عناية جابر
(لبنان)

هدى حسينهدى حسين شاعرة مصرية، ومترجمة وفنانة تشكيلية ولدت في القاهرة (1972) وتخرجت من جامعتها اختصاص آداب قسم فرنسي، وصدرت لها أعمال في الشعر والرواية والترجمة، من مجموعاتها: «أقنعة الوردة» و«فيما مضى» وسواها، ومن أعمالها الروائية: «درس الأمبيا» و«رواية الجسر»، الى جانب ترجماتها عن الفرنسية لروايات آني آرنو و«الكتابة» مجموعة مرغريت دوراس القصصية ورواية «وضع حد» لفرانك بيجو. هذا بالإضافة الى اشتغالها على لوحاتها المتميزة الى جانب عضويتها في مركز الشعر حيث منحت الشاعرة هدى حسين لقب «سفير عالمي للسلام» من قبل دائرة سفراء العالم للسلام في جنيف. عن غنى الذات عند حسين، واختلاط تعبيراتها الإبداعية، وعن ديوانها الجديد الصادر حديثاً: «خريطة الذات» كان هذا اللقاء:

* أنت شاعرة وروائية ومترجمة، كما أسعفني الفايسبوك مؤخراً برؤية بعض رسومك التشكيلية، هل هذا الخليط يُضفي على كل صنف إبداعي عندك أم يُخسّرُهُ في المجمل، بمعنى هل تغتني روحك من هذا الزخم الفني الجمالي؟

عندي مشكلة حقيقية في التعبير يا عناية. رأسي يعمل طول الوقت. وكأنه يتلقى إشارات وحكايات واصواتاً من كل شيء. وكأن العالم كله يضج حولي ولا اتمكن لحظة من البقاء وحدي. لا يوجد صمت حولي. كل شيء يتكلم لي من ذرة تراب على الشرفة إلى نبرة في عزف كمان إلى.. لا اعرف.. كل شيء هنا يواجهني ويتحدث لي. يواجهني بنفسه عارية تماماً. يرغمني على الانصات وانا لا استطيع التوقف عن ذلك. انا أضعف من أن اقاوم هذا الاندفاع للذبذبات نحوي. قد يبدو كلامي جنونيا لكنني متوترة جداً حيال ذلك. وأريده ان يخرج. هذا العالم. أن يتوقف عن احتلال رأسي. أن يسكت عني. لكنه لا يفعل. لا يصمت. الكتابة وحدها لا تكفي كوسيلة تعبير عن هذا العالم الذي يضغط عليّ بقوة حضوره. عندي مشكلة في التعبير، كما قلت لك. وكلامي ابطأ من حركة عقلي الدوارة هكذا دائماً. لذا ينبغي أن أفعل. أن ارسم، أن أغني، أن أصنع أفلاماً قصيرة. أن أكتب بالعامية أحياناً. أن أترجم، ان افعل كل ما يمكنني فعله إلى جوار الشعر. لا استطيع التوقف. قلق على قلق ورادار دماغي يلتقط ما يفوق قدرتي على الاحتمال والتخزين.

إعجاز

* «خريطة الذات» أحدث دواوينك الشعرية بعد مجموعات خمس ميّزتك كشاعرة صف أول في مصر، ما سرّ علاقتك بالأفكار الكبيرة التي تسند قصائدك الصغيرة على غرار الكتّاب الألمان؟

حقيقة لا أعرف يا صديقتي. يذهلني أننا هنا. على هذا الكوكب. وأن هذا الكوكب يدور في الفضاء. وأننا في دوار أبدي ما دام هذا الكوكب يدور. وأنه لا خيار لنا سوى هذا الدوران أو الانفجار. التوقف لا يعني الموت. فالموت جزء من هذا الدوار. التوقف يعني الانفصال عن طبيعتنا الأم. يعني الفطام عن ثدي الدورة الابدية للموت والحياة. انا لا اريد أن أنفصل. أريد أن ابقى في رحم أمي وأظلّ كأي مصاص دماء بالفطرة أتغذى على دمها السخي عبر هذا الحبل السري اللاذع كسوط والذي نسمّيه الخيال. أظن أن الخيال بما قد يتضمنه حتى من هلاوس سمع بصرية ومن تجسد واضح في الأحلام اثناء النوم ومن الشعور الدائم بتواجدك في اللحظة ذاتها داخل حيوات متوازية، او في زمن متتالٍ انت فاعلة في حيوات أخرى ما زلت. أو بتواجد مكاني أو زماني لحيوات وموجودات أخرى معك في لحظتك انت ومكانك انت... فإذا كان الله قد منحنا إمكانية الاختيار والمسؤولية التي تميزنا عن باقي أجناس الكون التي تعمل حياتها بشكل اوتوماتيكي، فإنه قد خصّنا أيضاً بمنحة الخيال، وحدنا، دون سائر الكائنات وإن في ذلك لذة وخطراً وأشياء كثيرة يصعب التعبير عنها. الخيال يوحدنا كبشر. وقد يكون بعضنا مقهوراً في اختياراته. وعندما أرى أن خلية واحدة من جلدي يدور حول مركزها اليكترون وبروتون وما الى ذلك، أرى في كل خلية في جلدي مجموعة شمسية. ويبقى العالم كله، هذا العالم الكبير بفضاءاته التي لا نعرفها أضيق من ملايين العوالم التي في عضو واحد ملموس من أعضاء جسمي وهو الجلد.. أجدني أوسع وأنا أضيق. وأجد العلوم كلها، والتاريخ والجيولوجيا وغيرها ثماراً لهذا الخيال الذي يصعب حتى تحديد مكانه بالضبط واللمس كعضو أيضا من أعضاء جسدنا الفاني. أظن أن الفكرة الكبيرة الوحيدة خلف اعمالي الصغيرة هي أن هناك في العالم كائناً يدعى «إنساناً» وأنه إعجاز كامل. وأنه خلاّق.

