالسعادة .. إنَّ إنساناً مثلي يا رعد ، طيب إلى درجة الضعف بحاجة مجنونة إلى عوالمَ مسحورة ، والى أخيلة مجنّحة لا يستطيع العيش بهدوء مع الآخرين .. من هنا ، إنَّ عزلتي هي نفسية ، وفلسفية ألجأ إليها لأنّني فيها أزدهر .. أما الشهرة كما يفسّرها بعضهم فتبدو لي مضحكة . ما الشهرة .. قال ديستويفسكي قد تكون ذبابة أو عنكبوتاً .. أنا مع نيتشه الذي يقول ((لست أكثر من صانع ألفاظ ما قيمة الألفاظ ؟ ثم ما قيمتي أنا كصانع ألفاظ ؟)) في العزلة أحسُّ بنفسي بصفائي .. رُبَّما هذا قدري .. الشهرةُ كلمةٌ مضحكةٌ.

* رعد : في صهيل المارة حول العالم "كانت هناك أيد وهمية تتصرف بحقدٍ أبكم تسحبك إلى الاستلاب والإزاحة عن المدينة ثُمَّ التلاشي ، وفي مملكة الانعكاسات الضوئية" المجموعة الأخيرة ؛ أضحتْ تلك الأيادي أكثر حميمة ووداعة ترفعك إلى فراديس الآلهة ، فهل جمعت تلك الأيدي شهوتها القديمة لتغدو أيادٍ للآلهة الحاضرة ؟ ! .

- جليل القيسي: عندما كتبت صهيل المارة حول العالم ، وهي ، بلا شكّ أقرب مجاميعي إلى نفسي وقلبي ، وكنت في ذروة شبابي مليئاً بأحلامٍ حارّة ، وأخيلة مجنّحة ، ورغبة مهووسة في أنْ أخلق حقائق كبيرة وعميقة. وكنت – مثل أيّ شاب وسط ظروف صعبة جداً – مليئاً بغضب يؤجّج روحي وفكري .. ومثلما اليائس يرى كل شيء سهلاً ، لذا اندفعت أكتب قصص صهيل المارة بلغة غضب هستيري ، بلغة بلدوزرات ، ومزنجرات ، بلغة فيها كلّ حواسي البركانية وأنا في صراع مع تلك الأيدي الوهمية التي تحاول أنْ تسحبني إلى الاستلاب الوحشي، والتلاشي ، والهروب من المدينة ومثل كلّ شاب حالم ولكن متمكن من أدواته ، ورغم تواضع موهبتي كنت أشعر أنّني مساق بقوةٍ رهيبة لأهزّ القصة العراقية والعربية وانتشلها من رتابتها وكسلها ، وأحداثها الميلودرامية الحزينة .. أجل كانت قصص صهيل المارة في تلك الأيام مستودعي الروحي .. أمّا مجموعتي الأخيرة .. مملكة الانعكاسات الضوئية" – عالمٌ آخر.. إسمع يا عزيزي رعد : يقول الناقد الإنكليزي الكبير كولريدج ((عندما طلع عليه الصبح ، زادت حكمته ، ولكن كبر حزنه)).. في هذه المجموعة ، ومع آلهة أجدادي السومريين والبابليين والآشوريين ، تعاملت مع تراث غني من الأفكار ، والعواطف ، والحكمة، ومن عالم من الأرواح أجهل طبيعتها ، وغاياتها تارة ، وأفهمها تارةً أخرى ، وأعمل جهدي على إسترضائها وإجتلابها إلي بمزيج من المنطق ، والبصيرة النافذة ، والصبر ، والإطاعة .. في هذه القصص التراثية الاحتفالية فتحت لأول مرّة نافذة واسعة على القصة، وعلى تراث، يا إلهي، عظيم جداً جداً.. ثـقْ جداً .. من هنا أنَّ آلهة أجدادي العظام برفق وحنان شديدين مدّوا أيديهم إلى قارورات عطورهم المباركة وعمّدوني كمـواطنٍ طيّب بكثير من الحنان والحبّ ، وفتحوا لي أبواب قصورهم وزقّوراتهم ، ومعابدهم ؛ تماماً عكس تلك الأيدي في صهيل المارة التي أصرّت أنْ تعمّدني بأسيد الاستلاب الحارق.

* رعد : بعد صهيل المارة حول العالم " تنبّأت بعودة غيفارا " لكنه لم يعد حتى لحظة حوارنا هذا..

