شاعر أعزل من كلّ شيء إلا من شتائه، من حزنه، ومن خرابه المورق شعرا، ومفردات وأحجيات وجع، وغصات، يحمل بغداد مطرا في الأوردة الصاهلة حزنا، ومواويل في أقاصي التنهدات، يحملها وشما على جبين العمر ووردا وجراحات، يرتديها وترتديه، هي ظله وظلاله ونخله الشامخ في الكلمات وفي الحياة،هي أيضا نبضهُ وروضـهُ ورضوضـه، وإن كان لا يؤمن بالولاء لها كوطن فهو يؤمن بالولاء لها كذاكرة شخصية ومكانا خاصا به.
في كلماته عنها وعن جدلية الوطن والحياة الكثير من الوجع الطازج بالنزيف
لكن في كلّ الحالات تبقى بغداد كنوع من الفسيفساء الشفافة في قاموسه الوجداني/ الجمالي.... ويبقى هو الشاعر المتألق الّذي يمتطي صهوة المفرالآن مجموعةا وتسمو به في الحياة، " شريف شعلان " للإشارة من مواليد 1967 مقيم منذ سنوات تحت سماء المنفى البارد بهولندا، أصدر رفقة مجموعة من الشعراء مجلة( واحد )عام 1997 ثم أصدر مع نفس المجموعة مجلة أخرى هي ( غجر ) عام2000، وله في رصيده الشعـري الآن مجموعة شعرية بعنوان " شتاء الأعـزل " ..
وبحوزته إنجازات شعرية أخرى تنتظر لمستها من النور، يسرنا جدا أن نقدمه للقارئ الجزائري وأن نخفف عنه بعض شتائه وبعض عزلته.
* النصر : في نصوصك نوع من القسوة اللفظية، هل لهذه القسوة نشأة ما، مرجعية أو خلفية ما ؟، حتى صورك الشعرية الجميلة نجد في شفافيتها بعمن حضورهاأو بعض السواد الجارح، لكن الجميل في هذه القسوة أنها لا تلغي شفافية التركيبة الشعرية وبهاءها الداخلي، ما السر في هذه الميزة ؟
(القسوة حاضرة في الحياة بشكل أكثف وأشد وطأة من حضورها في قصائدي)
شعلانأيضًا. كم أتمنى لو لم تكوني على حقّ .. لكنك محقة في تشخيصك..للأسف
لا أريد أن أصدّق أن نصوصي قاسية إلى هذا الحد لكنك، قراءاتي أعطيتني العزاء أيضًا .
عزائي أن تلك القسوة لم تلغ شفافية الشعر، كما تقولين،قراءاتيالرومانسية. للرومانسية العربية والمترجمة، والرومانسية ليست قاسية، في الأدب الرومانسي يحضر الحزن وتغيب القسوة، الحزن الرومانسي رقيق وشفاف .. وأولى محاولاتي في الشعر لم تكن أكثر من تقليد لالخسران.ءات الرومانسية .. ولكن بعد حين، داهمتنا الحروب، والموت، ومسلسل الخسران .. وداهمتني القسوة ...وسرعان غائبة.تُ عالم قوس قالحدود.اشات الملونة، أحيانا أشعر بالحنين غائبة.انسية غائبة .. أبحث عن آثار قوس قزح والفراشـات الملونة في نصوصي، فلا أجدها، أبحث عنها في ذاكرتي، فأراها هناك في الأسفل، مدفونة تحت ركام من صور المقابر والبيوت المهدمة والأمهات الحزينات، وعيون المشردين التائهين على الحدود .. القسوة حاضرة في الحياة بشكل أكثف وقصائدي. من حضورها في قصائدي .. وأرى أنّ من القسوة أيضا أن أتجاهل ذلك، من القسوة أن أتجاهل كلّ ذلك الركام واستخرج صور قوس قزح والفراشات الملونة لأجمـّل بها وجه قصيدتي.أفضـّل أن تكون قصائدي متجهمة على أن تكون عمياء،وتجاهل كلّ هذه القسوة حولي هو العـماء .
