عبدالمحسن يوسف
(السعودية)

في ديوانه الجميل «ليس مهمًّا»، الصادر عن دار (الانتشار العربي)، لفت انتباهي شغف الشاعر الشاب طلال الطويرقي بالتعريف، وبصيغةٍ أكثر دقة: إعادة تعريف العالم عبر تكثيف لغوي عميق.. إنه بكلماتٍ قليلة يسعى حثيثًا إلى إعادة تعريف العالم الذي يعيشه ويسكنه ويراه ويتفاعل معه، كأنه ليس مقتنعًا بما تواطأتْ الحياةُ والناسُ على تعريفه، أو بما استقرَّ في الذاكرة من تعريفات بدَتْ له غير ذات معنى.. وكأنه -أيضًا- بات معنيًّا بإعادةِ صياغة العالم عبر «القصائد»، وهي قصائد مقتصدة مشحونة بدلالاتٍ جديدة تديرُ ظهرها لكل تعريفٍ باتَ في حكم الناجز.. إنه كمن يصوغُ عالمًا

مواضيع أخرى

ينهضُ على أنقاضِ عالمٍ قديمٍ لا يجدُ الشاعرُ نفسَهُ تنتمي إليه أو «تستمزجه» كونه -أي ذلك العالم القديم- أضحى مُسْتَهْلَكًا وفارغًا من شحناتٍ دلاليةٍ حيّةٍ خسرها مع مرور الزمن..

إنّ قصائدَ ديوان الطويرقي بمثابةِ تأويلٍ شعريٍّ للحياة ولمفردات الحياة التي يعيش مشاهدها اليومية من دون أن يفرّطَ في جماليات القصيدة وألقِ اللغة.. إننا مثلًا نجده يعيد النظر في مفهوم «الصداقة»، إذْ يكتشفُ عبر تجربته مع الناس زيف ما يُسمّى «الصداقات» مكتشفًا تجلياتها الخادعة؛ لذا نجده يقول: «الصداقاتُ كذبٌ أنيق».. هكذا، وبكلماتٍ ثلاثٍ فقط يعيدُ صوغَ مفهوم «الصداقة» كما لو كان في الوقت نفسه يهجوها ويمزّقُ الأقنعة..! إن الرغبة الملحة في التأويل تملي على أصابع الشاعر رؤىً جديدةً، تغريه بنسف المفاهيم القديمة لتحلَّ محلها عبر صياغة شعرية طازجة مفاهيم جديدة، وهو هنا كمن يقتاد المتلقي من أطراف أصابعه إلى حيث يكمنُ نبعٌ جديد، نبعٌ مختلفٌ عن المتفق عليه أو المستقر في البال معنًى ومبنًى..mobileAd

«إنَّ البكارةَ..

إنَّ الولادةَ..

تأويلُ خوفٍ قديم».

هنا ينسف الشاعر تلك القناعات التي تمَّ التواطؤ بصددها، فالبكارة -وكذلك الولادة- ليسا سوى تأويلِ خوفٍ قديم.. بمعنى أن كل بكارة محض خوف، وكل ولادة مسلكٌ قديم مُعَرّضٌ للشك والمساءلة.. إن شاعرنا مشغوفٌ بالتأويل المغاير لكل تأويل مرّتْ عليه عرباتُ الزمن، فالعمر -مثلًا- ليس محض سنوات تتراكم كما تتراكم الجماجم بعد أن تحطَّ الحرب أوزارها، وهو ليس ارتحالًا عابرًا في الزمن، إنما هو «تداخل تجربتين» في أعماق ذلك الطفل الذي كانه ذات يوم والذي تجاوزه أيضًا:

«العمرُ مرحلةُ التداخلِ بين تجربتين غائرتين في عمقي كطفل»..

إذن، العمر عند الطويرقي ليس تجربةً قائمةً بذاتها منفصلةً عن سواها، بل هو نتاجُ لقاءِ تجربتين تلاحمتا معًا لإنتاجِ حياةٍ جديدةٍ، حياةٍ أخرى، وسعيٍ آخر وقناعاتٍ مغايرة..

إنّ شاعرنا -في جلِّ قصائد الديوان- بدا مغرمًا بالإيقاع، مغرمًا بالنشيد.. وهو هنا يحتفي بالغناء في سياق شغفه بالتعريف أو إعادة تعريف العالم، لذا نجده في أكثر من نص يعيد تعريف «الأغنية»:

ــ «البساطةُ أغنيةٌ»

ــ «العباراتُ أغنيةٌ»

ــ «يدُها صمتُ أغنيةٍ»..

إنه يرى اللغة متجليةً عبر الأغنية وصمت الأغنية، وكأنه بات على قناعة بأن بمقدور الأغنية أن تفسّر الكثير من مفردات الحياة ومفردات المعجم ومفردات أرواحنا أيضًا، من دون أن يغفل عن بناء صورة شعرية جديدة، خاطفة، ومدهشة: «يدُها صمتُ أغنيةٍ».. في هذا التأويل -أو التعريف- ليد المرأة التي يهوى ويعشقُ، محاولةٌ فاتنةٌ لرسم لوحةٍ عذبةٍ، وهي في الوقت نفسه لوحة متعالية وعصية على الشاعر ذي الموهبة الفجّة، لكنها في الوقت عينه تعطي دلالةً عميقةً على أن طلال الطويرقي شاعرٌ حقيقي بدليل إمساكه بهذه الصورة المغايرة التي لم يسبقه إليها أحد، و«المغايرة» عندي تعني أن الشاعر الحق لا يستنسخ تجربة سواه ولا يجترُّ صوره ولا يحتذي لغته ولا يعيد إنتاجها..

إن شاعرنا الطويرقي مسكون دائمًا بمفردة «الغياب»، كأنه باستحضارها الدائم في نصوصه ينفيها ليسجل نقيضها الذي يحلم به، ألا وهو «الحضور».. وكأنّ حضور الذات في النص حضورٌ في المكان، أوليس شاعرنا موزعًا -منذ طفولته- بين المدن والأمكنة؟ حيث الولادة في قرية «طويريق» بالطائف وهي قرية جميلة تغفو هادئةً في نسائم الجبال العالية، غارقةً في بساتين الكروم والرمان -أو هكذا كانت-، وفي مكة المكرمة كانت الإقامة الطويلة حيث الدراسة وحضور الأهل ودفء العائلة، وفي «الخُبَر» بالمنطقة الشرقية حيث العمل واقتناص رغيف العيش العصي دائمًا على المسكونين بالجمال والشعر والفن والأماني النظيفة.. لهذا نجد مفردة «الغياب» -في نصوص الطويرقي- خاضعةً لتعريف مغاير، لتعريفٍ شعريٍّ مدهش، إنه ليس «غيابًا» تافهًا بل هو «الغياب» الذي يسجل «حضورًا» جماليًا في فضاء النص:

«الغيابُ..

قصائدُ تشربُ دمعتَها

مثل عيني غريب»..

أو هو الغياب الذي يأتي مرادفًا لاقتراف إثمٍ ما، كما يتجلى هنا:

«الغيابُ،

يدٌ آثمة»!

إنها صورة فريدة، مدهشة، ممعنة التحليق في فضاء الشعر الخالص، الشعر الذي لا يتماثل وما يقترحه علينا الواقع، أو ما تمليه على أصابعنا الحياةُ البليدة..

إن شاعرنا يذهب إلى «المفردة»، المفردة الراكدة، ليحررها من معانيها المستقرة، وذلك عبر اقتناص تعريف شعري جديد لها، يعيدها إلى الحياة أكثر حياةً وحيويةً ونضارةً وجمالًا.. مثلًا مفردة «الغبار» مفردة بشعة تحمل في معطفها الناشف قبحًا وجدبًا، لكنّ الطويرقي ينجح في تحريرها من كل هذا، دافعًا بها صوب أفقٍ دلاليٍّ آخر، أفق طازجٍ وخصيب، ألمْ يقلْ:

«الغبارُ،

دموعُ البيوت»..

بهذه البراعة الشعرية يستحيل «الغبار» في نص طلال ماءً، ماءَ حزنٍ تحديدًا، حيث صيّره دمعًا، وهو ـ بعد أن كان ترابًا ناعمًا يعمي العيون ويحجب الرؤية- استحال دمعًا تعبّرُ به البيوتُ المهجورة عن مكامن النفس وحرقة المشاعر وفداحة الفقد والغياب.. ولست أدري لماذا تذكرتُ هنا تجليًّا من تجليات جلال الدين الرومي الباهرة، وهي:

«الدمعُ دمٌ،

حوَّلَهُ الحزنُ ماءً»..

لقد أدهشني طلال بهذه الصورة الجديدة الطازجة: «الغبارُ دموعُ البيوت»، إذْ فتح أعيننا على بيوتٍ تفيضُ جدرانُها غبارًا، وهو ليس بغبارٍ، وإنما دمعٌ أنتجه نحيبُ البيوت وبكاءُ الجدران على الغائبين..

وإذا كان دمع البيوت هنا في هذا المقطع يحمل دلالة انكسار أو ضعف أو رقّةٍ، فإنه في موضع آخر يستحيل على يد الشاعر نفسه دلالةَ قوةٍ وقسوةٍ وسطوةٍ، فهو يرى أن «الدمعةَ سهمٌ».. إنها الدمعة الباطشة، المقتحمة، التي تزيح عن الدمع معنى الرقة والهشاشة والضعف والانكسار..

إن الطويرقي -كأي شاعر حقيقي- مسكون بالجمال، وجمال المرأة تحديدًا يستحيل على يديه رمزًا عاليًا للجمال الفذ والفتنة المشتهاة، فهو في أحد المقاطع يرى أن «البياضَ امرأةٌ»، وهو بهذا الصوغ اللغوي الفريد يختزل البياض بوصفه رمزًا للبراءة والطهر في المرأة، إنها تجسيد باهر لكل هذا معًا، وهي -في نطر شاعرنا- ضوءٌ بكل ما في الضوء من دلالاتٍ إشراقية، أو نورانية عميقة تعني السطوع والصفاء والنقاء، حيث تدخل القلب من دون أن تطرق بابًا أو تخلع نافذةً.. يقول طلال:

«إن الأنثى ضوءٌ

يعبرُ هذا القلب»..

إذن، هل مسّكم جمال هذا المقطع؟ هل مسَّ أرواحكم مثلما مسني؟

أخيرًا أقول: إن الطويرقي في ديوانه «ليس مهمًّا» لم يكتفِ بصوغ تعريفٍ جديدٍ لمفردات الحياة والمعجم معًا، بل سعى حثيثًا إلى صوغ تعريفٍ جديدٍ وباهرٍ للقصيدة التي يكتبها بحبر القلب وحرقة الروح، إن القصيدة -وفق تعريفه الشعري المدهش-:

«حلمٌ صغيرٌ

على مرفأ القبلةِ الدافئة»..

وإن «القصائدَ..

ماءُ مواعيدنا»..

إنه بكلمات ٍ مقتصدة يبدع عالمًا شهيًّا جميلًا رائعًا في مواجهة عالم ٍ قبيح.

عكاظ - ٢٨ يناير ٢٠١٧