فيديل سبيتي

(لبنان/ السعودية)

من يريد التعرّف أو إكتشاف الشعر السعودي الحديث لا بد أنه سيراجع ما كتبه عبدالله السفر حول هذا الموضوع، سواء في ما يتعلق بالأجيال أو بالنوع الشعري أو بالنقد. فعبدالله السفر دأب منذ سنوات على متابعة كل الإصدارات الشعرية الجديدة وكتب عنها في الصحف، ونشر دراسات وأنطولوجيات تتناولها، هذا عدا عن كونه شاعرا هو نفسه أصدر عددا من المجموعات الشعرية التي لقيت ترحيبا في المجتمع الأدبي السعودي والخليجي والعربي عموما. ومنها، "يفتح النافذة ويرحل ـ 1995"، "جنازة الغريب، النادي ـ 2007"، "يطيش بين يديه الاسمـ 2011"، وأنطولوجيا الشعر السعودي بعنوان "يصرون على البحر؛ شعريّات سعودية (بالاشتراك مع محمد الحرز)- 2007"، "اصطفاء الهواء: القصيدة الجديدة في السعودية-2010"، "حفرة الصحراء وسياج المدينة: الكتابة السردية في السعودية- 2010"، "دليل العائدين إلى الوحشةـ 2012"، "يذهبون في الجلطة، 2013"، "وَسْمُ الأيام ـ 2013"، "عفوك أيها الجسر فأنا أحمل كتابا ـ 2014"، "يرمي قبعته على العالم ويغمض عينيه ـ 2014"، "قصاصة نافرة ـ 2015".

والسفر عدا عن كونه كاتب غزير هو قارىء نهم، لا يكلّ ولا يملّ من تلقف كل جديد، بل ويتابع الشعراء الشباب الذين ينشرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويكتب عمن يستحق الإشادة به، منهم. وغالبا ما يتحوّل الشاعر الذي وقع إختياره عليه، إلى النشر الورقي، فينضم إلى قافلة الشعراء مكرسا في المهرجانات والأمسيات الشعرية وعلى صفحات الصحف، وكأن عبدالله السفر حارس الباب الذي سيفتحه أمام الراغب بأن يعترف به شاعرا. وبما ان الشعر السعودي الحديث لم يلق ما يستحقه من حفاوة على المستوى النقدي العربي، فإن حديثا مع عبدالله السفر سيكون أكثر من مفيدا حول هذا الموضوع، بل وسيكون بمثابة أرشفة ملخّصة لعالم الشعر السعودي الحديث.

هنا نص حوار حول النقد والشعر في المملكة العربية السعودية.

- كيف ترى المشهد الشعري السعودي منذ انطلاقة قصيدة النثر في المملكة؟ هل بإمكانك أن تروي لنا سيرة مختصرة لمسيرة القصيدة النثرية الحديثة في المملكة(على افتراض أننا نتوجه إلى قارىء مهتم وغير ملّم بأحوال الشعر في السعودية).

‎هناك إرهاصات تاريخية وبواكير رصدها بعض الباحثين والأكاديميين، مثل علي الدميني والدكتور محمد حبيبي وأحمد الواصل، تتوقّف عند محمد الرميح وناصر بوحيمد في الخمسينات والستينات. غير أن التأسيس التاريخي والفني والمرصود خالصاً بين غلافين فيعود إلى الشاعرة الرائدة فوزية أبو خالد وديوانها الأول "إلى متى يختطفونك ليلة العرس" الذي أطلقته من بيروت عن طريق دار العودة وهي بعدُ لم تبلغ العشرين عاماً، في منتصف سبعينيّات القرن الماضي.

خلال ثمانينات القرن الماضي برزت عدّة أسماء، أبرزها محمد عبيد الحربي الذي سُخّرت أمسية نقدية كاملة، أقامتها جمعية الثقافة والفنون بالأحساء،عن قصيدته "تحولات الماء" واشترك في تقديمها: محمد الشنطي، وسعد البازعي، وسعيد السريحي. وفي العام  (١٩٨٨) أصدر ديوانه الأول "الجوزاء" عن نادي جازان الأدبي. حينها وقع لغط ما حول هذا الإصدار؛ ما جعل إدارة النادي تتحفّظ على الكتاب في مستودعاتها.

مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حدثت انعطافة نحو قصيدة النثر انتقالا من التفعيلة مثل أحمد الملا ومحمد الدميني. وفي الفترة نفسها أخذ اسم إبراهيم الحسين في الظهور وتتوّجَ ذلك في العام ١٩٩٢ بإصدار ديوانه الأول "خرجتُ من الأرض الضيقة"، في سلسلة "كتاب كلمات"، عن أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، ليتبعه محمد الدميني في العام ١٩٩٤ بديوانه الثاني "سنابل في منحدر" عن دار السراة في لندن الذي يحمل تحولّه إلى قصيدة النثر، ومع أحمد الملا في العام ١٩٩٥ بديوانه الأول "ظلٌّ يتقصّف". وأودّ هنا أن أتوقّف عند أمرين، الأول: إطلاق قصيدة النثر في أمسية جماعية حاشدة ضمّت أسماء جديدة، وكان ذلك في العام ١٩٩٥ بجمعية الثقافة والفنون بالأحساء، اشترك فيها: إبراهيم الحسين، وأحمد كتوعة، وحمد الفقيه، وعلي العمري (هذه الأمسية الوحيدة؛ الأولى والأخيرة التي يشارك فيها العمري) ويتزامن مع هذه الأمسية بل يسبقها قليلاً تكوين مختبر تسعيني -إذا جاز لي التعبير- متنقّل بين شقة أحمد كتوعة في الرياض ومنزل أحمد الملا في الظهران، وقد تحدثتُ عن هذه التجربة التسعينية في شهادة جعلتُها مقدّمة لكتابي "اصطفاء الهواء.. القصيدة الجديدة في السعودية" (٢٠١٠).

أما الأمر الثاني،  فهو الانفجار الصغير الأول لنشر قصيدة النثر في السعودية.

  • حدثنا عن هذا الإنفجار، نوعه والزمن الذي وقع فيه، ونتائجه.

 حدث الإنفجار في عام واحد تقريباً (١٩٩٦) بواسطة دار الجديد البيروتية، التي احتضنت طيفاً واسعاً من  التجربة الشعرية العربية في أفق قصيدة النثر. فتلقّفت الساحة الأدبية تجربة أولى نضرة لها من أسباب الجمال ما هو جدير بأن يُشار إليها نحو: "خفيف ومائل كنسيان" لأحمد الملا، "خشب يتمسّح بالمارة" لإبراهيم الحسين، "كرة صوف لُفّتْ على عَجَل" لأحمد كتوعة، "نقف ملطخين بصحراء" لحمد الفقيه، "فأس على الرف" لعلي العمري، "أوهام صغيرة" لغسان الخنيزي، "كُنّا" لعيد الخميسي، "انكسرتُ وحيداً" لمحمد حبيبي... وغيرهم.

مع بداية الألفية توسّع حقل التجربة بأسماء وعناوين جديدة (سعود السويدا، هدى الدغفق؛ محمد الحرز؛ عبدالله ثابت؛ محمد خضر؛ هيلدا إسماعيل؛ شريف بقنة؛ ...) غير أن التحوّل الكبير أو "الانفجار الثاني" إن على مستوى التجربة في اشتدادها عمقا وتنوعا ورحابةً أو على مستوى الأسماء الفاعلة في الكتابة الجديدة، كان مع استئناف معرض الرياض الدولي للكتاب في العام ٢٠٠٧ (المعرض الأول أقيم في رحاب جامعة الملك سعود ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨) حيث باتت فرصة النشر متاحة وبشكل سنوي وأضحى شهر مارس من كل عام - موعد المعرض الثابت - موعداً للإصدارات الشعرية الجديدة والتي رأينا فيها ومعها تلويناتٍ جماليّة تستحق الاحتفال بها والوقوف عندها (زياد السالم؛ عبدالرحمن الشهري؛ ماجد الثبيتي؛ ماجد العتيبي؛ صبا طاهر؛ نور البواردي؛ كوثر موسى؛ هدى ياسر؛ روان طلال؛ هيفاء العيد؛ حسين المنجور؛ محمد الضامن؛ حامد بن عقيل؛ محمد الحميد؛ عبدالعزيز الحميد؛ عبدالله العثمان؛ ياسر العتيبي؛ عبدالله الناصر؛ أحمد العلي؛ حسين أل دهيم؛ محمد السعدي؛ زكي الصدير؛ علي العاشور؛ عبدالله المحسن؛ سلمان الجربوع؛ مهدي المطوع؛...).