- جليل القيسي : يا عزيزي الشاعر رعد ، كيف تسألني هكذا سؤال ؟! حسنا سأجيبك باختصار شديد .. إسمع ؛ هناك إندحار أعظم بكثير جداً من الانتصار كما أنَّ هناك انتصارٌ كلّه إندحار .. يقول دانيال أوكنل ((دعوني أكتب أغاني الأمة ، ولست أبالي بعد ذلك من يسنّ شرائعها)) ... أرنستوتشي يعود، كتب أغاني أمّته وإستشهد ، لذا تراه كلّ يوم يتبرعم فوق شفاه الملايين .. لاحظ إنّه يعود ، كلّ يوم مع إطلاله الفجر الوردي.

* رعد : هل تعتبر شخصيات جليل القيسي إسقاطات لما يعتمل في داخل الكاتب نفسه تتشظّى على الورق فتعاني الحزن والإحباط والعوز المادي داخل العمل ككلَّ ؟

- جليل القيسي : الكتابة عملية معقدة جداً ، وذات الكاتب حتماً تتشظّى هنا وهناك ، أحياناً مع هذه الشخصية أو تلك ثمة شخصيات لها اشراقة الماس تأتي لترفع جوانب الغسق من مشاعري ، وعواطفي وأفكاري لتضعني في الشمس ، وهناك شخصيات ترشّني بلهيبٍ من شعلتها المقدسة .. لقد تألمت إلى درجة النزف لجنون نجنسكي ، ومن وحي وعذابات وجنون هذا المبدع كتبت مسرحيتي "نجنسكي ساعة زواجه بالرب" ومن اللهيب البركاني لمعاناة وإبداع "فنسنت فان كوخ" كتبت مسرحية "الليلة الأخيرة للوركا" ومن الموت البطولي النادر لانستوغيفارا كتبت "غيفارا عاد إفتحوا الأبواب".

* رعد : هل هناك تخطيط مسبّق وفق قياسات مرسومة في ذهن جليل القيسي قبل البدء برسم تلك الشخصيات ؟

- جليل القيسي : أبداً .. أبداً .. لا أعرف متى وكيف ، وأين تأتي الأفكار ، والمواضيع لكنها تأتي بخطوات حبيبة ، أو كما يقول الشاعر هولدرلين ((هكذا تهبط النجوم في وقارٍ وتتألّق الوديان سكرى لضوئها ..)) تأتي ويبدأ السكر الفكري والعاطفي..

*رعد : يا ترى هل سمعتَ أبطالك وهم ينتحبون خلف خشبة الباب ؟ وهل فتحت بابك لتراهم كيف يتناسلون على عتبة الدار كمجاعة ؟

- جليل القيسي : لو قرأت قصصاً لي مثل : "أنجليكو" ، "متعة غامضة" ، "المثيوبي" جروشنكا... لما سألتني هذا السؤال الجميل ها ها ها .. كيف لا أفتح الباب لأراهم، وفي كلَّ قصة تتم بيني وبينهم ولساعات طويلة من المعاناة عملية تركيز في العقل، والعواطف، والمشاعر..

* رعد : هل تتمرّد عليك الشخوص فتراها ترفض كاتبها تعاكسه تغضبه ، تتصرّف بفوضوية ، ماذا تفعل حينها ؟ وأيُّ عمل عاكستك فيه الشخوص رافضة الانصياع لك ولقلمك ؟!.

- جليل القيسي : الحياة تصنع الحقائق والأكاذيب أيضاً , هكذا الكاتب يصنع الاثنين ، وأبّان هذه الصنعة يواجه تمرّداتٍٍ وعقوقاً وغضباً من هذه الشخصية أو تلك أو من هذه الحقيقة أو تلك مثلاً تنمو شخصيةٌ ما في قصة أو مسرحية بطريقة عفوية للغاية من دون إقحام أيَّةَ عوامل خارجية سوية مع نمو الحدث ، والأجزاء المنفصلة كلّها خاضعة بدقة للكلَّ فإذا بشخصية تريد أنْ تنتحر أرفضُ .. تصرُّ .. وأخيراً تنتحر .. الصغيرة"،صتي "غرفة الحبّ الصغيرة" ، مثلاً انتحار بطلة قصتي "أممٌ من الفرح" .. هناك أمثلة كثيرة .. إنَّها لعبةٌ جميلةٌ لكن صعبةٌ للغاية.

