ميس خالد العثمان روائية كويتية مبدعة بدرجة طموحة جدا.هي واحدة من جيل الكاتبات الشابات اللائي يشكلن راهن السرد الكويتي ومستقبله القريب و المديد. برونق لافت، و بتألق وتأنق كبيرين جميلين أكيدين كتبت ومازالت تكتب قصصها ورواياتها ، صدر لها حتى الآن : مجموعة قصصية أولى بعنوان '' عبث '' العام 2000 عن دار قرطاس للنشر / الكويت ،بعدها أصدرت مجموعة ثانية بعنوان '' أشياؤها الصغيرة'' العام 2003 ،ثم كانت الرحلة الأجمل صوب الرواية حيث أصدرت روايتها الأولى ( غرفة السماء ) العام 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . و آخر إصدار لها كان روايتها " عرائس الصوف" الفائزة بجائزة ليلى العثمان للقصة والرواية باسم " من أجل إبداع متميز" و قد حازت الرواية الفائزة على تقدير وإعجاب أهل السرد و الأدب والقراء على حد سواء ،ويكفي أن الكاتبة الكبيرة ليلى العثمان أشادت بها كثيرا و منحتها محبتها وإعجابها وجائزتها في دورتها الثانية هذه .
في هذا الحوار تتحدث ميس عن الكتابة وعن القصة التي كانت مفتاحها الأول لباب الرواية الشاسع/ الواسع ،وعن الرواية التي ترى أنها الآن جعلتها تشعر أكثر بأنها تكتب فعلا وحقا .
* : فزتِ مؤخرا بجازة ليلى العثمان للرواية والقصة في دورتها الثانية ،ماذا تعني لك الجائزة وماذا تعني لك ليلى العثمان تحديدا ؟
ميس خالد العثمان : حصول روايتي "عرائس الصوف" على تقدير جائزة ليلى العثمان إنما كانت دفعة جميلة جدا قدمتها لي ذائقتها ومن شاركها الاختيار من اللجنة الخاصة بالجائزة، بل إنها جاءت لتحط على كاهلي همّا كبيراً يتطلّب مني المزيد المتميّز والأفضل دوما من خلال إبداعي السردي الذي سينتظره كل أولئك ممن علموا بحصولي على الجائزة ومن قرائي المجهولين أو المعروفين على حد سواء، جائزة الأديبة ليلى العثمان، هدية رائعة تحفزني دوما على العمل والعطاء وتحملني المزيد من المسؤوليات الغير عادية تجاه إسم بلدي وإسمي، لأنها رأي /تقييم لمبدعة كويتية لها إسمها اللامع في مجال السرد والكتابة مذ تفتحت عيناي على عالم القراءة.
* : في الدورة الأولى للجائزة نالتها الكاتبة إستبرق أحمد ،فهل كنت تتوقعين أن تكوني أنت الفائزة بها في دورتها الثانية هذه ؟.
ميس خالد العثمان : للأمانة فكرة الجائزة كونها تشجّع الإبداع السردي الشبابي كانت تروقني منذ أول دورة لها، وحينما فازت الزميلة إستبرق أحمد بها، كانت فعلا من تستحقها عن تلك الدورة عبر مجموعتها القصصية التي كانت صادرة حديثا آنذاك، أما عني شخصيا، فلم أنتظر جائزة معينة، أنا أكتب لأوصل صوتي للقارئ، أعطيه كما يفعل الكتّاب عادة، من روحي و من خيالي ليكوّن شيء من ذائقته، وحصولي على التكريم والجائزة جاء إلتفاتة جميلة وعزيزة بلا شك ، سواء ممن قدمها أو ممن جاء وشاركني يوم تكريمي .
* : في كلمة ليلى العثمان في حفل تسليمك الجائزة قالت : " هذا الجيل الذي تنفس عطر من سبقوه يكوّن عطره الخاص"، فهل كان العطر الذي تنفسته أنتِ عطر ليلى العثمان؟.
ميس خالد العثمان : منذ سنوات المراهقة كنت أكرّس وقتي لقراءة الأدب الكويتي تحديدا،ولذا تريني قد تنفست عطر الكتّاب الكويتيين بجرعات متفاوتة ، وليلى العثمان كونها الإسم البارز، كنت قد قرأت كل إصداراتها تقريبا قبل إنهائي للمرحلة الثانوية ، لذا لا بد لنا شئنا أم أبينا أن نطلع على إبداعات من سبقنا، لأن لكل منهم مدرسته وطريقته التي يحبها عدد غير قليل من القرّاء بلا شك.