وهناك من ينشر في المواقع الإلكتروية وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي من تويتر وفيسبوك وكذلك في الصحف، ولم يجمع نصوصه في كتاب حتى الآن مثل: محمد الجنيدل؛ أحمد القطان؛ حامد سليمان؛  عبدالكريم إبراهيم. ومؤخّراً أطلق "بيت الشعر" - من جمعية الثقافة والفنون بالدمام -  مسابقة الكتاب الأول التي أسفرت عن تجارب شعرية شابّة متميزة لـ: أحمد الصحيح (فتحتُ الباب فانهالَ عليّ العالم)، وأبرار سعيد (ليس ليدي أن تتكلم)، وإبراهيم حسن (العائد من وجهه). والتجربة التي تنكتب الآن ونرى نماذجها في النشر الإلكتروني غالباً وبعنوان الحرية قلت عنها قبل فترة ما أعيد تأكيده على سبيل الثقة والرهان في صورته الحية من المغامرة والشغف: "انفلاتٌ هائج ترعاه الحواس إذْ تنغمر في المجهول لا رادعٌ يمنع عن المضيّ أو خشيةٌ تنثر أشواك التردد. الخفّة التي تُنسِي الأقدامَ تاريخ الخطوات وأثقالها. العين التي تحُلُّ وتركّب وتحكي خافتَ الضوء وما يسرّبه الصمت في الزوايا".

  • بصفتك ناقدا ومتعمقا في تطور القصيدة النثرية السعودية، وإلى جانب اصدارك لعدد من المجموعات الشعرية، هل تعتقد أن المدرسة النقدية العربية واكبت تطور قصيدة الحداثة منذ بدايتها، في أواسط القرن الماضي؟ هل استطاع النقد أن يواكب الشعر، وأن يحدد مسارات قصيدة النثر العربية ومآلاتها أم بقي قاصرا عنها؟

أتصوّر أن القصيدة الحديثة في طورها الأول - ممثّلةً برموزها وروّادها: السياب؛ البياتي؛ أدونيس؛ خليل حاوي؛ صلاح عبدالصبور ...- وما سبقها من مدارس شعرية، أخذت حظّاً وافراً من القراءة والمتابعة النقدية بما يشبه الإشباع والإحاطة والغمر في قاعة الدرس الأكاديمي وعلى صفحات الدوريّات والمجلات والجرائد؛ رسائل علمية؛ أبحاث ودراسات؛ مقالات. من إحسان عباس إلى عبدالقادر القط، مرورا بعز الدين إسماعيل وسلمى الخضراء الجيوسي وليس انتهاءً بمحمد بنيّس.

الإشعاع النقدي الذي حظيت به القصيدة الأولى لم يمتد بما فيه الكفاية ليشمل القصيدة الثانية في طورها الموالي برموزها الكبيرة وبالعطاء الممتد والنوعي حتى الآن كما نجده عند: عباس بيضون، سركون بولص، بسام حجار، صلاح فائق، وديع سعادة،... وينبغي لنا أن نستدرك أن هذا الحكم لا ينطبق جماهيريا ولا فنيا على قصيدة محمود درويش. ويكاد الأمر نفسه يتكرّر مع الأجيال التالية في العقود الأخيرة . فالإنتاج الشعري في أصفى نماذجه يقصُرُ النقد عنه، ويمرّ مرّاً هيّناً على الدرس النقدي، وأحياناً حتى الصحفي كما هو الحال قبالة تجربة عيسى مخلوف أو زاهر الغافري مثلاً. هذه النظرة العامة من الحكم لا تنفي أن هناك اختراقا - بلغة التفاوض السياسي - وجهداً دؤوباً يصدر من أسماء لها حضور مغرباً ومشرقاً في الدرس النقدي للقصيدة الجديدة (رشيد يحياوي، صلاح بوسريف، حاتم الصكر، شريف رزق،...). إلى ذلك ثمة من المبدعين من يتصدّى لتناول الأعمال الشعرية، وبالنسبة لي أجد هذا أنسب مقاربة لاكتشاف النص على النحو الذي يقوم به، مثلاً، طارق إمام في مصر ومحمد الحرز في السعودية.

  • هل يمكن القول أن هناك قصيدة نثرية أو حديثة، واحدة في العالم العربي؟ وما هو الميزان النقدي الذي يحدد الفرق بين الشعراء وقصائدهم من حيث المضمون والشكل. إذ أنه ما زالت تستخدم حتى الآن مصطلحات: "الأجيال" على المستوى العامودي، والجغرافيا (أي الشعر المشرقي والشعر المغربي، والشعر الخليجي، والشعر المصري والشعر العراقي) في المستوى الأفقي...