* رعد : إذن .. كيف يستطيع الكاتب أنْ يفكَّ لغزَ نفسه، ولغزَ الآخرين ليوصلهما إلى القارئ، أو المتلـّقي ؟.

- جليل القيسي : إسمع يا رعد .. سأدعُ ديستويفسكي الذي تعب طويلاً مع بطل روايته "المزدوج" الذي يشبهه تقريباً .. كتب ديستويفسكي إلى أخيه ميشيل رسالة بتبطله./10/1845 يقول فيها :((إنَّ بطل روايتي – جاكوف بيتروفيش غوليادكين هو ذو حظّ سيء , متحفظ تماماً ، لا يستطيع فعلياً تدبير أمره ، لا يتقدم خطوة واحدة لأنّه دوماً يؤكّد على عدم إستعداده ، إنَّه ليس شيئاً بعد لكن باستطاعته إنْ كان ضرورياً أنْ يكشف عن شخصيته الحقيقية إذن لماذا لا يفعل ؟ ..)).. تأمـّل كم برفقٍ وتأنفسنا، الكاتب لغز بطله .. هكذا نعمل في لغز أنفسنا ، ولغز الآخرين .. عملٌ فيه الكثير من التأنّي والصبر .. اللغز صعب.

* رعد : هل داهمك هذا المزدوج ديستويفسكي في أزقَّة القلعة ليذكرك بأنَّ ((أي شيء يمكن أن يكون أكثر خيالية من الواقع)) ؟!.

- جليل القيسي : تسألني هذا السؤال وأنت حتماً تعرف جيداً ذاك اللقاء الحار والحميمي بيني وبين ديستويفسكي في قصتي "توهج بلازما الخيال" في مجموعتي الأخيرة" مملكة الانعكاسات الضوئية" ، وذلك الوداع الدرامي الحزين مع الكاتب العظيم فوق الجسر أسفل القلعة ، بعد حوار سقراطي بيني وبينه .. طبعاً أنا أردت أن أؤكد في تلك القصة حقيقة أنَّ أي شيء يمكن أن يكون أكثر خيالية من الواقع.

* رعد : وهذا ما يؤكد قول الآخرين بأنَّ جليل القيسي يحلم دوماً بأنْ يصير حجراً في أساس القلعة ، إذن ، فمن ذا الذي يحلـّق بريش الكارثة غداً ؟.

جليل القيسي : لقد ولدت على مسمع من القلعة .. ومنذ أنْ بدأت أعي ، درّبت أُذنيَّ على "الخوريات" الساحرة .. وأنا صغير كنت أغني تلك الأغنية الخالدة الذكر " ليتني كنتُ في أساس القلعة لأُصادقَ أولئك الذين لهم أخوات جميلات" أو أغنية (في أسفل القلعة يزرعون الذرة ويتقاسمونها بإنصاف ..).. حتى الآن كلّ يوم أغنّي (الخوريات) ، وأحلم أنْ أكونَ حجراً في أساس القلعة ، ربـّما من شمس ذلك الحجر أو أساسه أُحلّقُ وأُحلّق.

- -

* رعد : وأنت تحلّق بحثاً عن ذاتك بين ركام الورق الطائر ، هل بحثت عن أقاصي الدنيا والموت الراحل مع يوسف الحيدري ، سركون بولص ، فاضل العزاوي ، صلاح فائق ؟