* : تعتبر ليلى العثمان من أكثر الكاتبات الكويتيات جرأة و إثارة للجدل ، فهل يمكن أن نقول بأن الجيل الجديد من الكاتبات هو امتداد حقيقي لها ؟
ميس خالد العثمان : الجرأة/ الإثارة/ التمرد...كلمات تُصرّ عليها العادات والتقاليد العربية والأعراف المتوارثة بشكل غريب، يا عزيزتي، الكاتبة العربية ليست تمرداً أبداً، الكاتبة العربية/ الخليجية تمارس دروها الإنساني الطبيعي الذي كان لا بد أن يكون كما ترينه الآن، عصر الحريم إنتهى منذ 60 سنة أو يزيد،وما كان يُفهم على أنه تمرد أو إثارة ما عاد كذلك، و أستغرب إذ تُلصق هكذا صفات ب كاتبات و أديبات همّهن الثقافة والإطلاع والإبداع وإبداء الرأي الذي يعزز مكانة الإنسان في المجتمع، بينما وفي نفس المجتمعات وعلى بُعد أخلاق، هناك الكثير من الإسفاف الحقيقي الذي يستحق أن نطلق عليه فشلا حقيقيا وتمرداً إنسانيا .
* : الرواية الفائزة بالجازة هي "عروس الصوف" فهل يمكن أن تحكي للقاريء بعض تفاصيلها .. أجواءها ؟.
ميس خالد العثمان : الرواية الحاصلة على الجائزة هي "عرائس الصوف"، وهي صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في لبنان،2006 ، للرواية أجواؤها الخاصة، العشائرية القبلية الواضحة والسرية،بالوقت ذاته لها طقوسها وعاداتها ومخاوفها ، لها عبقها وعلاقاتها الاجتماعية المرتبكة في كثير الأحيان وبها التهاوي الأخلاقي المفجع،،، لن أخوض بالتفاصيل لأن لكل قارئ تأويله الخاص، ولأنني أحب له أن يستكشف الأماكن المعتمة في كل عمل أقدمه له.
* : قال سعد الياسري في قراءة لروايتك "غرفة السماء" : إن سألني أحدهم هل تعرف " ميس العثمان " سأقول نعم هي مبدعة " غرفة السماء " ولن أذكر سواها من الإصدارات ".هل هذا يرضيك، هل يضجرك ؟!! ، وهل حقا الكاتب لا يكتب في حياته سوى كتابا واحدا مهما وذا قيمة؟
ميس خالد العثمان : لأوضح لك نقطة مهمة،حينما كتب الصديق الغالي الشاعر سعد الياسري، رؤيته عن روايتي "غرفة السماء" كان يُبدي رأياً فيها كأول رواية لي بعد مجموعتين قصصيتين ، لذا ولشدة إعجابه بها ، كان أن ذكر قوله هذا، بأنه سيقول أنه يعرف ميس العثمان صاحبة "غرفة السماء" وليس غيرها من الإصدارات القصصية ، وكان هذا قبل صدور روايتي الأخيرة "عرائس الصوف" ، حيث صدرت "غرفة السماء" في 2004، ولك أن تبحثي عما كتبه سعد الياسري كقراءة ب عرائس الصوف لتعرفي رأيه بها والذي لا يقلّ عن رأيه ب غرفة السماء ، ثمة أمر آخر ، أن يبدي القارئ إعجابه العميق بعمل ما لكاتب ما دوناً عن إصداراته الباقية فهذا بحد ذاته إنجاز عظيم ، بمعنى أن هذا لا يعد إنتقاصا أبدا من الكاتب ، فكم من الكتّاب أعجبونا بإحدى إبداعاتهم وبرزوا بها دونا عن غيرها ، ربما لأنها حرّكت شيئا خاصا بداخلنا.