ما مدى صحة هذه التصنيفات؟

ابتداءً، لا بد من تسجيل أن تلك التصنيفات والمصطلحات لا غنى عنها مهما كان مقدار الاحتجاج ومقدار الوجاهة والعقلانية فيه. ذلك أن الاحتياج إليها يتبدّى، ولو إجرائيّاً، لإقامة الفروق وتفهُّم التباينات التي تقع تأسيساً على الأعمار بصفاتها النفسية، وطبيعة التجارب المكتسبة عند كل مرحلة عمرية. أو تأسيسا على المناطق وما تستتبعه ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية من أثر يجد صداه في التجربة المكتوبة طبقاً - في الحدّ الأدنى - لمقولة أن "الأدب هو انعكاس جمالي للواقع". هذا إطار عام تُقبَل فيه تلك التقسيمات الوظيفية، لكن لا يصح، أولاً، أن يُستمَد منها أحكام قيمة وتحصيل نقاط تفضيلية لمجرّد العمر أو لمجرد اسم المكان. كما نسمع عن أدب المدينة في مقابل أدب الأقاليم أو الأرياف. أو قصيدة الشباب إزاء قصيدة المخصرمين؛ واستتباع ذلك بخلاصات ينشأ عنها التفضيل بمعنى تفصيل قماشة الأحكام وتنزيلها على العناوين دون علاقة مباشرة بمادة الكتابة.

ولا يصح، ثانياً، أن تكون - تلك التصنيفات - قانوناً شاملاً تنتفي معه الهوية الفردية للذات الإبداعية المتعالية على جملةٍ من الشروط والمنفكّة من أسار القيود، المحدّدة برقم العمر وبطبيعة البقعة الجغرافية. وهذا ما تصادق عليها الوقائع الإبداعية، وهذا سر جاذبية كثير من التجارب الجماليّة حيث يعثر كل فرد فيها على صداه الإنساني. ومن هنا ندرك تقارب مناخات الكتابة عند المبدعين رغم التصنيفات، لأنّ السياق الحضاري المعولم يجمعهم، ولأن المرجعيّات المتماثلة والتأثر بها تلقي بظلالها عليهم وتطبع الذائقة بطابعها. وربما هنا ينبغي الحذر كلّ الحذر من انتفاء البصمة الشخصية وسيادة التشابه وإنتاج النسخة الواحدة، أو النسخة المشوّهة: "القصيدة الواحدة" أي قصيدة الخضار المسلوقة.

  • كيف تنظر إلى جوائز الشعر العربية الكثيرة، وإلى لجان التحكيم فيها، وإلى رابحي هذه الجوائز ونتاجاتهم، بشكل عام. هل تنصف الجوائز الشعراء؟ ألا تقسم الشعراء إلى رابحين وخاسرين؟

"جوائز الشعر العربية" لا تأتي في سياق منفصل عن طبيعة الحياة العربية وما تعج بها من أخطاء وخطايا في الممارسات السياسية والخطط الاقتصادية والاجتماعية. الحياة الثقافية المنتجة للجوائز هي جزء أو شريحة من كلٍّ عام عامرٍ بالقصور والعيوب. فلا غرابة أن تُصاب الجوائز بما تُصاب به الحياة العادية وفي جميع مساراتها. البعض يعطي طهرانية غير مستحقّة ويحاسب على هذا الأساس. بشدّة وبصوتٍ عالٍ. الجوائز لها مشكلاتها الإدارية والتنظيمية وغياب الشفافية في بعضها؛ بخاصة تلك التي تُقدّم لكِتاب معين، وتستدعي الخلاف وتحاجز التعليقات بين السلب والإيجاب، وهذا لا يحدث، غالباً، عندما تُمنح الجائزة تقديراً لمسيرة ولمشروع أدبي.

  • لو طلب منك أن تختار صفة واحدة تشتغل عليها: الشاعر أو الناقد. أيهما تختار؟ ولماذا؟

بإخلاص لن أختار الشاعر ولا الناقد. أفضّل صفة "القارئ" على غيرها من الصفات. القراءة هي مهنتي وهي هوايتي وهويّتي التي أعمل عليها منذ أن وعيتُ الانتباه إلى العالم عبر الحرف مسطوراً في جريدةٍ أو مجلّةٍ أو كتاب. أو حائماً في ذبذبات الراديو من "صوت العرب" أو "هنا لندن" أو "دولة الكويت" أو "قطر".. أجدُ نفسي مع القراءة؛ أتابع؛ فأتجدّد؛ فأعيش أكثر من حياة.

  • في قاربك الهائم في الفيضان متسع "لأمر" واحد (شخص- فكرة- شيء...)، ماذا تختار لإنقاذه؟

  لا أريد إنقاذاً لا لنفسي ولا لأحد. وليكن القارب وحيداً.