عبدالدائم السلامي

قصائدُ الشاعر المصريّ رفعت سلاّم بنتُ وقتِها وجديرةٌ به، فهي لا تُوالي الواقعَ المُكرَّسَ فيه، ولا تُصفِّقُ لخطاباته الثقافية والاجتماعية والفنيّة، وإنّما هي مشغولة بسعيِها الإبداعي إلى كشفِ تهافُتِ معنى الإنسان، وإلى نِشْدَانِ أفقٍ حياتيٍّ له جديدٍ يفتح الرؤيَةَ على سرديّة أخرى ممكِنةٍ خارج أسوار منظومات الإبداعِ الرسميِّ. إنها كتابةُ القيمةِ والجُرأةِ والجَماليَّةِ، كتابةٌ صنعتْ لذاتِها هُويَّتَها القرائيّةَ؛ فإذا هي قَدْحُ احتكاكِ الناس بحاضرهم، وجغرافيا تُصحِّحُ تاريخَها، ولغةٌ لا أخالُ قارئَها إلاّ سامعا فيها صوتَ رفعت سلاّم يردِّدُ في كلّ جملة منها، وإنْ خَفاء، صوتَ سارد رواية «اللاَّمُسمَّى» لصمويل بيكيت وهو يقول: «عليَّ أن أقولَ الكلماتِ طالما ظلّت كلماتٍ، عليّ أن أقولَها حتى تَجِدَني، حتى تَقُولَني». لكأنّ رفعت سلاّم مسكون بهاجس نفادِ اللغة من الأرضِ، فهو يلتقطُ الألفاظ من فضائه العامِّ، ويُصفّيها، ويقولُها كأنَّ القيامةَ غدا، وإذا بها في نصوصه تقولُه بصفاءٍ ليعيش فيها أبدا، الشِّعرُ سؤالُ اليقينِ، وسؤال الواقع، وسؤالُ الوقتِ.

خاتمةُ الأرضِ

كلّ جُملةٍ من دواوين رفعت سلاّم – على غرار دواوينه «وردةُ الفَوضَى الجَميـلَة»، و«إشراقات»، و«إنها تُومئ لي» و«هكذا قلتُ للهاوية» و«حجرٌ يطفو على الماء» – تتكلّم لغة مغسولة من صديد تاريخها، لغة تنتهك فينا حقيقتَنا، وتُخرّب صورَ الأشياء في ذاكرتنا، إنها تمحوها لتُعيدَ رسمَها من جديد، ترسمُها كما لا نشتهي، إنها الشِّعرُ، ذاك النافر من المواضعاتِ، الذي يُحرِّرُنا من يقينِ خيالاتنا، ومن خرافة واقعنا، بل ويُحرِّرُنا من واقع خرافتنا الحياتية الزائفةِ الممزوجةِ بغَفْلةٍ نُعاسٍ، حتى لتبدو خرافةَ حياةٍ تنعمُ بموتِها البطيء، أو هي «وردةٌ بَوَار. هديلٌ نائمٌ على زئبقٍ مّا، وشهوةُ اندِحار»، بل هي «أزمنةٌ من النّوم العتيق. تمشي كقُطْعانٍ من الشياهِ على مياه، أو كأحجارٍ على خطّ السَّهر». أيّ أزمنةٍ بَوار هذي التي نحيا، في «كلّ صباحٍ [فيها] فجيعةٌ وكلّ نومٍ قرار»؟ 
لا يني رفعت سلاّم يطرح هذا السؤال في قصائده ليَخِزَ به جسدَ وعيِنا الجمعيِّ ويُحيِّرُه. إنه يكتب قصائدَ سؤالٍ، والسؤال موقفٌ، والموقفُ حياة لا تصنعُها إلا لغةُ الشاعرِ بكلّ عنفها وعنفوانها، بكلّ خبرتها في الدنيا، وبكلّ عُلُوِّ بلاغتها. وهي بلاغة لم تنشأ في هذه القصائد بكثرة فنون قولِها فحسبُ، وإنّما أيضا بقدرتها على صناعة بلاغةِ قضيَّتِها عند كلّ قارئ، وعند كلّ قراءة. قضيّةُ أشعار رفعت سلاّم هي موت الإنسانيِّ في الإنسان، وهاجسُها أنْ لا تمشي مع القارئ في لحظتِه الزمنية وترى العالَم بعينيْه، هاجسُها أن تسبقه إلى الآتي، لتُوجدَ هناك حيث لا يُوجَدُ هو، تُوجَد بعدَ لحظته المعيشة: «بِلاَ ماضٍ ـ الآن – أعبثُ بالزَّمن المضارِعِ، أُراودُه وأُراوغُه مثل امرأةٍ بلهاء، أشدُّ ذيلَه أو أدعَكُ أنفَه، وأجري أمامَه حتى أختفي في زقاقٍ مُظلمٍ، فيَضيع منّي، فأبكي هَوَاني على الناسِ والزّمنِ اللئيمِ». وإذْ تسبق قصائد رفعت سلاّم قارئَها تُريه بعينيْها ما سيكون عليه تاريخُ مستقبَله، وتكتبُه له: «ظهيرةٌ أبديّة. وقتلى يَسُدّون الشوارعَ (ربّما كنتُ أحدَهم). والكوبُ في الماءِ، والخرائبُ في البومِ، والعواصمُ في الضِّباعِ، وكلُّ شيءٍ في مكانه هادئٌ». وجليٌّ هنا أنّ الهدوءَ الذي سيكون عليه حالُ الأشياء والأحياءِ لا يُحيلُ على سكينة الإنسان واطمئنانه إلى حركةِ واقعه وإنّما هو مُحيلٌ على انقلاب قِيَمه الاجتماعية، وعلى عمومِ الخرابِ في حضارته، وعلى توقُّف زمنه توقُّفَ الموتِ الأبديِّ. وهي حالٌ من الفساد العامِّ صوّرها الشاعر بقوله: «لا موت، لا نشور، هكذا الأرضُ برتقالة قَضَمَتْها العِثّةُ والفئرانُ، وأسرابُ الجراد، برتقالةٌ من رماد، مرميّةٌ تعثُرُ الأقدامُ بها فتركُلها عاوية إلى النسيان الكظيمِ. أيّها الوقتُ الأليم، شوكةٌ في الحلق، سكّين في الظهر، طلقةٌ طائشةٌ في السّديم». 
وعلى وقعِ هذه الجُمَل/الطَّعناتِ، لا يملك القارئ من حيرتِه إلاّ استدعاءَ سؤالِ الشاعر: «أهذه خاتمةُ الأرضِ أم الفاتحة؟ شجرٌ ذاهلٌ يسيرُ نائما. رِمالٌ أُمَّةٌ لها لغةٌ ودِينٌ ولِحى أنيقةٌ. (لها عواصفُ الصحراء أيضا). سماءٌ تُعرّي فخِذَها على الرصيفِ، وأبنيةٌ تمشي ـ كما الأولياء- على الماءِ، وشمسٌ نابحَة. خاتمةٌ أم فاتحَة؟». وغيرُ خافٍ على القارئ أنّ كلَّ جملة من هذا المقطع الشِّعريّ، وكلّ لفظة منه، هي حقلٌ من المعنى، بل قل هي حقل ألغامٍ تحمي الإنسان من عُنفِ اطمئنانه إلى الواقعِ، إنها تفجِّرُ سكونيةَ الواقع من حوله، تُفجِّرُ الواقعَ فيه، وتعودُ تخلقُه من جديد. الشِّعر تفجيرٌ وخلقٌ.

تدبير المعنى

كالأشجار تنمو قصائد رفعت سلاّم في دواوينه عالية متحرِّرة من ثبات أشكالِها من خلال نهوضها على دعامةٍ بناء فنيٍّ تختلف هيئاتُه من قصيدة إلى أخرى، ولكنها تأتلف جميعها في تأكيد خصوصية تجربة هذا الشاعر من جهة، وفي منحِها دينامية كبرى في تدبير معانيها من جهة ثانية. كلّ القصائد فيها فواتح وخواتيم، أمّا متونها فجاءت في شكل فقرات ذات هيئة نثريٍّة تفصل بينها، بإيقاعٍ مِطْواعٍ، لازماتٌ يكتبها الشاعر بخطٍّ سميك. ما يوحي بأنّ للقصيدة جذعا حاملا لمعنى هو مرتكز القول فيها، ثمّ إنّ الجذعَ يتفرّع إلى أغصان هي تفاصيلُ المعنى وهيئاتُه، وعلى الأغصان تَيْنع ثمرةُ ذاك المعنى لتصيرَ مُنْتهى اكتماله. وقد يحدث أن يُوزّع الشاعر الفقرةَ ذاتها إلى متن وهامش، ربما رغبة منه في مزيد تتبع مسارات المعنى، وتفصيله على حدّ ما نجد في قصائد ديوان «حجر يطفو على الماء». هكذا بدتْ لي هندسةُ نصوص الشاعر، أو هكذا يحلو لها أن تبدو لي. 
ومن صُور تلك الهندسةِ ما تجلّى في أولى قصائد ديوان «هكذا قلت للهاوية»، إذْ بُدئت بفاتحة «قتلوني، فانفرطتُ» ثم تحضر فقرةٌ طويلةٌ نقرأ منها «قطارات تعوي، قبائل مدجَّجة، جرّة مقلوبة، صمت يهوي على حجر…»، ثم تعود لازمة «وانفرطتُ» متبوعة بفقرة ثانية منها «صهيلٌ في سهول مّا، عاصفة الصحراء تقصف الخزعبلات الجميلة، رأسي على طبق من الفضّة…» وتعود اللازمة من جديد مع بعض الإضافة فيها «وانفرطتُ: لا ألتمُّ ولا أتبدّد» ، ثم تتبعها فقرة جديدة «أعضائي أغصانٌ تسكنها العصافير ويأوي إليها البومُ والصّرخاتُ ولا مَن يهشُّها…» ثم لازمةٌ جديدة فيها «تلك آيتي» وهكذا دواليك مع بعض التنويع في اللازمة. فما كنتُ سمّيتُه «جذع المعنى» هو ما توزّع على اللازمات في هذه القصيدة وبتأليفه يتكوّن النصّ التالي: «قتلوني، فانفرطتُ، وانفرطتُ، وانفرطتُ: لا ألتمّ ولا أتبدّد، تلك آيتي». وما الأغصان إلا تلك الفقرات النثريّة التي تُفصِّل المعنى وتُنوِّع من صيغِ تركيبه لتخلُصَ به إلى جوهره ومنتهاه «تلك آيتي: قتلوني».

القدس العربي- Nov 17, 2016