ذاكرة المطر والشعر والدهور

طالب عبدالعزيز
(الكويت)

بيت السياب في جيكور
بيت السياب في جيكور

تغيرت كثيرا الطريق المؤدية إلى بيت الشاعر بدر شاكر السياب، في جيكور بأبي الخصيب، فقد أدركت المدينة بأسواقها ومتاجرها الشارع الذي كانت تظلله غابة النخل، فاتسع، وصار الناس يبنون منازلهم عليه، بعد أن كانت داخل القرى، كما أتت المباني الجديدة على كثير من الأنهار، لكن الوصول للبيت، ما زال يسيرا، ففي بحر نصف الساعة، تستطيع سيارة حديثة قطع المسافة بين مركز المدينة والقرية، التي لا تتجاوز الـ25 كلم.
لماذا لا يزور الأدباء البصريون بيت السياب؟

لا يجد المثقفون والأدباء البصريون، زائرو بيت الشاعر في جيكور مقعدا لهم، لأن الأرض خربة، تربة، طين في الشتاء وسباخ في الصيف، والبيت مفتوح للشمس والمطر، فهو بلا سقوف، هو لا بيت، ولولا الأدباء والمثقفون الذين غالبا ما يفدون إلى البصرة من محافظات عراقية أخرى، وفي مناسبات مثل مهرجان المربد لما فكر أديب بصري بالذهاب إلى منزل الشاعر، لأن زيارة مثل هذه توجع القلب وتدميه وفق أحدهم، إذ مازالت معاينة البيت تجلب الأسى، وتخيب الآمال بإمكانية تقديم مشهد حضاري لشاعر طبقت شهرته الآفاق.

معالم تندثر

كل عام يمر، يهدم المطر، وتزيل الرطوبة مشهدا من مشاهد البيت الطيني، المبني أوائل القرن الماضي، الذي لم تنفعه تولية وزارة السياحة عليه شيئا، إذ لم تقدم على ترميمه، أو إعادة تهيئته لواحد من معالم المدينة، التي تندثر، وتختفي آثارها، إذ لم يدر في خلد أعضاء الحكومات العراقية السابقة أو اللاحقة أن بناء بيوتهم الخاصة، داخل وخارج العراق لا يتناسب مع عزوفهم عن تقديم وجه المدينة الحضاري، عبر ترميم مباني أعيانها، وحتى شواهد قبورهم.

بيت الأسرة ومنزل الأقنان

في هذا البيت الذي ولد فيه شاكر بن عبد الجبار بن مرزوق السياب، والد الشاعر، الذي درس في المدرسة الرشيدية، بأبي الخصيب أثناء العهد العثماني، وزاول التجارة والأعمال الحرة، لكنه خسر فيها جميعا، ثم توظف في دائرة تموين أبي الخصيب، ثم مات فيه منتصف الستينات من القرن الماضي، له من الأبناء د. عبدالله، وبدر الشاعر، وشقيق آخر أسمه مصطفى، وفي البيت ذاته توفيت والدتهم (كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب)،
وعن الدار هذه، يقول أحمد عبدالعزيز السيّاب: إن دار السياب مقسمة إلى قسمين... (دار جدي... ومنزل الأقنان)، الذي خلّده بدر كثيرا في شعره، والذي لا يبعد عن المنزل الكبير سوى عشرين مترا، هو بيت للعاملين في بستان أسرة آل سياب، كفلاحين، وهو واسع، قديم، مهجور كان يدعى «كوت المراجيح»، وكان هذا البيت في العهد العثماني مأوى عبيد أسرة السياب، وقد جعله بدر في أيام طفولته مقرا لجريدة كان يخطّها بيده، ويصدرها بنفسه، سماها «جيكور»، هذه الجريدة التي يتناقلها صبيان القرية، يقوم بدر بلصقها على حائط منزل الأقنان، عند المساء، بعد عودتها، مقروءة، من أكف أصدقائه.

جيكور قرية صاحب الزنج

مع المتغيرات الكبيرة التي تعصف بقرى وضواحي أبي الخصيب اليوم، تظل قرية الشاعر جيكور من أكثر القرى عرضة للتخريب والتدمير على أيدي المتجاوزين من غير سكان القرية، وهناك أكثر من داع لتقوم الحكومة بحمايتها من يد الخراب، فهي من مسميات القرى في العهد العثماني، وقبل ذلك هي القريبة من عاصمة علي بن محمد صاحب الزنج، وقبل سقوط النظام السابق كانت إحدى الحفريات العشوائية قد عثرت على سور من الآجر، عريض يطوق المنطقة، حيث لم يتنبه لذلك أحد آنذاك، والذي يؤكد ذلك وجود العشرات من الأسر الزنجية، التي استوطنت المنطقة منذ مئات السنين، لكن المتغيرات لا تتوقف فقد هاجر الناس، ليس العبيد بل الأسياد، لأن القرية لم تعد المكان الوديع، المثمر، المنتج للتمر والفاكهة.

أبو الخصيب مدينة الشعراء

وكنت قد التقيت الشاعر محمد علي إسماعيل.(توفي قبل نحو 10 سنوات) صديق السياب، والمولود في قرية الحمزة (اليهودي، سابقا) وقد عدد أسماء الشعراء المولودين في أبي الخصيب فذكر لي أسماء شعراء من أبي الخصيب مثل محمد محمود، وقد عده من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث، وقال عن نفسه (إسماعيل) بأنه صاحب الشعر الكثير، و(خليل إسماعيل) الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته و(مصطفى كامل الياسين) الشاعر، ويتوقف كثيرا عند (سعدي يوسف) الشاعر العراقي المعروف، وعند صاحب كتاب الألعاب الشعبية في البصرة (عبداللطيف الدليشي) الأديب المعروف.

ثم ذكر لي محمد ناصر وزير الثقافة في حكومة عبدالكريم قاسم، صاحب كتاب: من القرية إلى المدينة ومن بغداد إلى العالم، قلت هذه الأرض المحصورة بين النخل والصحراء كم أنجبت من الشعراء؟
من يدلنا على شباك وفيقة؟

يتوقف دارسو شعر بدر عند محطات وأماكن حبه الكثيرة قبل خروجه من القرية، مع بدايات مشواره الأدبي، يافعا، ماشيا الطريق الطينية إلى صفه الرابع في مدرسة المحمودية، وسط سوق أبي الخصيب، وهو الذي أحب راعية الغنم، في قريتهم (هيلة)، من قبل والتي سماها هالة في قصائد عديدة، فمكان الرعي مكان للحب والتأمل والشعر فيما بعد، ثم تجيء وفيقة وشباكها، في القصيدة الشهيرة (شباك وفيقة)، كثيرون يسألون عن الشباك هذا، أين هو اليوم؟ وعلى أي رقعة من الأرض كان بدر يتوقف متأملا؟ هو الذي وقف طويلا أمام واجهة بيت الجلبي في كتابه الموسوم (شناشيل ابنة الجلبي).

نزل المطر في نيسان غزيرا على بيت الشاعر، سقط كثير من الطين، لم يبق من الأبواب سوى خشب مرضوض، والشبابيك تبكي، ولمن يمعن النظر في الغرفات يتحسس يد الأيام، وهي تغرب عنها، تودعها، تودع دار (جدي ومنزل الأقنان)، يتحسس الأقدام مسرعة للنهر، النهر(بويب) ولولا قارب ومجذاف وفلاح لما قيض للواصلين العودة، هي رحلة من الألم والشعر والمطر.

القبس
13-5-2011