- جليل القيسي : اثنان منهما أحببتهما كثيراً لأنهما كانا قريبين إلى فكري وروحي .. بعد سفرهما تركا لي الكآبة والحزن الدائمين يلفّانني باستمرار.. سركون بولص كلما تذكّرته تذكرتُ معه قصيدة رفائيل ألبرتي الصغيرة :
))فلتذبحني عينا / ذلك الأندلسي / وليضعوني إذا متُّ / في كفنٍ أزرق)).. ما زلت بمجرد أن أغمض عيني , أرى عيني ذاك الكركوكلي يرسلان إليَّ نظرات مستقيمة ، من عينين غجريتين .. من لا يعرف سركون بولص لمْ يعرف شاعراً كركوكلياً حقيقياً وأصيلاً .. لقد كانت وحتماً مازالت روحه ضاجّة بالحياة والشهوة والإبداع ، وهذا ما يؤكّد ديوانه الأخير (حامل الفانوس في ليل الذئاب) ، أدعو من أعماقي القديس أنطونيو شفيع المفقودين في المسيحية أنْ يعيد هذا المبدع إلى مدينة (آرنجا) ولو ليوم واحد كما فعل عام 1986.. أمّا فاضل العزاوي ؛ ببرود إنكليزي نساني أنا الذي لن أنسى أبداً .. كان بحرارة.إلى درجة لو تأخّرت في السفر إلى بغداد يرسل لي مبحرارة.ني بحرارة .. إنّه كركوكلي أصيل حتى النخاع .. إنَّ فاضلاً لمْ يدفن سرَّته في كركوك فقط ، بل ملأ مخيّلته السمعية بأفق من الخوريات الجميلة ، وحمل في حناياه طيبة ورقـّة أبناء مدينتي .. إيه ، هذه الأُوربا العجوز التي احتضنت الكثير من أبناء مدينتي حجرّت قلوبهم أيضاً ، وجعلتْ كما قال الروائي الفرنسي الكبير ستندال ، من الحبّ والصداقة شيئاً من الدرجة العاشرة . إنَّ روايته الأخيرة تؤكدّ بما لا يقبل الجدل أنَّ نسغَ الحياة مازال يتدفّق فيه ، وهو رغم تجاوزه الخمسين مازال يبدع ويضطرم بحرارة.. ويوسف الحيدري ؛ يا إلهي من سيذكره بحرارةٍ سواي .. أشهدُ أنّني أتذكّره تقريباً كلّ يوم ، لأنّنا ونحن في ذروة شبابنا كُنّا معاً نطرق شوارع وأزقّة كركوك .. رحل فجأةً في شتاء العمر تاركاً لنا قصصه ، ورنين نكاته الصاخبة ، تلك النكات التي كانت تحرّرنا من حيرتنا، وهمومنا ، وعذاباتنا ولو لدقائق..
وأخيرفائق:لاح فائق: لمْ يكن أكثر من شبحٍ ضبابيٍّ عابر.

*رعد : هذا يقودنا إلى جماعة كركوك ، ما دورها التاريخي والأدبي في العراق؟ وهل هي تسميةٌ نبعت من جغرافية المكان، أمْ أنَّها تسميةٌ نبعت من تجمّع أدبي مبني على أسس شعرية وأدبية مدروسة ؟.

- جليل القيسي : تغريد الطيور في الشفق ليس كتغريدها في الغسق .. بعد عقد أو أكثر سيأتي حتماً ، أكرّرُ حتماً عدد من النقاد المنصفين غير المنحازين ليقولوا كلمة حقّ في ذلك التغريد السيمفوني الساحر لجماعة كركوك تلك الطيور النبيلة التي أدخلت الكثيرين إلى مدرستها العتيدة في الشعر والقصة والمسرح..

* رعد : بين ولادتك الفقيرة مع تلك الجماعة ، وحياتك المؤجلة ، هل راودتك عن حياتك لعبة الموت ، أمْ هل تابعك الجسر الحجري في آخر الليلِ وأنت تعبره ليصرخ : ((إلى أينَ أيُّها الحمّال القديم ؟ ((

- جليل القيسي : آهٍ .. الشطر الثاني من السؤال مأخوذ من قصيدة صديقي وحبيبي ، وإبن مدينتي المبدع الحبيب سركون بولص ، أقصد قصيدته الرائعة (حلم الحمّال على جسر القلعة) والمهداة لي ..حسناً ... سأدع الشاعر الفرنسي الآن بوسكيه أن يجيب عليك.. يقول في قصيدةٍ له:
)) بلا ثروةٍ ولا مجد ، أين أتقاعد / إنْ لَمْ يكن ما بين هذه الكلمات التي هل رفيقتي / على حافة العدم ..)) ... وأقول منذ أنْ قفزتُ في عربة المعدماً،أعد أعرف ما معنى الوالغنى.نى .. أجل عشتُ ومازلت فقيراً بل ثقْ معدماً ، لكنّني في عربة الأدب تعلّمت إنَّ جوهر الفضيلة هو ضبط النفس .. إنّني الآن في الستين ، وعندما أُغادر الحياة أُغادرها مثل القديس فرنسيس الذي أسند رأسه على وسادةٍ حجرية لأنُّه أبى أنْ يأخذ كفناً معه من هذا العالم حيث ترك فيه الرحمة ، والعدالة ، والحنان ، ومئات التراتيل الجميلة..

* رعد : إذن هناك دائماً قرين ، ولما كان القرين حصيلة الانقسام بين الذات الطيبة والسيئة، هل حلمت بأن تكون دكتاتوراً " ذات انهيار ؟!..

- جليل القيسي : منذ أنْ دخلت عالم الأدب أعمل ليل نهار من أجل السمو الروحي للآخرين.. أعمل من أجل أنْ أدع الآخرين في هذه الحياة أن يسيروا بخطواتٍ ذهبيـّة، وثقة مكينة بالنفس.. أعملُ من اجل الرقي الذاتي والروحي للآخرين .. كيف بحق السماء يستطيع هكذا إنسان أنْ يفكّر ولو للحظاتٍ أنْ يصبح دكتاتوراً..

* رعد : نعرج على مسرحك ؛ وأسأل : المسرحية بطبيعتها فنٌّ اجتماعي تُكتب لتمثّلَ في معظم الأحيان ، وأهم ما يميّزها : الحوار ، فهل يلجأ جليل القيسي إلى تفريغ ما في نفسه (من حوارٍ يعجُّ ويضجُّ في داخله) على الورق كبديل عن لقاء الآخرين ، أمْ أنّه العمل الأدبي ولغته التي تجعل الكاتب شخصاً من شخوص عمله؟!.

- جليل القيسي : لا علاقة للحوار الذي أكتبه في مسرحي من عدم تمكّني من لقاء الآخرين، إنّني في كلّ عمل مسرحي أو قصصي أحاول ككاتب الوصول إلى أقاليم جديدة لقلب الإنسان .. أشعرُ أنَّ لدى الكاتب دائماً طاقات لجعل العالم ينسى متاعبه وأحزانه وآلامه .. وهذا الحوار الذي تتكلّم عنه ليس بديلاً ألبتّه عن عدم تمكّني من لقاء الآخرين ، إنّما هو لقاء فروسي وشجاع من أجل قداسة جميلة . إنَّ حيائي الغريزي الذي يسبقني حتى في الأمور البسيطة ويشلُّ قدراتي - أحياناً - عن التعبير ، ويفسر على نحو خاطئ .. أنا دائماً مع الآخرين ، عبر بارود من الكلمات.

* رعد : لكن مسرحك يخلو (بقصدية) من الديكور أو الإكسسوار ، بل سمته الواضحة هي التعامل مع الطبيعة ورموزها الجميل "الشجرة" (سرو، كرز ، يوكالبتوس .. متنزّه) فهل الشجرة (الطبيعة) هنا أداة استبدال عن شيءٍ ما في لاوعي جليل ؟.

- جليل القيسي : جئت أخرج المسرح العراقي من البيوت ، من الغرف الكئيبة ، من الدوائر والدكاكين .. المسرحُ عالمٌ لا منتاهٍ ، علينا أنْ نأخذ المشاهد ، القارئ ليسبح في أروع إرتعاشات المتعة الروحية والفكرية والنفسية إلى الطبيعة حيث النشيد الأزلي إلى الموسيقى الخُرافية ، إلى الأشجار – أجل السرو – الكرز – يوكالبتوس .. إلى الصحراء .. لكن لم يفهمني أي واحد هنا وفهمني بعمق ذاك الرائع عبد الكريم برشيد فقط !

* رعد : تعرية المشهد ، القصصي أو المسرحي تعتبر جزءاً من طريقتك في الكتابة وهذه الطريقة هي جزء من حياتنا اللامعقولة حيث التعرية ، والتجريد الدائم للشخصيات والأشياء وكأنَّ الأشياء والأسماء لَمْ تأخذ مكانها في الحياة فضلاً عن مكانها في إطار العمل الكتابي ، فهل يعتبر جليل القيسي مجيئه أو مجيء شخوصه تمّ عن طريق الخطأ؟

- جليل القيسي : قلت في جوابٍ سابق إنَّ الأفكار ثُمَّ الشخوص كما يقول هولدرلين (هكذا تهبط النجوم في وقار .... الخ) أمّا أنا فلم آت خطأً ، أنا أوجدني الزمن مثل أي كائن لكن بوسعي ككاتب أنْ أعطي قيمة للزمن .. أمّا شخصياتي فتأتي ناقصة أي خامة أتريّث معها ، وأفهمها ومن ثم أحاول أنْ آخذ بيدها .. إنَّ شكسبير هو الذي أعطى هملت صفات .. عدمي/ فشل عقلي / عدم القدرة على التواصل / العجز عن اتخاذ القرار / عصبي / التحول بسرعة /التطرّف / عدم الحزم / الكآبة / فائض من العاطفة ....إلخ .. أالتعرية،تعرية ، والتجريد ، والتجريب نصل إلى نتيجة.

* رعد : اللغة أداة توصيل بين الكاتب وقارئه وإنَّ (لغة الكاتب المبدع يجب أنْ تكون مضمّخة بثورة حقيقية) صافية كالزجاج الشفاف ، متى يضطر الأديب المبدع إلى الكتابة بلغة (الزجاج المشجّر)؟!.

- جليل القيسي : ها أنت ذا بكلماتي أنا توجّه لي أسئلة .. ثم ماذا ؟ الكاتب المبدع لا يمكن أنْ يكتب بلالمشجّر، المشجّر ، إلاّ إذا أُصيب بزلزال بالفكر والروح ... إنَّ الكاتب المبدع إضافة إلى خياله الرائع يملك إحساس شاعر ، اللغة الجافة المتخشبة المشجّرة بعيدة عن عالمه .. المبدع حتى في جنونه يكتب كالزجاج الشفاف واقرأْ معي هذه الكلمات لهولدرلين وهو في ذروة جنونه :
)يا هدوءَ عالم الظلال / إنَّي لراضٍ وأنْ لم يصحبني عزف على الأوتار
فلقد عشتُ ذات مرّة / كالآلهة / ولست في حاجة إلى المزيد (.

* رعد : هل تكون اللغة قبل النص أمْ النص قبل اللغة في أدب جليل ؟

- جليل القيسي : ما جدوى النص من غير لغة مضمّخة بثورة وما جدوى لغة مضمّخة بثورة حقيقية من غير نص متين ، نصّ متين ، نص بمتانة كاتدرائية .. الأدب مثل السيمفونية كلُّ الآلات تعزف من أجل إخراج اللحن بطريقة هارمونية رائعة، الأفكار العواطف، اللغة، الشكل، النص..

* رعد : إذا كان الشعرُ أعادة اكتشاف العالم ، فأينَ سترسو سفنُ القصة وفنـارات المسرح ؟

- جليل القيسي : يقول الروائي الفرنسي ديهاميل : (إنَّ الشعر لا يحتاج إلى خبرة في الحياة ، بلْ ربّما يحتاج إلى جهل بها ، بينما المسرحية والرواية تحتاجان إلى تجارب ، وأمّا القصة فعمل النضوج ..) المسرح ميّت ومبدعوه الكبار الذين كسبوا تجاربهم بالسهر الانتحاري ، غادروا ، والذين بقوا فضّلوا - بكبرياءٍ شامخٍ - الصمتَ ، أمَّا القصة فلمْ يعد إلاّ عدد قليل جداً من يضعها في المرتبة العليا ، وهناك من يتعامل معها لمجرد التسلية ، أو التهويل ، والعبث ...

* رعد : المدينة "آرنجا" الاسم السومري لمدينة كركوك هل هي المعدل الموضوعي للمرأة في حياتك الشبيهة بهذا الحوار ؟

- جليل القيسي : من المستحيل فصل الحقوق عن الأخلاق لأنّه منطلق الشعور بالتماسك الاجتماعي ، وأنا تجّاه "آرنجا" مثل الحقوق والأخلاق لا معنى لي ومع "آرنجا" مثل القوس والقزح فيها أزدادُ لمعاناً حتى لو تكاثرت الغيوم من حولي.

* رعد : سؤالٌ أخير لنصمت حتى حين ! هؤلاء المبدعون ماذا تقول عنهم ؟

محمد خضير – عبد الخالق الركابي – عبد الستار ناصر – محي الدين زنكنه – أحمد خلف – حميد المختار – صلاح نورس – سلمان داود محمد ...
- جليل القيسي : أتعرف ما الكتابة الحقيقية ؟ إنها فيض روحنا على الورق .. وفهم هذا الفيض الصعب والمعقّد والمتشقاسية،الروح يحتاج إلى لك، مبدع لكنني مع ذلك أقول لك، إنَّ الأسماء التي ذكرتها جميعاً يكتبون كلّ على طريقته، يكتبون بعذاب، بمعاناة، بألم، وبصعوبة.. ولكي يعطى كل واحد منهم حقّه وبعدالة قاسية ، توجّه إلى ناقد كبير.
أخيراً إنَّ الصمتَ إلى موهبة كبيرة.

إنتهى الحوار في 26/7/1998
ألف ياء- 17/08/2006 م