*: بدأت بالقصة القصيرة ثم اتجهت أو تسربت إلى الرواية ، ما المسافة الفاصلة الآن بين القصة والرواية ، ما الذي يمكن للقصة أن تقوله ،وما الذي يمكن للرواية أن تقوله ؟وهل هناك عودة محتملة و واردة أو أكيدة للفن القصصي أم هو تبني مطلق و نهائي للفن الروائي ؟ القصة توحي أو تحيل أو تقول مشاغلها دفعة واحدة أما الرواية فعلى جرعات ،هل هذا يحدث عادة أم في بعض التجارب فقط؟
ميس خالد العثمان : نعم بدأت بالقصة القصيرة التي تعد من أصعب الفنون السردية على الإطلاق، وأصدرت مجموعتين قصصيتين هما "عبث" و "أشياؤها الصغيرة" .. ثم انتقلت للرواية دون سابق تخطيط ، إنما حلّت عليّ لعنة النفس الطويل، فكانت الفكرة التي تناسبها رواية لا قصة قصيرة، وهكذا حدث، ، القصة تخوض بزمن محدود، انتقالات الكاتب تكاد تكون بسيطة كي لا تخل بالفن القصصي لذا نحن نحتاج للاختزال جدا في كتابة القصة القصيرة، والفكرة يجب أن تكون مركزة تماما ، بينما العمل الروائي يحتاج إلى مخطط خاص قبل الشروع بالكتابة ، والانتقالات الزمنية متاحة جدا، وكمية الشخوص وتفرعات الأحداث، كلها متاحة بقدر واسع ، شرط عدم الإخلال بالسياق العام...القصة تقول مشكلتها دفعة واحدة بجرعة مركّزة ، أما الرواية فتقولها على مراحل، لتركّز بعدها همّها الأكبر.
* : ماذا تمثل لك القصة القصيرة و ماذا تعني لك الرواية ، أيهما أقرب الآن إلى طقسك الأدبي،وأيهما أكثر ملائمة لحساسيتك السردية ؟
ميس خالد العثمان : أتصوّر أن الرواية حاليا هي الأقرب إلى طقسي الأدبي ، أجدها متنفساً إبداعيا يشبه ما أرمي إليه في أفكاري ، لذا ومنذ أن بدأت بكتابة الرواية، شعرت بأنني أكتب فعلا.
* :ما هي أهم مرجعياتك أو متكآتك الفكرية،الأدبية،القرائية؟
ميس خالد العثمان : في قراءاتي أتكيء على ما استخلصه منها ، فالزاد الحقيقي لكل مبدع هو ما يقرأه من هنا وهناك ، وليس في مجاله الكتابي فقط، المعرفة والاطلاع على كل ما يكتب أمر بالغ الأهمية، ليتكون قدر من المعرفة التي تنعكس على روح كتاباتنا بمختلف أشكالها.
* : كيف جئت إلى الكتابة أو كيف طرقتك ؟ هل أنت سعيدة لهذا الطرق المديد الوجع ؟ .
ميس خالد العثمان : عالم الكتابة متسع ،غامض ، ومخيف و غريب في كثير من الأحيان ، حينما طرقني هذا الباب، و أثق أنه من طرقني ولم أسعى إليه ، تلمست مباهج ومواجع الحياة بكل تفاصيلها، صرت أشم رائحة الأشياء أكثر ، وأرى الآخرين بشكل أوضح ، و أتفهّم أن لكلٍ أسبابه الخاصة في كل شيء ، وهكذا....
* : ما هي أهم قناعاتك الآن التي تدافعين عنها و تكتبين انطلاقا منها ولها ؟
ميس خالد العثمان : أهم قناعاتي ، هي أنّ لكل منا مواجعه، ولكل منا أمنياته وأهدافه التي يسعى إليها، وأننا كبشر نروح ونجيء للتعلّم ، واكتساب الخبرات من كل شيء، وأن على الكل منا التركيز في مهماته الحياتية الصعبة ، ليتخطاها وينجح، ليكون أفضل في كل مرة.
* : كيف تهيئين الأرضية السردية بكل مشاغلها و تشنجاتها و خراباتها وطموحاتها واقتراحاتها واحالاتها وانزياحاتها لشخصياتك المتسلطة والمهمشة ، المقهورة والقاهرة في ذات الوقت ؟
ميس خالد العثمان : الأرضية السردية يا عزيزة، ليست سوى انعكاسا لحيواتنا التي نراها، هذا التشابك الرهيب الذي نحياه كل يوم، منه نستقي الخبرات، ونحاول أن نفهم لماذا يكون، وكيف يكون ،وهذه الشخصيات تتناسل حولنا بكل تفاصيلها الغريبة، فكيف بعد هذا التواصل بيننا وبينهم ، نعجز عن رسم شخصياتنا على الورق؟...
