حاوره: اسكندر حبش

حسين جلعاد(كما يخسر الأنبياء)، عنوان المجموعة الشعرية الثانية للشاعر الأردني حسين جلعاد، صادرة حديثا عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وهي مجموعة لافتة على أكثر من صعيد، حيث يتقاطع في القسم الأول منها مع سيرة المتنبي، قبل أن يدخل على القسم الثاني ليكتب «سيرة الفتى» حيث «صوت الإنسان فينا»، على قوله.
شعر يحاول هذا الفقدان، وهذا الحزن المضمر في ثنايا النفس. حول ذلك، كان هذا الحوار.

* قبل أن ندخل الى أجواء المجموعة، لنقل إننا سنبدأ بإطلالة تقليدية: هل لنا أن نعرف أكثر عن حسين جلعاد الشاعر؟

إعلامي وشاعر أردني، مواليد عام ,1970 أعمل منتجا بقسم الأخبار في محطة تلفزيونية أردنية، مارست سابقا الصحافة المكتوبة وعملت محررا ثقافيا في صحيفتي «الرأي» و«العرب اليوم» الأردنيتين، كما راسلت عددا من الصحف العربية في الشأنين الثقافي والسياسي. وأكتب حاليا في صحيفة «النهار» البيروتية. أصدرت سابقا ديوان «العالي يُصلب دائما». لي اهتمامات بحثية وانشر في عدد من المجلات. كفائض في عشق الكتابة اترجم أحيانا عن الانكليزية، لدي حاليا كتاب أترجمه، ويوميات آخرى أترجمها وأقدمها عن الشاعر الايرلندي بوبي ساندز.

* من «العالي يُصلب دائما» وحتى «كما يخسر الأنبياء» ثمة فقدان كبير في شعرك. هل يستطيع الشعر ـ والكتابة بشكل عام ـ أن يشكل بديلا ما لهذا الفقد؟ هل يمكن له أن يعيده ولو افتراضيا؟

يشاع أن الشعر، والكتابة عموما، هو فعل تعويض، الأكثر تفاؤلا يرونه ترميما لخلايا الروح. لا ابتعد كثيرا عن ذلك سوى في عمق ما يفعله بنا الشعر إنه ما يمكن أن نسميه: (Diffraction) اي تحلل الضوء الى ألوان الطيف. ثم ان الشعر يعيد جمعنا مرة أخرى الى خيط الضوء الابيض. الشعر يعيد تشكيلنا باتجاهين صعودا ونزولا.
لا أظن الشعر بهذا الفهم بديلا بقدر ما هو فعل خلق يشكلنا باستمرار، هناك طبقات سحيقة من مردومات النفس البشرية ينقلها الشعر فينا. يضعنا بكل ما فينا على سطح الماء فنطفو.
أتفق معك تماما في التقاطتك الذكية حول الفقدان، ثمة حزن مضمر، وحزن صاخب، في ثنايا أشعاري، وأحار أحيانا من كل أولئك القديسين والموتى الذين يبزغون في نشيدي. لا أفكر بإستعادة أحد أو شيء عبر شعري، بل أجادل كل ما تخللني وأمشي بدأب خلف ما أعتقده كريستالة الجمال. الحزن أفهمه بضعفه وجمال التماع الماس. هذه الرقة الشبية بصلابة الكبرياء.

التقاطع مع المتنبي

* تبدأ مجموعتك الأخيرة «كما يخسر الأنبياء»، بتماه ما مع سيرة المتنبي، لتدخل بعدها في تقاطع معها، أي رغبة كامنة في دفعك الى هذا المنحى؟

اتفق معك في أنني أتقاطع مع المتنبي، لكني أخالفك في مفهوم وماهية التماهي. لا شك أنني تماثلت مع المتنبي لكني لم أتمثله. أنا ميّال الى ما ذهب اليه الكاتب الصحفي والتشكيلي حسين نشوان الذي كتب عن الديوان في عمّان حين قال إنني أكتب «سيرة غيرية» لأبي الطيب، نشوان رأى في مقالته النقدية تلك أنني لم استخدم المتنبي كقناع لأقول ما أريد كما شاع في تجربة الحداثة الشعرية العربية على الأقل في بداياتها الريادية، وهذا توصيف أتفق معه تماما. لقد حضر المتنبي كواحد من أبرز «الأنبياء» في الديوان، كتبت سيرة له، ولم أستظهر سيرتي في تاريخه الشخصي. ابو الطيب اقنوم قائم في الديوان انه هو ولست أنا وإلا لما كان الديوان مكونا من «كتابين» أو جزأين/سيرتين، اردت كتابته هو وكتابتي أنا على ذات القدر من التساوي، ولست هنا اتعاظم عليه او على شعراء عصري، قطعا لا، من السخافة أن أقول أو افعل ذلك، على العكس تماما، فلو عدت الى القصيدة الأخيرة في الديوان اي قصيدة «سر» ستتحقق أنني انتسبت له كإبن شعري وحالة وجودية حين قلت له في القصيدة : «أنا وأنت فقط سنبكي في السّر: لن نصل الى الكوفة يا أبي» ومفهومة هنا الاحالة التاريخية والمجازية، فقد اغتيل المتنبي وهو عائد الى مسقط رأسه في الكوفة، والمستوى الآخر من استحالة العودة هو مأساة الشاعر، اي شاعر، في أنه لن يعود حتى لو أراد أو سعى، وهذا ينتمي الى الرؤية الكلية ذات البعد الوجودي في الديوان. ما الذي يدفعني الى هذا المنحى، في المستوى الأول حاولت استحضار الشاعر، كمفهوم وحالة، باختلاف الأزمنة، أزعم أن الشاعر ليس صنو النبي فقط بل ونقيضه أحيانا. لكن سطوة اللاهوت أبعدت جراحنا عن مباخر العامة. ليس هذا تهويما، لكن ما يضيئه الشعر في وجدان الكائن يدفع به الى تلك النبوة «المرتفع» التي نبا (ارتفع) ابو الطيب عبرها فصار متنبيا.
في المستوى الآخر، ثمة ركام طاول حقيقة المتنبي عند كثير من القدماء، ثم جاء بعض المحدثين بصفاقة ضحالتهم وقراءاتهم المبتذلة فلم يروا من المتنبي سوى شاعر متكسب أو طامح بولاية، هذه رؤى العاطلين عن التفكير. دعنا نتأمل بالعبارة التي شاعت في وصف المتنبي «مالئ الدنيا وشاغل الناس» فبما ملأ الدنيا وشغل الناس. ثمة منطقة محجوبة وعصية في تاريخ الشخص، أول من سكت عنها وتواطأ فيها المتنبي نفسه.
لقد كشطت الغبار عن رواية هامشية كتب فيها بعض القدماء وبعض المعاصرين، والتي نسبت المتنبي الى البيت العلوي الهاشمي، وتحديدا الى الامام الثاني عشر المهدي. نظرية كهذه قد تعتبر صادمة ولكنها تليق بأسطورية الشعر ونسقه التأويلي. قلت شعرا ما حكاه بعض المؤرخين والنقاد بوصفه حقيقة تاريخية تم طمسها لأسباب عقائدية ومذهبية. أول الخاسرين كان فيها المتنبي نفسه لأنه كان أو الساكتين.

* القسم الثاني من الكتاب الذي جاء بعنوان «سيرة الفتى» ينحو الى نوع من سيرة ذاتية ـ هل يكتب الشاعر في الأساس عن شخص آخر غيره؟

إذا كانت ثقافة عصرنا الالكترونية ما زالت ترى في الالياذة والاوديسا شعرا فعلى الأغلب أن الشاعر يكتب غيره، هوميروس كتب أسطورة أمة وعدو الأمة. مشكلة عصرنا أن ثقافته أصبحت «نانو» اي متناهية الدقة والصغر. كثير منّا لم يعد يرى أكثر من ظله قرب قدميه، وهذا تعسف يقهرنا العصر به ونقهر به أنفسنا.
أعتقد أن الشاعر يكتب نفسـه ويكتب العالم خارجه من خلال نفسه. هذه معادلة دقيقة، إنها معجزة الجمال الشعري.
أعي تماما أن ايقاع عصرنا اختلف عن إيقاع مراكب هيلين، لكن ما يتجاهله كثير من شعراء الذات أن اصل الابداع هو الخيال. الخيال اكثر واقعية من الواقع أحيانا. الشعر أكثر الالوان الابداعية استقبالا لفكرة حرية التخليق والخلق. نعم نحن نكتب عصرنا ولغتنا، لكن هواجس رجل الكهف الأول ما تزال فينا، أنبياء الكتب المقدسة قدموا لنا «حقائقهم» الصــارمة، لكن أسئــلتنا ظلـت على حالها. مات عشاق كثر قبلنا لكن قلوبنا لم تنته.
في الخط العام الشاعر يكتب روايته عن نفسه وعصره، لكنه لا ينجو من الخيال البشري. مجرد أننا نشترك في لغة فذلك يستدعي أن أقول نفسي وأقول الآخر معا. وإلا ماذا يعني أننا ما زلنا نشهق لغيمة ماياكوفسكي أو عيون الزا أراغون، أو حجارة غيللفك وصمته، أو غراب ادغار الن بو او أطلال امرؤ القيس؟

المعادلة المعجزة في الشعر أن الشاعر يقول لغته الخصوصية ليفهم الآخرون عمومية المعنى. لم نعد شعراء القبيلة والديوان العثماني والبطارية الحزبية، لكننا صوت الانسان فينا، وعلينا أن نمشي تلك المسافة كي نجلس في القلوب.

ما لا أملكه

* ثمة «مدائن» كثيرة في المجموعة. ما الذي يلعبه المكان في قصيدتك؟

كل تلك المدن في شعري هو كل ما لا أملكه. إذا فقدت مكانا منذ البدء، فلن يتسع لك بعد أي مكان. لست من الذين فقدوا الوطن، فأنا من الناحية الإجرائية أعيش في بلدي مسقط رأسي، لكن البلاد ليست جغرافيا، انها فكرتنا عن المكان، المكان مثل الايمان لا يقوم على الاقناع والحجة بل هو ضياء ينبثق فيك او عتمة تتفايض حولك، أوطاننا يتيمة، مثل أمهات صغيرات تورطن بأطفال مشاغبين يبكين حين يقفزون من الشبابيك. أوطاننا أمهات مرعوبات، ونحن عصاة نشعل النيران في البرادي وطاولات الخشب. لم تقنعنا الجغرافيا فأقمنا في غواية الكلام.

* لا بدّ لقارئ المجموعة أن يقع على إحالات تاريخية وتراثية (أحداث، جمل، أقوال مستلة من هنا وهناك...)، ما السبب في هذا التوظيف الشعري، ولم بحثت عنه؟

ثمة إحالات تراثية في الجــزء الاول من الديــوان المعــنون بـ«سيرة الثالث عشر» وهو الجزء الذي يكـتب سيرة المتنبي، هذا جزء من بناء الإيهام وقلب المعنى، استحضرت جزءا مما شاع عن شعر وتجربة المتنبي كشاعر، ثم وضعته في قالب من التشيع، أخذت مفاهيم الشيعة واصطلاحاتهم لرسم السيرة العامة التي وضع المتنبي فيها بما التقطته في رواية هامشية من احتمالية كونه احد ابناء العلويين وتحديدا احتمالية انتسابه الى الامام الثاني عشر. كان لا بد أن اجمع فسيفساء تلك الصورة لأفجر المعنى وأصور خروجه عنها وعليها. لقد جادلت التاريخ والوجود بلغة استعمتلها لأفجرها. في كتاــبة سيــرة المتنبي، اشتغلت على لغة أخرى تختلف عن لغة سـيرة الفتى، الرجل الذي اشتبك بظلال النبوة نسبا منكرا وشعرا غير مسبوق، كان لا بد له من لغة سياقها آخر يختلف عن فتى القرن العشرين. هذا جزء من اللعبة الفنية في القصيدة. المعاني تفرز لغتها، وتنحت صخرها.

* "أنا المكلوم بالكون والشعر"، تقول في إحدى قصائدك، هل فعلا أصبح الشعر يشكل هذه الفجيعة، مثلما هي عليه الحياة؟

اسكندر أنت شاعر وتدرك، لا شكّ، تلك الرّهافة التي يبقينا الشعر فيها، الهشاشة جزء من الشعر، وهي بالتأكيد نبض في قلب الشاعر. جميع الشعراء، على نحو ما، ينزفون بالجمال، أو بسبب غيابه. لست نبويا ولا لاهوتيا، لكن الشعر بشكل ما نافذة تطل على رؤية مخالفة لا تركن الى سكون الواقع وعلائقه الصلدة. شقاء المعرفة هو الفجيعة. الاختلاف يبقيك في الاشتباك.
الشعر امتياز ولعنة في الوقت ذاته، إنه يريك العالم على نحو مختلف ومركب، حتى لكأنك ترى العالم كله ماضيا وحاضرا ومستقبلا من خلال بؤرة واحدة. اتساع العينين والقلب على هذا النحو يجعلنا نتمثل أفراح العالم ومآسيه في زمن واحد وهذا أكثر مما نحتمل أحيانا على الأقل أثناء تخلّق القصيدة. الشعور بوطأة هذا العقم الوجودي في أننا نأتي ونذهب قسراً.
الشعر في أحد مستوياته لذة وروح عالم لا روح فيه، لكنه أيضا جمرة الطفل التي يلتقطها فتحرق لسانه: فداحة المعرفة!

حسين جلعاد
lorka29@yahoo.com

اسكندر حبش
ehabache@assafir.com

السفير
12 يوليو 2007