*النصر : من خلال إحدى حواراتك فهمنا وفهمتُ شخصيا من كلامك أنّ الوطن يجعل من الشاعر ( المقيم) مرتدا عاطفيا إن صحت التسمية والمنفى يجعله عاشقا خرافيا ألهذا الحدّ الشاعر المقيم مرتد وطنيا وعاطفيا .
شعـلان شـريـف : شكراً على هذا السؤال، إذ نبهني إلى أنّنا قد نقول أشياء وتصل إلى الآخر غيرها .. وهذا لأنّ اللغة حمالة أوجه،حين قلتُ إنّ الشاعر المقيم ليس معنيًا كثيراً بالوطن،وقد يكرهه،فإني كنت أتحدث بالدرجة الأولى عن نفسي (حين كنتُ مقيما)،أو أنطلق من تجربة شخصية،اعتقدت أنّها مشتركة مع آخرين،لم يكن قصدي أبداً أن (أتهم) أحداً بالارتداد الوطني أو العاطفي،الارتداد الوطني ليس موجوداً في ذهني إطلاقا، ببساطة لأنّني ( لستُ وطنيا ).. أنا لا أؤمن بالولاء للوطن،ولائي خالصٌ للإنسان،ولقيم العدالة والخير والجمال.
أنا أحبّ وطني ( على ، فلأنّمنذ حرمتُ منه)، لكني لا أدين له بالولاء وبالتالي حين قلتُ إنّ الشاعر المقيم قد يكره وطنه، لم أضع في اعتباراتي أبداً أن يفهم هذا القول بوصفه ( تخوينا ) أو اتهاما بالارتداد..وأنا حين أحبُّ الوطن،فلأنّ لي فيه.ت فيه،وناسا وأصدقاء، ولأنّ وعيي وروحي وشخصيتي تكونت فيه .. لا أحبّه لأنه فكرة مقدسة لا بدّ من الولاء لها والاستشهاد في سبيلها .. الوطنية في رأيي مرضٌ أتمنى أن تشفى الإنسانية منه، شأنها شأن القومية، وإن كانت هذه الأخيرة أكثر فتكا وتدميرا لإنسانية الإنسان، لكن قناعتي هذه لا تمنعني من أن أحبّ وطني بوصفه مكانا شخصيا، يخصني أنا، الوطن جزء مني، أكثر من كوني أنا جزءاً منه.هذه هي قناعاتي وإن كنت أردك أنّ فيها شيئا من المثالية،كما أدرك أنني أصبح وطنيا أحيانا وهو أمر مفهوم حين يكون الوطن مهدداً،وحزينا،موضوعا لحديث العالم بأجمعه .. حين ذاك قد يظهر عندي نوع من الشعور الوطني الذي أرفضه مبدئيا.. لكن هذه حالة مؤقته، تمثل انفعالي لا قناعتي .
الوطن بالنسبة لي ذاكرة ولذلك لا أفهم أن يهتم شخصٌ مقيم في وطنه كثيراً بالوطن، فالوطن بالنسبة إليه أمرٌ بديهي، يعيشه يوالمنفيّ.حتاج أن يتذكره أو يفكر فيه كما هي حال المنفيّ .
*النصر : قد يكون الوطن غصة حارقة أو تنهيدة شديدة العتمة مقيمة في حلق وعمق الشاعر، لكن هل يمكن للمنفى في هكذا حالات أن يصير وردة في سماء القصيدة، أو مزهرية في الخراب الداخلي للشاعر ؟
شعلان شريف : في الحقيقة لا أنظر للشعر من منظور ثنائية الوطن / المنفى فحسب.. إنها واحد من الأسئلة التي يحاول الشعر سبر أغوارها، وقد يصبح هذا السؤال مركزيا في أوقات الأزمة، لكنه بالتأكيد ليس السؤال الوحيد الذي يوجه عربة الشعر، المنفى حالة ملتبسة، إنّه الشيء ونقيضه، المنفى خلاص وعقابٌ في آن..وهو بإلتباسه وتناقضه هذا لا يمكن أن يكون وردة فحسب، المنفى هو الآخر غصة، أو تنهيدة .. حين تحاصرني غصة الوطن، يكون المنفى خلاصا، وترميما للخراب الداخلي، وحين تحاصرني غصة المنفى، ينبثقُ الوطن من الذاكرة، أو تنبثقُ الصورة الجميلة للوطن هنا هو ما يرمم خراب المنفى...، فيكون الوطن الخراب يأتي من الجانبين، وكلّ مرة يقدم الجانب الآخر وردة الخلاص.
*النصر: هل بإمكان الشعر أن يحرر الوطن ولو في المخيلة الوجدانية
أو المخيلة العاطفية ؟
شعلان شريف : الشعر يسعى بالفعل إلى تحرير الوطن، لكن بالطبع ليس بالمعنى السياسي للتحرير .. الشعر لا يحرر الوطن من الاحتلال العسكري، لكنّه يحرره من أنواع أخرى من الاحتلال.. كلّ الأوطان محتلة .. محتلة من قبل الجشعين الطامعين الذين يتحدثون باسمها، هؤلاء يحولون الأوطان إلى أصنام مقدسة،ويطالبون بالقرابين من أجلها، في حقيقة الأمر من أجلهم هم.. والشعر في رأيي، يمكنه، أن يساهم في تحرير الأوطان، كلّ الأوطان،من صنميتها.أن يعيدها إلى الإنسا، أنن يعيد للوطن معناه الحقيقي،الإنسا، الشعر إنّه ليس فكرة مجأنني كنت من أجلها، بل واقع بديهي نعيشه، الشعر يمكن أن يجعل الوطن سببا للحياة لا سببا للموت، والشعراء طبعا هم الأجدر بتحرير الأوطان .. تحريرها من التفاهة التي أُلصقت بها.
*النصر: ( أوضح فقط أنني كنت أقصد التحرير المعنوي،العاطالأبعاد.ي لا التحرير العسكري ولهذا ركزتُ على المخيلة العاطفية/الوجدانية )، والآن : برأيك، هل حقا هناك أزمة أو مأزق في التجارب الشعرية العربية الحديثة ؟.
شعلان شريف : إذا كان المقصود بالأزمة، قلة الإنتاج الإبداعي أو فقره،أو تخلفه الشعر هو النشاط الذهني الأكثر حيوية عن العصر، فلا أعتقد بوجود أزمة، على العكس وتنوعا وغنى في الحياة العربية الفقيرة عموما.. منذ أكثر من نصف قرن دخل الشعر العربي في مغامرة متعددة الأبعاد .. وهذه المغامرة ما زالت تتسع وتتعمق وتتنوع أشكالها .. ولا يمكن اعتبار هذا الأمر أزمة، لكن هناك مشكلة بالفعل و أعتقد أالعربية.ة خارج الشعر، إنّها في الوسط الذي تعيش فيه التجارب الشعرالعربية.ة .. هذا الوجيد.اني من أزمة وجودية تاريخية، ولا بدّ أن تظهر آثارها في الشعر، هناك أيضا حالة من الفوضى العارمة تجعل المشهد ال، إنّهالعربي مفتتا، وغير مرئي بشكل جيد ..
الفوضى هذه مردها كما أعتقد، غياب الوعي النقدي الجاد وبالتالي الغياب أو الفوضى في المعايير التي تساعد على تحديد قيمة المنجز الشعري،واكتشاف نقاطه المضيئة،وغياب النقد ناتج بدوره عن مشكلة أخرى خارج النقد،إنّها مشكلة الخ، إذنين الإعلام/الصحافة، وبين الأدب والنقد الأدبي،وهذه المشكلة تتعلق بخلل آخر خارج حقل الإعلام،خلل سياسي وخلل في بناء الدولة عندنا، وتحديد دورها وعلاقتها بالمجتم، لكنّههناك مأزق بالفعل
*النصر: الشعر، كما تعاني منه فعاليات أخرى ذهنية وعملية،لكنّه ليس مأزقا شعريا..إنّه صدى لمآزق خارج الشعر.برأيك أين تكمن شعرية النص، أو بمعنى آخر كيف تتحقق هذه الشعرية ؟.
(طريقة استخدام اللغة هي المقياس الأول لشعرية النص..)
شعلان شريف : من الصعب الإجابة على هذا السؤال بكلماتٍ قليلة، وأعتقدؤال هو مادة لاجتهادات كثيرة من قـِبل منظري الأدب، والنقاد، والشعراء أنفسهم عبر العصور..، وأعتقدد أنّ هذا السؤال سيظل مطروحا، وستتعدد الإجابات ...
ما الذي يجعل نصا ما شعراً ؟...
لا أزعم أني أمتلك جوابا محدداً وجاهزاً، لكني أعتقد أنّ طريقة استخدام اللغة هي المقياس الأول لشعرية النص .. الشعـر يحاول أن يحرر اللغة من وظيفتها الاجتماعية التخاطبية .. يخلخل نظام الدلالة، ويخلخل نظام العلاقات الداخلية بين العناصر اللغوية، لكن الخلخلة وحدها لن تجعل النص شعراً إلا إذا إقترح النص نظاما بديلا، وإلا يصبح الكلام هذيانا وتهويما وليس إبداعا.
الشعر يقترب في تعامله مع اللغة من السحر سابقا، ومن النصوص الدينية أحيانا، ففي السحر، كما في بعض النصوص الدينية، تكون للكلمة طاقة فعل تتجاوز الحدود الدلالية للكلمة. الكلمة في الطقوس السحرية تؤثر في الجسد،تؤثر في الأشياء،وكذلك في النصوص الدينية، حيث الكلمة تمتلك حضوراً مقدسا وطقوسـيا لا تحده الدلالة. والنص الشعري يضخ في الكلمات طاقة شعرية عندما يستوعب التاريخ البدائي للكلمة، كما ينفتح على آفاق دلالية مجازية ..التعامل مع اللغة هو في رأيي أهم مايجعل من نص ما شعراً.. لكغامضا.بالتأكيد عناصر أخرى لا تقل أهمية مثل المخيلة، الإيقاع، الغموض الشفاف، يصعب بالفعل الإمساك
*النصر: إنّه يُكتب ويُقرأ، ويثير التساؤل، ويظل جوهره غامضا ...
*النصر : يصر الكثير على أنّ هذا الزمن هو للرواية، وليس للشعر،أنت كشاعر ما رأيك ؟، ثم ألا ترى بأنّ الشعر متوافر في كلّ الأزمان وكلّ الفنون ومتوافر بشدة في المتون الروائية، لنأخذ مثلا روايات الجزائرية أحلام مستغانمي فالشعر فيها طاغٍ جدا،وأيضا روايات الكويـتية فوزية السالم الشويش التي تستثمر الشعر إلى أبعد حدوده والأمثلة كثيرة جدا بهذا الشأن، ألا يعني هذا أنّ كلّ الفنون تستفيد من الشعر وفوق هذا تستثمره بحرفية خالصة، فكيف إذن لا يكون هذا الزمن للشعر أو كيف يفقد الشعر أصلا زمنا ما ؟
( الشعر هو سؤال الروح وقلقها الوجودي ..)
شعلان شريف: الرواية بالفعل أكثر انتشارا من الشعر، على الصعيد العالمي، ولكن هذا لا ينطبق تماما على الحياة الثقافية العربية التي لا يزال
الشعر فيها يثبت حضوره بقوة ويتمتع ببريقٍ موروث من الأزمنة القديمة .. لكن انتشار الرواية لا يلغي أبداً وجود الشعر أو حقه في البقاء وضرورته للروح الإنسانية.
السينما مثلا أكثر انتشارا من الشعر والرواية معا، فهل نقول إنّ الزمن هو زمن السينما وليس زمن الأدب ؟ وكما قلتِ أنتِ، فالشعر حاضر أيضا خارج القصيدة، حاضر في نماذج معينة من الرواية،حاضر في نماذج معينة في السينما والمسرح،وهذه مساحات أخرى يشتغل فيها الشعر إلى جانب المساحة الخاصة به أي:القصيدة.
الشعر سيبقى في كلّ الأزمنة ما دامت الروح البشرية تعرف القلق ..
الشعر هو سؤال الروح وقلقها الوجودي ..
الشعر هو الطاقة التي تبث الحياة في جمود الواقع النثري، اللمسة السحرية هي التي تجعل الأشياء تتكلم وتتحرر من وظيفتها، والعالم يحتاج الشعر دائما ليستعيد توازنه. يحتاج الشعر خالصا كما في القصيدة، أو مندمجا بغيره حين يتسرب إلى الفنون الأخرى.
النصر - الجزائر
nouarala2@hotmail.com