القناع

* أيضاً جذر لوحتك كابوسي بعض الشيء، ورسومك بمجملها أقنعة. ما الذي تريدينه من اللوحة أن تقول؟ من اللون؟ في امتزاج الأزرق والأخضر عندك في مدلولات شاحبة تقترب من تصوير احتضار طويل.

أصبت عين الإصابة أيتها الشاعرة: فأخضر النماء من زيت الموتى الذين لا ينبغي أن ننساهم لأنهم غابوا. يكون حضورهم في الواقع أحياناً أقرب من حضورنا في اللحظة. يكون طاغياً. ويكون ملحّاً. ويكون ضرورياً أن نحبهم. بقدر ضرورة أن نتقي منهم تقاة.. هذه الأقنعة لنا ولهم في الوقت ذاته. القناع مرآه بين عالمين. مرآة وليس انعكاساً للصورة. لا أحد يعرف من الصورة ومن انعكاسها، نحن الأحياء أم هم الموتى.. وقد يكونون هم الاحياء ونحن الموتى في حلم كبير.. المرآة تجعلنا نرى. تعلمنا أن هناك عالمين هم واحد وانعكاسه. الموت والحياة واحد صحيح يتحرك بين مزاجاته المفعمة بالطاقة والمميتة كقاتل محترف. المرآة تعلمنا ذلك. وكذلك القناع. الخط الطولي الذي نتراءى لبعضنا البعض من خلاله. أنا لا أهتم كثيراً بالفكرة الحديثة عن القناع باعتباره خافياً للحقائق ومزيفاً للواقع. القناع الذي انتمي له هو قناع الحضارات القديمة. والتي أراها أكثر تحضراً مما نحن عليه الآن في هذا الزمن على كوكب الارض. إنه القناع الافريقي، والآسيوي والأميريكولاتيني القديم، المرتبط أساساً بحدث جلل. بمناسبة روحية مقدسة تتهيأ لالتقاء العوالم والاتحاد فيما بينها.

* ترجمت أغلب أعمال آني آرنو ( في رواياتها التي تقترب من الآكواريل الشفاف) على عكس رسومك، كما لمرغريت دوراس وفرانك بيجو. تحت أي حاجة تترجمين؟ هل حبك للعمل دافع أساسي للترجمة أم هي الترجمة لمجرد العمل؟

لحسن حظي أستطيع أن أختار ما أترجم. أترجم ما أحب. أترجم لمن قالوا ما كنت أريد أن أقوله، كنوع من رفع قبعتي وتعبير عن شكري وامتناني لهم، أولئك الذين أعطوني خلاصة الخبرة وجنبوني الدخول إلى مرارة التجربة. وقد يكونون عبروا أفضل مني فيها. هؤلاء الكتّاب، إريد أن أستضيفهم في بيتي المبني على اللغة. أن أدخلهم إلى العربية التي ولدتُ فيها.

* لمن تقرئين؟ من من الشعراء الشباب العرب (المصريين خصوصاً) يلفتك؟ أيضاً علاقتك بالرواية ما مصادرها عندك، وهل أفادك النقد؟ بالأحرى هل النقد موجود؟

أعترف أنني لا أقرأ كثيراً. فرأسي مزدحم جداً. والتقاط المعارف يحدث في كل لحظة وبكل الطرق وليس بالقراءة فقط. أحب كتابات أحمد الشافعي وأحمد يماني وياسر عبد اللطيف وزهرة يسري وفاطمة قنديل وكريم سامي وآخرين كثيرين من الشعراء المصريين. من العالم العربي تلفتني كثيراً نصوص نبيل سبيع وغسان زقطان ورحمن النجار وعبد الصبور عقيل ولينا الطيبي وسعدية مفرح وعفراء بيزوك ولقمان الديركي وغيرهم. العالم العربي كله غني وسخي في عطاياه من هدايا الخيال وأنا أحبّه جداً جداً. من الجهة الأخرى أنا أتمتع جداً وألتذ بالقراءة في العلوم والميثولوجيا. هذان الاثنان هما قدماي الافتراضيتان على ما اعتقد.
هل تعتبرين الثورة العظيمة التي حدثت وتحدث في العالم العربي مازالت، مؤشراً على علاقة أكثر صميمية بالنتاج الأدبي العربي المقبل، أم السياسة تُفسد الأدب على ما يقولون؟
لا استطيع أن أقرأ الطالع في هذا الأمر حقيقة يا عناية.. ولا احب الفصل ما بين ما يحدث لكائن واحد اسمه الانسان. فإذا كانت السياسة سبابته فالادب خنصره وهو واحد ولن أبدأ في تقطيع أصابعه.. لا أحب أن أرى من يركبون الموجة والناس - كما نقول بالمصري - «اللي هايجة مع الرايجة» لذا فأنا عندما يظهرون على السطح أصاب مباشرة بالعماء الاستراتيجي: ..وكما قيل «خيركم في الجاهلية خيركم في الاسلام»، أرى أن خيركم قبل الثورة خيركم بعدها.

السفير
29-8-2011