* : معظم الشخصيات النسوية في الروايات العربية بما فيها المكتوبة من طرف الكاتبات هي عبارة عن نماذج مهمشة ومقهورة وضحايا في الغالب للذهنية الذكورية ؟
ميس خالد العثمان : الشخصيات النسوية مقهورة دوما ، تحمل صليبها نحو الخلاص ، تظل تتعب لتكون كائنا حقيقيا ، ونحن بأقلامنا وأصواتنا نحاول رتق أوجاعها ، الرجل مهما وصل من إدعاء للثقافة والتواصل والانفتاح ، وتشجيعه للمرأة ، يبقى في ذهنيته رجلا شرقيا غيوراً، ولا يرتبط إلا بفتاة بعيدة عن هذا العالم الذي يصرخ بوجه التسلط، المرأة وحدها القادرة على نفض هذا الأذى الذي تشعر به، والمرأة وحدها هي التي تتسبب به لنفسها صدقيني.
* : ما ذا يمكن أن تقولي حول التجارب الأدبية الشابة في الكويت ؟ وهل هذا الجيل من الكاتبات الشابات يشكل راهن ومستقبل الأدب الكويتي ؟.
ميس خالد العثمان : التجارب الأدبية الشبابية في الكويت لها صوتها العالي الجميل، وهناك بعض الأسماء النسوية تحديدا إتخذت مواقعها ورفعت مشعلها لتؤكد أنها هنا ، في الكويت وخارج الكويت وصلت سمعتها الكتابية ، منهن على سبيل المثال الصديقة الكاتبة القصصية هبة بوخمسين ، والروائية بثينة العيسى ، وغيرهن المزيد، حتى أن الأصوات الذكورية الشبابية لها إسهاماتها الشعرية الجميلة جدا ، كالصديق الشاعر محمد هشام المغربي ، و سعد الجوير ، وغيرهم..
* : ما رأيك في الضجة الكبيرة التي تصاحب الآن معظم الراويات السعودية ؟ هناك كاتب وناقد سوري قال لي مؤخرا أنه ضد الأديبات السعوديات اللائي ظهرن في الفترة الأخيرة و اشتهرن على حساب الإبداع الحقيقي، أنت كروائية و قاصة ماذا تقولين بهذا الخصوص؟
ميس خالد العثمان : الروايات السعودية الحديثة ، والضجة التي صاحبتهم إنعكاس طبيعي ، وحالة طبيعية لما يحيي به المجتمع السعودي من إنغلاق إجتماعي إن صح التعبير ، الغير طبيعي أن تمضي هذه الإصدارات دون ضجة مناسبة للحدث ، أن تتجرأ فتاة سعودية وتكتب باسمها الصريح مرفقا باسم عائلتها ، حول خصائص وخبايا المجتمع الحقيقية، فهذا أمر صعب على المجتمع المحافظ تقبله بأي شكل من الأشكال، فلا لوم يقع على من طبّل ولا من زمّر ، العتب الحقيقي يقع على من فرد صفحات كبيرة ومتسعة للمديح والثناء المبالغ فيه، ثم إن الساحة الأدبية متاحة للجميع ، من يستحق الضوء فلينعم به ويعد للقادم، ومن يرى أن الضوء يحرقه فالأفضل أن يعيد حساباته لأجل إنسانيته..
* : ماذا بعد عروس الصوف ؟.
ميس خالد العثمان : أعد لعمل روائي جديد ، إنما ما أفعله الآن هو القراءة المنهجية لبعض المعلومات التي أحتاج إليها لتدعيم بعض المواضيع في الرواية.
* : قلتِ : "هناك،في السرد، أشعر بأن صورتي أكثر وضوحا وحقيقية وجنونا من صورتي في المرآة! " كيف و المرآة توأمة الأنثى... ؟ والعكس صحيح عادة ؟
ميس خالد العثمان : صورتي في السرد أكثر جنوناً، لأنني أُلبس شخصياتي ما أشتهي من صفات ، وما يناسبهم من ملامح ، وأعيد المواقف وألغيها كما يتفق معي ، لذا تجديني أكثر جنونا وحقيقية من الحياة ، لأننا في الحياة نخطط كثيرا ، وما يحدث لا يكون غير بعض أمنيات.
* :على أي سماء نفترق / أقصد نلتقي؟.
ميس خالد العثمان : هناك نلتقي دوما ، في سماء الإبداع
جريدة النصر الجزائرية 13 فيفري 2007
nouarala2@hotmail.com
أقرأ أيضاً: