علي حسن الفواز

(العراق)

Ali

  لاشك إن مشاطرة الشاعر شاعراً أخر في قراءة النص وتفكيك منظوماته وإحالته إلى فضاء آخر قد يوحي بالتجريد أ والأوهام أو التأويل، ستكون بمثابة محاولة لإعادة تشكيل النص الشعري وأنسنته وربما إ0لقاء الأسئلة أمام الانغمار في روحه الكونية . إذ تتحول هذه القراءة/ المشاطرة إلى لعبة كشف وبحث في الطين الحري للنص ورغبة عميقة لتجاوز تخوم الأشياء المكشوفة التي يحويها أي نص مبذول، لكن المشاطرة هنا تبدو وكأنها محاولة في النبش والتعرف على الجوهر السحري للشعر، خاصة حينما يكون الشاعر الآخر من النوع الباعث على التوريط والقلق وصناعة الأسئلة...، فالشاعر لا يقرا ببراءة ولا يترجم ببراءة وهو لا يجمع مقذوفات البحر بل ينتقي منها الجوهري واللامع وغير الطيني.. من هذا التوجس حاولت أن اقرأ ترجمة الشاعر شاكر لعيبي لكتاب الشاعر الفرنسي رينيه شار الموسوم (مشاطرة شكلية) الصادر عن منشورات المجمع الثقافي سنة 1995 ليس لان (شار) شاعر مسكون باللغة والتمرد والانحناءات الحادة على توهجات المعنى لكنه شاعر يتيح للقارئ أن يمارس لعبة كرة المرايا المتعددة في تشظيه القراءة وإعادة إنتاج المعنى والفكرة والصورة.. وهذا ما جعل الترجمة نوعاً أخر من الصياغة الشعرية لشاعر ينحني على (لغة شعرية مغايرة عليها ان تتضمن الفكر ذاته)كما يقول المترجم ص 3

يضم الكتاب مقدمة طويلة للمترجم يستعرض فيها الكثير من الطروحات التي تعنى بالترجمة الشعرية وخصوصية رينيه شار في الشعر الفرنسي وتعدد الترجمات العربية له .. ويضم كذلك نصوصاً تجمع بين النثرية والشعرية بدءاً من (آرثر رامبو- آبهة- نهر السوروك –في نخب الأفعى) وانتهاء ب(–مشاطرة شكلية –صحائف هيبنوس )

أن تقديم رينيه شار على أساس تفرده في الشعر الفرنسي لا يقابله تقديم مهارة في الترجمة فحسب، وإنما تقديم تصورات جمالية عن فضاءات الشاعر وهو يعيد تأثيث العالم بالدهشة ويمارس عليه نوعاً من السلطة (القاموسية )التي تكتنز بالروح و(الحماس ) وتدفعه (ساحبة معها ظلالاً من غموض كثيفة) ص 16 .

إلى عالم يحارب قبحه وأحزانه بحثاً عن (تخوم بعيدة لغوية ووجودية) ص 3. لقد قدم لنا المترجم والشاعر شاكر لعيبي فهماً شعرياً شفيفاً لعوالم رينيه شار وتحولات لغته ودقائقها وأفعالها وهي تعيد تشكيل نفسها خارج مضامن الشكل والمكان والزمان وحتى المعنى المباح والقريب من قشرة اللغة ، فالشاعر رينيه شار يقول بما تقوله الرؤيا وما يحدس به وعيه الناقد الذي يحيله دائماً إلى فضاءات التأويل في إشارة منه إلى إن عبقرية الشعر تكمن في (احتشاده بالتفكير) ص 5

وفي قدرته على عصر الأشياء وتخليصها من سهولتها الباردة والمكشوفة باتجاه (اندغام أخر بالمجهول الكوني) ص15 وإذا كان المترجم قد قال بأن الترجمة تبحث عن حياد، فأن الشاعر المنطلق لايمكن حصره في هذه المنطقة وتأطيره بالشكل والضرورات، إذ تتحول الترجمة هنا إلى محبس لتلمس ما يهجس به التأويل في سيولته الشعرية، فالمترجم يقف بين خيارين (أما الخضوع لمنطق لغة الشاعر أي اللجوء للحرفية، وأما التفكير بالطرائق العربية وبمنطقها، أي منح التأويل أوسع حيز ممكن) ص 16. وها ما يفضي بالشاعر الغائر في لبوس المترجم للكشف عن صعوبة ترجمة (شار) دوت تلمس جوانيته النصية وكأنه بهذه الإشارة يعمد إلى توكيد إن ترجمة الشعر خارج بيئته هو وظيفة صعبة لان هذه الترجمة لا يمكنها مراقبة كل الفضاء الشعري الذي يتحرك أمامه مرة واحدة، وهذا ما يجعل ترجمة شار تنحو إلى التأويل وتنحو إلى معرفة كل عوالمه وحتى مبذولاته، فهو يعيش في وجوده شعراً ويرتبط بمكونات عالمه المعرفية والثقافية والفلسفية في إطار ما تحرضه على الشعر مثلما ارتبط مع حركات الأدب التي انفعل معها (شار ) خاصة أدب المقاومة و الشعرية الغنائية والحركة السوريالية بمحمولها التمردي على عالم الواقع ..

ان المترجم قد وضعنا بترجمته الجميلة أمام فضاء من النصوص الشعرية التي تنتمي للماضي والحاضر لكنها نصوص خاصة ب(رينيه شار) الذي يمنحنا الدهشة والسحر حتى في نسقه الترجمي.. في نص (آرثر رامبو ) تبدو شعرية رينيه شار وكأنها على صلة وثيقة برامبو .. فهو أثير لديه ويضعه في مصاف شعراء الحضارة والروح الإنسانية، يؤسس للأشياء مستقبلها، فيقول عنه (الشاعر الأول محاضرة لم تطلع بعد حضارة آفاقها وحواجزها ليست سوى قش عاصف – ها هنا تجربة من اجل إعادة قول مفهوم (موريس بلا نشو ) عن الكلية – تتأسس في المستقبل، ومكفر عنها في الحاضر وليس لها سوى سلطتها، لكن لو كنت اعرف ما يشكل رامبو بالنسبة لي، فلسوف اعرف ما هو الشعر أمامي ويمكن أن لا اكتبه بعد) ص42 وفي نصوص مشاطرة شكلية يعمد المترجم إلى توصيفها بالقصائد والتي يقول عنها بأنها (تكشف عن وجهي شار المزدوجين الشاعر مفكراً والشعر منثوراً أو النثر وقد انداح في أفق الشعر سيان لقد مارس الأنواع الشعرية المتاحة في لغته ، القصيدة المنثورة ، نثر البدا هات أو الحكمي، البيت الشعري أي الوحيد، المقطع الشعري القصيدة المسجعة وغير المسجعة) ص 4 وهذا التعدد في شعرية (شار) يؤكد أن الشعر لا حدود له ، وان الترجمة تفقد حيادها أحيانا أمام النص متحولا أو أنها جزء من (نار خلق)ص5 الأشياء الذي يتماهى في (إن فعالية شار الشعرية المتنقلة من رحب إلى رحب ومن حقل في القول إلى آخر تستوجب بداهة مقدرة رفيقه على تطويع اللغة واستثمار الخصائص التي تضعها تحت تصرف الشاعر)ص 6 .أن (مشاطرة شكلية) تقدم نصاً مكثفاً يجعل منه المترجم موضوعاً للحديث عن (مجاورات) في الكتابة الشعرية – اللغوية – الأخلاقية ويجعل من مقاطعها عالماً يحتشد بتأمل عميق يجوس فيه بواسطة الأسطورة والفلسفة وكأنه فيها يجعل النص فضاء لا حدود له وان سلطته هي سلطة الشاعر الذي يفلسف علاقاته مع الأشياء (على الشاعر أن يمسك الميزان بالقسطاس بين عالم اليقظة الفيزيقي وبين بطل النعاس المخيف، خطوط المعرفة التي ينيم الشاعر فيها الجسد الحاذق للقصيدة، متأرجحاً بلا تمييز بينها في حالتي الحياة هاتين المختلفتين) ص58. وفي نص (صحائف هيبنوس) قدم لنا المترجم وعياً قرائياً بماهيات الكائن التاريخي واللغوي و(هو يواجه حقيقة الموت والبطولة) إذ إن النص كتب خلال سنوات المقاومة 1943- 1944 فضلا عما يحمله هذا النص من معالم يجعل قوة الكتابة أمام حقائق الفكر والوطنية وبما تجعل قراءته نوعاً من التأمل العميق (بمعنى أن المترجم يختار نصاً، كتابة نثرية بسبب ملاءمتها لهوى، لغرض ودوافع يمكنه ان يتطابق في لحظة من اللحظات مع قراء لغته كما مع نفسه فنحسب إن ترجمة هذا النص عينه يمكنها أن تجيب على سؤال علاقة الأدبي بغيره، ولو من زاوية أخرى، تهم قراء العربية بسبب كثرة النقاشات حولها، انه نص يقدم دروساً في ذلك يستطيع القارئ لوحده اكتشافه دون تدخلنا) ص 31

ان هذا الكتاب يمنحنا إحساسا بدفء الشعر برغم صعوبة ترجمته وصعوبة نقل عوالم الشاعر من بيئتها إلى عوالم أخرى .. لكن المترجم الشاعر حافظ على الكثير من الخصائص اللغوية – الشعرية –الغنائية والتي أرادها أن تكون حميمة وفاعلة وذات حركة تنطلق من تعدد الرؤى وأساليب وقوة الفكر. وهو ما جعله قريباً من عالم رينيه شار الشعري خاصة في ترجمته للقصائد الغنائية والمحتفظة على هذه الخصيصة .. أن هذه الترجمة 00ألقتنا أمامنا سؤالا مرعبا وربما قديما حول كيفية ترجمة الشعر؟ وهل يمكن الحفاظ على توجهات الباطن الشعري في هذه الترجمة ونجد إن الشعراء أكثر دقة على أداء هذه المهمة لأنهم قريبون من فضاءات الشعر وأكثر قدرة على التعاطي مع تأويل البيئات الشعرية وبنياتها بما يجعل الشاعر المترجم على صلة وحركة هي ذاتها صلة الحياة والكشف التي تجعلها دائماً في (الأرض الحرجة ) .