-"مِنُ السُّرّة حتّى العُنُق"-

حياة الخياري
( تونس)

إلى الأخت إيمان العبيدي
"أخبريهم أنّ زمننا أمِّيٌّ..،
لا يُحسن سوى التّعرّي !"

حياة الخيارييقول محيي الدّين بن عربي في " مَنْزِل الرُّّمُـوز": "..ومِنه "مَنْزِل الأرْض الواسِعة"، ولمّا دَخلتُ هذا المَنْزلَ وأنا بِِتـُونـس وَقَعَتْ مِنِّي صيْحةٌ ما لي بها عِلْمٌ أنّها وقعتْ مِنّي، غير أنّه ما بقي أحدٌ مِمّن سمعها إلاّ سَقط مغشيًّا عليه، ومَنْ كان على سطح الدّار مِن نسـاء الجيران مُسْتشرِِفًا عليْنا غشي عليه، ومنهنّ مَنْ سقَط مِنَ السّطُوح إلى صَحْن الدّار عَلـَى عُلُُـوِّهَــا ومَـا أصابَهُ بَـأْسٌ..."

* مقدّمـة :

هل من المُنصف الحديث عن الحروب والثذورات من داخل غرف مكيّفة ومن على أبراجٍ مشيّدة؟
سؤال قد يطرحه كلُّ مُكتوٍ بنار الواقعة، بل يضيف إليه تساؤلا عن مدى نجاعة الكتابة في خضمّ الأحداث العربيّة المتلاحقة تلاحقا ملحميّا حينا ودراماتيكيّا أحيانا لا سيّما إذا ما ارتبط بانتهاك لكلّ القيم الإنسانيّة والأعراف الاجتماعيّة.
الآن وهنا، على الحدود الجنوبية الشرقية لتونس مشهد يكرّر نفسه مع "نساء الجيران" -على حدّ عبارة ابن عربي- ولكن بمأساويّ أشدّ. على مرمى حجر منّا في الضّفة الأخرى من الحدود اللّيبيّة فتيات ونسوة يغتصبن في مدن (طرابلس) و(الزّاوية) و(اجدابيا) و(زوارة) و(مصراتة) وبعدهنّ فتيات الجبل الغربيّ من (الزنتان) و(نالوت). معظمهنّ اخترن الصمت وغيرهنّ الانتحار، وأخريات هرعن إلينا "هاربات بشرفهنّ" حسب التّعبير المتاوتر على ألسنتهن وعلى ألسنة رجال أودعوا الجنوب التونسيّ "الأمانة" ليعودوا أدراجهم إلى جبهات القتال.
هؤلاء الإناث هنّ مصدر الإلهام الأوّل لكتابة هذا المقال بما يعتوره من انفعالات متداخلة. من وراء حجابهنّ تبرز ملامح جبليّة عنيدة تأبى الانكسار. من الصّعب أن تكشف امرأة الجبل عن خبايا ضعفها أنا أكثر من يتفهّم تلك الملامح الضّاجةّ بصمت ثوريّ يجمع بين الغضب المكظوم والرّغبة في الانتقام.
مزيج من المشاعر يذكّرنا بأبيات لأبي القاسم الشّابي أقلّ تواردا على الألسن هذه الأيامن على ما فيها من حكمة، يقول في قصيدة (إلى طُغاة العالَم):

" ألا أيّها الظالم المستبدّ * * * حَبيبُ الظّلام عدوّ الحياهْ (المتقارب)
سخرْتَ بأنّاتِ شعْبٍ ضعيفٍ * * * وكفُّكَ مخضوبةٌ من دِماهْ ?...?
حذار! فتحْتَ الرّماد اللّهِيبُ * * * ومَنْ يَبْذر الشّوكَ يَجْن الجِراحْ
تأمّلْ! هُنالكَ.. أنّى حصدْتَ * * * رؤوسَ الورى، وزُهورَ الأملْ
ورَوَيْتَ بالدَّم قلْبَ التّراب * * * وأشْرَبْتَهُ الدّمعَ حتّى ثملْ
سيَجْرفُكَ السّيلُ، سيْلُ الدّماء * * * ويأكُلكَ العاصِفُ المُشْتَعِلْ ."(1)

لعلّ أبيات الشّابّي الموجّهة آنئذ إلى المستعمر الفرنسي والمؤرّخة بـأفريل سنة (1934) هي بعض ما ينطق به لسان حال إيمان العبيدي بملامحها الصّاخبة في الصّورة أعلاه وغيرها كثيرات وكثيرون.
ماذا يفعل ما يسمّى "الباحث الأكاديميّ" حيال هذا الكمّ الهائل من الدّمار النفسيّ والجسمانيّ المحيط به؟
هل يعتكف على نظريات نقديّة مستوردة احتفظ بها أصحابها منذ حقب في ثلاجات التاريخ ليسائلها تفسيرا لما يحدث حوله؟ أم يغلق عليه باب غرفته الكئيبة ليتابع الأحداث من وراء حجاب العوْلمة، باسم ما تقتضيه مهنيّة الأكاديميّ من "حياد والموضوعيّة" ؟
أم ترى صفته الإنسانيّة وهويّته الثقافيّة تفرضان عليه النّزول إلى جحيم الأحداث الثورية بشتّى تقلّباتها؟
إنّ العمق الإنسانيّ لأيّ كاتب فضلا عمّا يجمعه بأصحاب المشهد الثّوريّ من وحدة الانتماء الثقافيّ لغة وعقيدة، تارخا وواقعا ومصيرا، جميعها معطيات تفرض حاجة ملحّة إلى إيجاد موطئ قلم بين الأحداث المتسارعة على "أرض الواقع"، في محاولة لترميم جسور الثقة بين "النظريّ والعمليّ".
من زاوية الالتقاط تلك يتيسّر لنا فتح "سيمياء الجسد الرمزيّ" على "تراجيديا الوقائع الآنية."
في الحروب كما في الثّورات يطرح المشهد نفسه كل مرّة وتتكرّر الآمال مثخنة بالآلام:
هنا بين جبلين: بين جبل غربي لليبيا وجبل شرقيّ لتونس نقف الآن حيال ما يمكن أن نعبّر عنه بـ"الجسد الثقافيّ" لنطرح المسكوت عنه من زاوية التقاط إنشائية رمزيّة حروفيّة، نقف حيال أيّ جسد رمزيّ عارف لنسائله عن موقعه ممّا يحدث حوله مستحضرين سؤال أدونيس في قصيدة (سِجّيل 1999):

" أَيْنَ تَقِف الآنَ ؟
مَعَ جُوبِيتِر، أَوْ مَعَ إلاَهَاتِ المَاءِ و الشَّجَر؟
مَعَ الذُّكُورَةِ وَ الأُنُوثَة؟ أَوْ مَعَ الخُنُوثَة ؟
وَمَا التَّحَوُّلاَت الّتِي تكْتُبُهَا الآن ؟ "(2)

لتقديم أبعاض أجوبة لا مفرّ من المشي على أرض زلقة ملأى بالمخاطر والمحاذير. إذ لا يخفى أن الخوض في علاقة الجسد بالرّاهن العربي ينذر باقتحام الممنوعات الثّلاثة أو"التابوهات" المتعارف عليها:
الجنس والدين والسياسة. مع ذلك لا نرى حرجا في المغامرة. فمن لا يتحلّى بقدر من الجرأة لا يمكنه قول الكثير في ضوء ما يشهده الواقع العربيّ من متغيّرات جذرية مفصلية.
فهل من طريق جديدة ينزل بها هذا القول الرّمزيّ المصنّف "لغة عُليا" (haut langage) –حسب (ملارمي) (Mallarmé)، إلى جحيم الواقع العربيّ الراهن، عساه يواكب ربيع الثّورات بعد أن تخلّف عن مواكبة خريف الحروب ؟
أوّل محكّ تُختبر عليه مدى نجاعة الكلام الرّمزيّ جسدٌ نسائله عمّا إذا كان قابلا للتّفعيل الإيجابيّ في مطلق الأحوال وأيّا كانت الظروف؟ ذاك الجسد الذي كثيرا ما تمدّد على صفحات القصائد والرّوايات التماسا لقراءة –أو ربّما أكثر من مجرّد قراءة-، ذاك الجسد الذي مثّل في معظم أدبيات الإبداع العربيّ المعاصر عنصرا مكرّسا لاغتراب الذات عن موضوعها والمُواطن عن مشاغل وطنه، نسائله الآن عن مدى التّماسّ والتّفاعل الحاصلين بين كلّ من الحسيّ الشّهوانيّ، والواقعيّ الثقافيّ المعيش.

* * *

* الحرف الرّمزيّ بين الجسد و الواقعة:

قد يتوهّم البعض أنّ الانصراف إلى تناول موضوع الجسد في خضمّ ما يعتمل في الواقع العربيّ من أحداث مصيريّة هو ضرب من التّهميش لقضاياه، إن لم لنقل –تجوّزا- "تمييعا" لها. بيد أنّ هذا المنحى في التفكير يطرح معضلة طالما عاناها المواطن العربيّ والمثقّف تحديدا ألا وهي الازدواجيّة بين المصرّح به والمسكوت عنه حتّى لا نقول غياب التواصل بين القول والفعل لا سيّما في موضوع الجسد، إذ يتراوح الموقف المعلن عادة بين الترهيب والتّغييب. لعلّه تغييب للجسد دون وجه حق لا اجتماعيّا ولا دينيّا وليس السياق مناسبا لاستعراض الموروث الاسلاميّ في هذا الباب وما اتسم به أجدادنا من شفافيّة وصدق وجرأة في تناولهم موضوع الجسد غير معزول عن الظّروف الحافّة به حتّى في أشدّ المواقف حميميّة(3) ، مؤكّدين على أنّ حديث الجسد لا يُمكن أن يُفهَم بعيدا عن أحواله وهو ما قصدناه تحديدا بتناولنا لـ"الجسد الثقافيّ" باعتباره امتدادا إنسانيّا لـ"الجسد الحسّيّ" تأثيرا وتأثُّرا.
كلّ ذلك انطلاقا من مركزيّة وجود الجسد، وقد عرّفه الدكتور عبد الرّحمان بدوي بقوله: "الجسد هو الحقيقة الأساسيّة التي نستطيع إدراكها في العالم، فهو يتّصف بالحضور والقرب والامتلاء والحياة، وفي الإنسان وبه وحده يصبح كلّ ممكن واقعا، لهذا فإنّ إهمال الوجود الإنسانيّ أوتغافله معناه الغرق في العدم."(4)
حقيقة لم تغب عن آليات توظيف الجسد فنيّا وأدبيّا.
ليس الجسد غاية بقدر ما هو "منطقة استثمار". تلك بعض الحقائق المشتركة بين الرّؤى الصّوفيّة والأدبيّة والفلسفيّة أيضا، إذ ذهب (ميشيل فوكو) (.Foucault) إلى القول بأنّ "الجسد ليس لعبة وإنّما هو مكان استثمار، سواء أكان هذا الجسد جسد الطّبيعة أوالمجتمع أوالفرد، هذا الجسد هو الذي وقعت محاصرته وحسبان حركته في المكان والزّمان بخطوط الطّول والعرض والاستدارة والوزن والكتلة، بغية مراقبته وإخضاعه. إنّه موقع المعرفة والرّغبة والمصلحة. فلابد أن يكون محلّ نزاع وصراع".(5)
ولمّا كان الجسد وعاء معرفة وتفعيلا لصراع وجب استجلاء أوجه التّفاعل بين شكل تلك المعرفة ومضمونها دون التّغاضي عن ظروف إنتاجها حتّى يتسنّى لنا الوقوف بعدئذ على مخوّلات التنازع والتّصارع على ذاك الجسد، ومن ثمّ كيفيّات انعكاسها على ظواهر الإبداع ثقافيّا وفنّيا. لقد اجتذبت الرّؤى الفلسفيّة لـ"فيزياء" الجسد أنظار بعض الشّعراء المعاصرين فرتّبوا خياراتهم الفنيّة على اعتبار مراعاة التّناغم بين المعنى والمبنى، أي بين الجسد المنظوم شعرا وآليّات نظمه. ورأوا الكتابة الرّمزيّة فضاء للتّماهى بين كيان الحرف وكيان الجسد من خلال مساحة رمزيّة قادرة على أن تعكس رؤية للعالَم. في نقطة التّلاقي بين الحَرف والجسد تولد كينونة الأنثى- الحادثة التاريخيّة: امرأةً ووطنا. في هذا المقام يحتلّ حرف الزّاي محلاّ من وقائعنا التاريخيّة الرّاهنة، وقد اختاره الشّاعر أديب كمال الدّين زاوية التقاط رمزيّة لحال الجسد الأنثويّ وما يتعرّض له من إرباك وانتهاك أثناء الحروب، مقدّما إيّاه في صور إيحائيّة تضع الحسيّ على محكّ الإيديولوجيّ. وأنسب الأمثلة قصيدة "ارتباك الزّاي" التي تقدّم تعريفا مجملا بالملامح الرّمزيّة للحرف، يترجمه قول الشّاعر:

" كَانَتِ الزَّايُ وَاضِحَةً
وَ بَسِيطَةً حَدَّ الارْتِبَاك ،
سَاذجَةً كَخَرْبَشَاتِ طِفْل
لَكِنَّ نُقْطَتَهَا تُشِيرُ إلَى فَوْق ..
فَوْقَ مَاذَا ؟
وُجُوه دُونَ مَلاَمِح
وَرُؤُوسٍ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا اللَّذِيذ
فَوْقَ مَاذَا ؟

فَوْقَ نِسَاءٍ ضَائِعَات: عَوَانِس وَ أَرَامِل ."(6)
رغم سلاسة اللّهجة المحتفية ببراءة حرف الزّاي فإنّ النقطة بإشارتها "إلى فوق" تضعنا في صميم الخلفيّة التّاريخية التي تحرّك فيها الحجّاج بن يوسف "بقطفه لما أينع من رؤوس الثّائرين". وهو تاريخ تعوّد على أن يعيد نفسه في حروب واكب الشّاعر بعضها من ساحات المعارك، وها نحن نواكبها من ساحات التغيير وميادين التّحرير. لئن احتلّت الأنثى في سياقنا الشّعريّ بؤرة التّكثيف الرّمزي فإنّ أبرز الرّموز المحمَّلة في قصيدة "ارتباك الزّاي" نموذج المرأة ضحيّة الحروب.
وأخفّ النّماذج وطأة، نساءٌ أهدرت الحروبُ أنوثتَهنّ حين ذهبت برجال طحنتهم المعارك المتلاحقة والهزائم المتعاقبة فتُركن "زايات" مرتبكات من دون "ألِفات"، وإيّاهنّ قصد الشّاعر بقوله: "نساء ضائعات: عوانس وأرامل". أمّا أشدّ النماذج مأساويّة فنساء ألقت بهنّ الحروب على الممرات مستبيحة أجسادهنّ لدخان العابرين وبراثن العابثين. في هذا السياق يتقاطع جسد المرأة مع جسد المكان (المدينة-الوطن)، فيكون "ارتباك الزّاي" أشدّ وآلم، إذ يضيف أديب كمال الدّين مبيّنا أوجه التفاعل بين الجسد والمكان:

" كَانَتِ الزَّايُ مُدُنا جَدِيدَةً
بِنِسَاءٍ تُركْنَ فِي المَمَرَّاتِ
للزَّمَنِ يَأْكُلُهُنَّ
وَيُحَطِّم أثْدَائِهنَّ
تُرِكْنَ للزَّمَنِ يَسْحَقُ أَفْخَاذَهُنّ
بِسَيّارَتِهِ ذَاتِ الدُّخَان الأَسْوَد
و هُنَّ يُوَلْوِلْنَ
و يُوَلْولْنَ.
و يُوَلْولْنَ."(7)

بين أنثى أعدمت الحروبُ أنوثتَها وأنثى استباحت الثوراتُ المضادّة جسدها، ينعكس ارتباك الزّاي على إيقاع القصيدة بالنّشيج والولولة مكتوبة ومقروءة، في محاكاة صوتيّة يوقّعها تكرار عبارة "يولولن" فضلا عن صيغة "فعْلل" الدّالة أصلا على تكرير الفعل. وما الإيقاع الرّمزيّ في واقع الحال إلاّ رجع صدى لأصوات مدن تئنّ تحت أزيز الدّبّابات ودخان القنابل. بيد أنّ أبرز ما يلفتنا في المقطع الشعريّ السّابق سطره الرّابع وتحديدا كسر همزة "الأثداء" في الإسناد الفعليّ: "يحطّم أثدائِهنّ"، إذ يُفترض في الهمزة النّصب على المفعوليّة: "يحطّم أثداءَهنّ"، حتّى لَيكاد القارئ يتوهّم للحظة أنّ الشّاعر قد وقع في خطأ لغويّ لو لا يقيننا بأنْ لا مجال لاعتباط حركة الحروف في قصيدة رمزيّة يكتبها شاعر حروفيّ ويتأوّلها قارئ يعايش حالا ثوريّة.
فما وجه الارتباط بين كلّ من الجسد الرّمزيّ ، والحرف النحويّ، والواقع الثّوريّ؟
* * الرّمزيّ ،والنحويّ، والواقعيّ : "المعيار" على محكّ "الحقيقة" :
لا نجد للإجابة عن السّؤال سالف الطّرح أيّ مسوّغ نظريّ معياريّ، بل لعلّه مثير لتهكّم الكثيرين لا سيّما الأكادميّين. لكن لو دقّقنا النّظر في إرثنا اللّغوي والأدبيّ فإنّ السّؤال ذاته يحظى بعناية ويجد له محلاّ من التأويل، إذ يضعنا أمام ثنائيّة "نحو الفطنة" و"نحو الفطرة"، ويذكّرنا بفلسفة المعرّي في المسائل اللّغويّة، ومقاربته التي تثق بصدق الأَعراب وتتبرّم من زيف الإِعراب. يقول أبو العلاء مكذّبا النّحاة: "كذبت النّحاة: إنّها تعلم لِمَ رُفع الفاعل ونُصب المفعول: إنّما القوم مُرْجَمون، والعلْم لعلاّم الغيوب."(8) غير أنّ نظرة المعرّي التي أراد لها أن تكون فلسفيّة في جوهرها لم تفلح في التّجرّد ممّا أحاط التّأنيث من استضعاف يعود أصلا إلى قابليّة حركات الإعراب للجَسْدنة، لذا وجب التّوضيح بقوله: "ولمّا حصلت الضّمّة في تاء المتكلّم لم يكن بدّ من الفرق، فآثروا المخاطَب المذكّر بفتح التّاء لأنّ المؤنّث أوْلى بالكسر."(9)
أمّا لماذا اعتبر المؤنّث أولى بالكسر، فذلك متروك للرّاهن المعيش وللكتابة الإنشائيّة، لعلّها فسحة للشّاعر والقارئ معا، وقد حرّرها المعرّي من ربقة التّقنين النّحويّ والمنطق الفلسفيّ في لهجة لا تخلو من تهكّم: "لا يسخط عليك اللهُ والمَلَكان، إذا لمْ تدْر لِمَ ضُمّت تاء المتكلّم و فُتحت تاء المخاطَب."(10)
بذلك يكون اجتهاد المعرّي في تعليل اختصاص المؤنث بالخفض والكسر، من قبيل ما يخرج به المبدع من مستوى لغة النّحو وقواعده إلي مستوى الكلام الإنشائيّ وما يزخر به من رموز وإيحاءات، احتلّت الحروف جانبا كبيرا منها. ولا تخلو هذه النّظرة من سند عقليّ معتبرة أنّ المعاني اللّغويّة التي وسمت بها حركات الحروف كانت سابقة على التقنين النّحويّ المعيّاريّ، وفي هذا السّياق ينقل ابن عبد ربّه عن الأصمعيّ قوله: "قلتُ لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إنّي إذا لرَجل سوء! قلتُ له: أفتَجُرّ فلسطين؟ قال: إنّي إذا لقويّ. قالوا: وإنّما قال ذلك لأنّه لم يعرف من الهمز إلاّ الضّغط والعصر." (11)
وإذ تجمع رمزيّة همزة الجسد بين ما لحق بفلسطين من جرّ وما قد يطال همزة إسرائيل من ضغط وعصر، فإنّ سياقها الإنشائيّ قد انفتح بها على محاورة الجسد الحسّيّ بعد أن غلّب نحو الفطرة على نحو الفطنة ممّا وفّر لها قدرا من الأريحيّة خفّفت عنها نوائب الزّمن لا سيّما إذا ما طفت على همزة رأسٍ صوفيّ مفعم بروح إيمانيّ تختزلها رمزيّة الألِف في قصيدة اختار لها أديب كمال الدّين عنوان (الموكّل بفضاء الله)، فيها يخاطب الذّات الشعريّة مواسيا:

" أيُّها الألِف
سيشْتُم همْزَتَك شاعِرُ الملوكِ الظّلمة،
وسيحاولُ أن يعضّها
-وهو في قمّة الهيجان والوحشيّة-
الوغدُ المغربيّ
المدرَّب على الشّتْمِ والقذف..."(12)

لا يبدو الاختلاف جوهريّا بين همزتين في الجسد الرّمزيّ ذكوريا كان أم أنثويّا، فنحن سواء أكنّا مع همزة حرف الذات أومع همزة حرف المرأة، فالمقصود إنّما هو الجسد الثقافيّ بأبعاده الايديولوجية المختلفة عقائديّة وسياسيّة وفلسفيّة. على هذا الاعتبار تستحيل العلامات اللغويّة آليات مطواعا لاستثارة الذّاكرة الثقافيّة المخزّنة في الجسد، ومن خلالها تتمّ مواكبة المتغيّرات الطارئة على الرّاهن المعيش. ومن الجليّ أنّ قانون الزّمن يبدو أشدّ صرامة من قانون النّحو، أولعلّ حال "الأَعراب" قد أطاح بحال "الإِعْراب"، لذلك لا مفرّ من انعكاس حقائق الوجود والأوضاع التّاريخيّة على حركات الحروف همزا ولينا، كسرا ونصبا ورفعا.
لقد التبست ألف الذّات بكلّ ما من شأنه أن يوحي بالانكسار والعجز والوهن. فاختزلت الرّمز إلى شخصيّة الشاعر العربي المعاصر بكلّيتها، في منحاها المأساوي النفسيّ ممثّلا في انفرادها، وفي منحاها الإبداعيّ المتميّز ممثّلا في تفرّدها. هذان المنحيان هما جماع معاني الأبيات التاليّة التي يجرّد فيها أبو العلاء المعرّي من نفسه حرف الألِف ليشاطره عمليّة المناجاة :

" أقمْتُ بِرَغْمِي ومَا طَائِري * * * بِرَاضٍ إذَا ألِفَتْهُ الوُكُـونُ (المتقارب)
ولِي أَمَلٌ كَأَتَمِّ القَــنَـا * * * وَ حَالٌ كَأَقْصَرِ سَهْمٍ يَكُـونُ
فَيَا ألِفَ اللّفْظِ لا تأْمَلِــي * * * حَراكًا فَمَا لكِ إلاَّ السُّكُونُ."(13)

ليس ألِف الجسد معزولا عن المنظومة الرّمزيّة المحرّكة لأبجديّة المعرّي والمشرّعة لشعريّة النّحو. فمن المنظور ذاته يوفّر خرق القواعد النحويّة المعياريّة في سياقت مخصوصة أريحيّة للّغة الشّعريّة في مستواها "اللاّنحوي" (Agrammatical) سواء في تجليّاته الشّعريّة أوفي ما نظّر له اللّغويّون قديما من أدباء ومتصوّفة. غير أنّ التّوظيفات الإنشائيّة أوالرّمزيّة لم تكن من المستساغ لدى المتقبّل في مطلق الأحوال. فقد سبق للقشيري أن تحسّس ما يمكن أن يثيره النّحو اللاّمعياريّ من استغراب وإنكار لدى الآخر المعياريّ، فشرّع لتحرير حركة الحروف بالإشارة إلى أوجه التّباين بين علاماتها الظّاهرة وحقائقها الباطنة، ونظم في (نحو القلوب) ما يشبه بيانا اصطلاحيّا موازيا للنّحو المعياريّ فحواه :

" نَحْوُ القُـلوبِ عَجيـبٌ * * * رَفْـعٌ و خَفضٌ و نَصْـبٌ (مجزوء الرّجز )
علامةُ الرّفْـعِ فيــهِ * * * روحٌ و أُنْــسٌ و قُـرْبٌ
وأحْـرُفُ الخَفْضِ مِنهُ * * * حُزْنٌ و قَـبْضٌ و حَجْـبٌ
والنّفسُ حَرْفٌ لمَعنًـى * * * إسْقَـاطُــهُ مُسْتَـحَـبٌّ
والحالُ يَنْصِبُ ما لَيْـ * * * ـسَ لِلْـفَتَى فيهِ كَـسْـبٌ
هَـذا هو النّحْوُ لا مَـا * * * قدْ قـالَ عُثْمـانُ حَسْـبُ
لَحْـنُ اللّسانِ مُـبـاحٌ * * * و اللـّحْنُ بالقَـلْبِ ذَنْـبٌ."(14)

ما حركات الحروف إلاّ انعكاس للأحوال الذّاتيّة والموضوعيّة. تلك خلاصة المقاربة الصّوفيّة للرّموز الأبجديّة. ولمّا كان الحرف الصّوفي تجسيما لنطق القلب لا لنطق اللّسان كان فضاء خصبا للاستثمار الرّمزيّ في الشّعر العربيّ المعاصر، لذلك اتّخذه الشّعراء سبيلا لا لإحياء أبجديّة القصيدة فحسب بل لبعث قيم معرفيّة جديدة، منطلقها إعادة توضيب لنقطة البيان والتّعيين على أسس إبداعيّة حادثة يمليها الرّاهن المعيش، وقد أشار أديب إلى بعض خصوصياتها الرّمزيّة في المقطع التّالي من قصيدة (جنّة الفراغ):

" يَقُولُ النَّحْوِيُّ : سَأَضَعُ النِّقَاطَ عَلىَ الحُرُوف
وَيَقُولُ الفَيْلَسُوف : أَضَعُ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوف
وَيَقُولُ المُغَنِّي : هَا أَنَذَا أَضَعُ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوف
أَنَا الوَحِيدُ الذِي قُلْتُ :
سَأَمْسَحُ النِّقَاطَ عَنِ الحُرُوف
لأضِيعَ في جُنوني القادِم
في نُونكِ التي أضاعَتْ نُقْطتَها
في الزّحام والثَّرثَرة والخَوفِ مِن الشّوارع المُظْلمة."(15)

يحاول الشّاعر إبداء الفروقات الجوهريّة بين المعياريّ والرّمزيّ في ما يخصّ ضوابط التعيين ممثّلة في علامات التنقيط المتّخذة عند الآخر دليلا وعند الحروفيّ متاهة تأكيدا منه على عدم الإجماع على الحدود المفهوميّة الفاصلة بين معياري الخطأ والصّواب ثمّ بين معياري الغموض والوضوح، لا سيّما إذا ما التبسا بحال انفعاليّة تحتلّ منها نون الموطن الأنثويّ مركز التكثيف والاستقطاب الأشدّ تأثيرا.
من الواضح، إذن، أنّ أبرز فضاء أتاح للقصيدة الحروفيّة تناغما بين الحمولة الرّمزيّة للحرف وسبل التّعبير عنها لغةُ الوجد الصّوفيّ في تشريعها لما يسمّى "نحو القلوب". فللحفاظ على قيمة "الصّدق الفنّي" يجوّز "نحاة القلوب" لأنفسهم: "نصْبَ المخفوض لما تعطيه حقيقته من الفتح والانتصاب للحقّ، وخفْضَ المنصوب لما تعطيه حقيقته من أنّه بالخفض أحقّ."(16) جريا على "سنّة الأحباب" ولغتهم قد يصرّف المبدعُ الحروفيّ في بعض علامات الإعراب، مع إدراكه التّام لمعايير الانزياح/ العدول (écart) عن لغة النّحاة ودوافعه، إذ يحمّلها مسؤوليّة انحسار لغة القصيد ثمّ انطفائها. يقول في قصيدة (موت المعنى):

" عَاطَ النَّحْوِيُّ بِنَا : غَلَطْ غَلَطْ.
رَكِبَ النًَّحْوِيُّ التَّابِعُ فِي الدِّهْلِيز المُظْلم،
فَانْطَفَأَتْ لُغَتِي." (17)

بتلك الملامح الرّمزيّة مثّل الحرف الشّعريّ انزياحا عن الحرف النّحويّ المعياريّ، ذلك أنّ علاقة التّماهي التي أقامها الشاعر بين سيمياء الحرف وكيمياء الوجود قد انبنت على أنقاض لغة النّحو والصّرف بضوابطها المعياريّة المتعارفة، وهو المعنى الذي التقى حوله أبرز شعراء الرّمز واتّخذوه خيارا إنشائيّا قصديّا يميّز لغة القصيدة الحروفيّة، فقد كان لأدونيس السّبق التشريع للدلالات الرّمزيّة الحافة بشعريّة النحو في مثل قوله:

"عَادَتْ اللُّغَة إِلَى بَيْتِهَا الأَوَّل ... وَمَاتَ النَّحْوُ وَالصَّرْف
وَحُشِرَا بَيْنَ يَدَيّ أَوَّلِ قَصِيدَةٍ كَتَبْتُهَا وآخِر قَصِيدَة." (18)

إن استبعاد النّحو والصّرف وإرجاع اللّغة إلى أصولها الطبيعيّة الحيّة يضع الشّعر، مرّة أخرى، في مواجهة بين "نحو الفطنة" و"نحو الفطرة"، وفيهما قال الأوائل: "نحو العرب فطرة، ونحونا فطنة (نحو العلماء). فلو كان إلى الكمال سبيل لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا، أوكانت فطنتنا لهم مع فطرتهم." (19)
لا شكّ أنّ الشّعراء كانوا أقرب من غيرهم إلى مثل تلك الرّؤى الإبداعيّة، ممّا أهّل القصيدة الحروفيّة لصهر ضوابط "النّحو المعياريّ" مع الأبعاد الرّمزيّة المكنوفة في "النّحو اللاّمعياريّ" بقصد استقطار كيمياء لغة جديدة تشهد "ائتلاف الكلّ من حيث عُدّ مختلفا" (20) ، أملا في ضمان هامش من الإضافة والتميّز يتّسع لأحلام شاعر مهموم بهواجسه الأرضيّة. يقول أدونيس:

" مَا الذِي يَفْعَل النَّّحْو وَالصَّرْف ...
لاَ أُضِيفُ إِلَيْهِ، أَشَاءُ الذِي لاَ يَشَاءُ ،
و أَرَى كَيْفَ يَفْتَح أَحْضَانَهُ
لِمَلاَئِكِ أَحْلاَمِيَ المَارِدَهْ ، ـ ." (21)

إنّ المفارقة بين "النّحو الذّاتيّ" و"النّحو الموضوعي" في التّعامل مع الطّاقة الإيحائية للأبجديّة العربيّة وحروفها العربيّة قد أرست دعائم " شِعر النّحو ونحو الشِّعر،"(22) بما يبرهن على وجود "حياة داخل اللّغة" Une vie dans le langage) ( تُشرّع لمجاراة هاتيك "الأحلام الماردهْ".
بالإضافة إلى أصدائه الإنشائيّة، يضغنا جدل اللّغويّين أمام حقيقة وجب الانتباه إليها قوامها حاجة النقد الأدبيّ إلى التحلّي بقدر من المرونة لمسايرة خصوصيّة الإبداع الرّمزيّ عموما والقصيدة الحروفيّة على وجه الخصوص لعلّه يحدّ من الجنوح المطلق نحو النسقيّة والتقنين بما يعتورهما من رتابة وجمود يحدّان من قدرة القراءة على النّفاذ إلى "الماورا- لغويّ" (méta langage). فلا يمكن، إذن، النّظر إلى الكائن الرّمزيّ في سياق لسانيّ مقفل، ولا أدلّ على ذلك تلاشي الحدود الفاصلة بين الأبجديّة والجسد كلّما انفتح الحوار بين الحرف باعتباره عنصرا لغويّا "مُعطًى" والرّمز باعتباره عنصرا دلاليّا "مخلوقا". بل لعلّنا لا نجانب الصّواب إذا ذهبنا إلى القول بكون النّظام يتجاوز المتعارف الوضعيّ لغويّا واجتماعيّا ليضرب بجذوره في العمق الأنطولوجيّ لسيمياء النّظام العلاميّ للّغة العربيّة، في رسمها لأصول العلاقة القائمة بين ثلاثيّ: الخطّ، والجسد، والوجود.
في هذا السّياق تحدّثنا المراجع القديمة عن أنّ الأنثى كثيرا مّا كانت تلوذ بالخطّ كلّما استشعرت تهديدا للجسد أثناء الحروب عساها تداري نون النّهد وزاي الجسد عن نون زاي الزّمن ونوائبه. فقد "ذكر النّابغة "صنيع النّساء وفزعهنّ إلى خطّ الرّمل إذا سُبين واغتربن وفكّرن، فقال:

"ويَخْطُطْنَ بِالعِيدَانِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ * * * و يَخْبَأَنَ رُمَّانَ الثُّدِيّ النَّوَاهِدِ." (23) (الطّويل)

بذلك تظلّ مسارب العبور مفتوحة بين سيمياء الخطّ وسيمياء الجسد دونما تغييب لكيمياء المكان المنعكس وجوبا على تفاعل المبدع مع كائناته الرّمزيّة مطوّعا إيّاها لأيّ طارئ. بل لعلّنا لا نجانب الصّواب إذا ما ذهبنا إلى القول بأنّ همزة "الأثداء" في عبارة "يسحق أثدائهنّ" من قصيدة "ارتباك الزّاي" ما كانت لتنكسر على المفعوليّة بل كانت سترتفع على الفاعليّة لو كُتِبت في زمن شبيه بالزّمن الذي قيل فيه البيت الغزليّ التالي:

" أَبَتِ الرّوادفُ والثّدِيُّ لِقُمْصِهَا * * * مَسَّ البُطُونِ و أَنْ تَمَسَّ ظُهُورَا " (24) ( الكامل )

إنّ المقارنة بين السّياقين الرّمزيّيين مقاما ومقالا ثمّ آنيّا وزمانيّا من شأنها أن توقفنا على بعض منافذ الحوار المشرعة بين "الجسد الحسيّ" و"الجسد الثقافيّ". فبالنّظر إلى اختلاف الظّرف التاريخيّ تختلف ردود الأفعال الدّفاعية لثديّ السّبايا، وتتناغم رمزيّة حركة همزاتهنّ مع ارتباك حروف الجسد لتعكس مدى جور الزّمن على الجسد الأنثويّ، فتبرز مظاهر التّفاعل بين أجساد الحروف وحروف الأجساد وفق انتظام رمزيّ حاول بعض الدّارسين تقنينه منزّلين إيّاه ضمن سياقات اجتماعيّة وسياسيّة وتاريخيّة، "فما من نظام اجتماعيّ إلاّ وينتج نظاما جسديّا خاصّا به، يقوم بدور جدليّ في إنجاز نظام ثقافيّ وترميزيّ خاص بتشكّله وتشكيله الاجتماعي في فترة تاريخيّة وظرف سياسيّ."(25)
تماشيا مع خصوصيات الظروف السياسيّة والاجتماعيّة الرّاهنة كثيرا مّا يدلّ المستوى الرّمزيّ المحرّك للحروف في القصيدة المعاصرة على أبجديّة انسحقت علامات تأنيثها. غير أنّ حرف "الزّاي" في النّماذج المنتقاة كان بؤرة المشهد الدراميّ رقما وشكلا وإيقاعا. لذلك تظلّ "الزّاي" عند الشّاعر أديب كمال الدّين- مثلا- انعكاسا لـ"نون" متشظّية رمزا إلى الأنوثة المبتورة، أوهي برودة باءة الحبّ من دون حائه، ارتعاشة سفليّة مفرغة من ومضة عُلويّة. هذا المعنى يتماهى كلّيا مع التفاعل مع الأنثى الموطن أثناء الحروب والثّورات. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار رمزيّة المرأة- المدينة تبيّن لنا أنّ انتهاك الزّاي إنّما هو انتهاك للجسد، ولكنّه أيضا انتهاك لنظيرها الرّقميّ في حساب الجُمّل أوما يُسمّى الحساب الأبجديّ ألا وهو رقم سبعة (7) وما يحاكيها –إيمائيّا- من أصابع مرفوعةً الآن علاماتِ نصْرٍ في أكثر من موطن.
إنّ إرباك الحرف الأنثويّ المشفّر جسدا ما هي إلا محاولة لإجهاض نقطة الحلم أوتعتيم أفقها المشمس. من هذا المنظور يستقيم ارتباك الحرف انعكاسا لمشاعر الإحباط النّاجمة عن استشعار الذّات عجزها عن حماية موضوعها الأنثوي امرأة ومدينة، ممّا يُدخل رمزيّة "الزّاي" في حوار ضمنيّ مع أجساد حروف أخرى أبرزها ألِِِِِِفُ "الأنا" الإبداعية الواقعة على تخوم اللّحظة الرّاهنة سواء أكانت "أنا" الكاتب أوالقارئ أوحتّى الفنّان التشكيليّ. وهذا ما توضّحه ريشة الفنّان كمال خريش بتجسيمها لحال الجسد الأنثويّ في قصيدة "جسور" لأديب كمال الدّين حيث التقاطع بين انتهاك جسور بغداد إبّان اجتياحها في أفريل/ نيسان 2003 وانتهاك أجساد أنثويّة كثيرا مّا تُتّخذ "جسورا" في لعبة الزّمن بحروبها وثوراتها:

تستبطن صورة الجسد الممتلئ تقاطعا ضمنيّا بين الرّغبة الكامنة والامتناع الكائن، أي بين دواعي التشهّي التي يثيرها عريّ الجسد الأنثويّ ومعيقات التّواصل التي يثيرها انسحاق ذاك الجسد تحت جسور المدينة المتهدّمة. لعلّ اللّوحة تكشف أيضا عن صراع باطنيّ تعيشه ذات المبدع عموما كلّما نزعت إلى تضخيم الآمال على قدر تعمّق الآلام رغم ما بينهما من مسافات,
إنّ المسافة الفاصلة بين الرّمز اللّغويّ (الحرف) ونظيره الحسيّ (الجسد) هي بحجم المسافة الفاصلة بين القلب والعقل، وبين الانفعال والفعل، ثمّ بين الحلم والواقع.
فمن المسؤول عن تضخيم حرف الحلم؟ ومن المسؤول عن إجهاض نقطته:
هل هي الأبجديّة ؟ أم الشِّعر؟ أم الواقع؟

* * * الجسد الرّمزيّ: بين حروف الواقع المُعتم ونقطة الحُلم المشْمس :

كثيرا ما يطرح الحروفيّ تساؤلا حول مدى متانة الجسور الواصلة بين حاء الحقيقة وحاء الحلم، ويحاول أن ينبش في العوامل "الموضوعيّة" لعلّه يجد مبرّرا لهشاشة الرّؤى الحالمة المعتملة داخل الجسد الحسّيّ كلّما وُضعت على محكّ الجسد الثّقافيّ. وهو التّصوّر الذي عبّر عنه أديب كمال الدّين بتوظيف حوار الحرف مع النّقطة في قصيدة (جُسُور):

" (1)

قَالَ الحَرْفُ للنُّقْطَة:
هَلْ تَتَذَكَّرِينَ الجُسُورَ التِي عَبَرْنَاهَا ؟
كَانَتْ جُسُورًا
مَلِيئَةً بِالفُرَات وَالسَّمَك اللاَّبِط تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْس
كَانَتْ جُسُورًا مَلِيئَةً بِالدَّوِّي وَالدُّخَان
مَلِيئَةً بِالعُيُونِ التِي كَادَتْ أَنْ تَفْتَرِسَ جَمَالَكِ
وَكَانَتْ مَلِيئَةً ، بَعْدَئِذ ،
بِالخَنَاجِر التِي مَزَّقَتْ جَسَدَكِ البَضَّ
وَحُلمَكِ العَظِيم.
يَــاهْ..
هِي ذِي جُسُورُ عَلِيِّ بنِ الجَهْمِ
حَيْثُ لاَ رُصَافَة
وَجُسُور الرُّصَافَة
حَيْثُ الكَرْخَ يَحْتَرِق كُلّ يَوْمٍ
وَيَغْرَق ........ ?...?
(4)
وقال الحرف:
هل تتذكّرين كم أرادوا أن يكشفوا سرّك.....
كانوا يطرقون البابَ كالمجوسِ يحملون ناراً مزّيفة
ليبادلوها بوهجكِ الأسود
أو يحملون ريشاً مُنهـَكاً وقطناً مبلّلاً بروائح زنخة
يــاهْ...
أيتها النّقطة،
لم يعرفوا أنّكِ أعظم
من لغةٍ كاملة
لأُمّةٍ مُعذَّبة تنامُ فوق سطح البيت
حيث الصيّف المُقْمر
والأشباح التي تقفز عاريةً كعري السّكاكين."(26)

نقطة باء "بغداد" أو "بابل" وربّما "بيروت" و"بنغازي" وغيرها كثير، جميعها أبعاض تجليات رمزيّة من نقطة حرف "الجسد-المدينة"، ومع متابعة الارتحال في ذاكرة ذلك الجسد الثقافيّ تهبط إلى ذاكرة المبدع صور زمن جميل في مقاطع حواريّة هي أقرب إلى التّداعي النّفسي الحرّ، في حين توحي تعددّية الجسور بالتكثيف الزّماني والمكاني المخوّل لتضخيم المؤمَّل والمنتظَر.
فجأة تبرز نقطة الحلم العظيم المطعون الممزّق، لتحدث التّمفصل التراجيديّ بين الماضي والحاضر، ومنها تنبثق "خيبة الانتظار" (attente frustré) مصحوبةً بزفرة الإيقاع "يَـــــــــاااهْ "، بكلّ ما تحمله من تحسّر على التّاريخ المندحِر وأسى على الرّاهن المنتحِر، حين يستحضر الشّاعر حوادث هدم الجسور المتزامن مع احتلال بغداد. ومن خلالها تُحَدّث ومضة الإيقاع عن تمفصل مواز في بناء القصيدة يرمز إلى الهبوط من نقطة علويّة جابت السّماوات بشموسها ودخانها إلى نقطة سفليّة سقطت من جسر المعنى، فتلقّفتها حروف تتدحرج نزلا نحو الضّياع، والاحتراق، وصولا إلى غرق الحلم في أوحال الواقع. وبالإيغال في السّفر مع الرّمز يبدو "التّنغيم" أشبه بشرْقةِ حَرْفٍ سقطت همزته الحالمة في عتمة الحادثة إذ به يفقد أسباب الفعل "كفاءة" و"إنجازا" (compétence? performance)، ممّا يُنذر بتعطّل وظيفيّة "الجسد المتشهّي" لصالح وظيفيّة "الجسد المتفكّر"، وترحيل فعاليّته من ألِف متمدّد على فراش المرأة إلى همزة مهمومة بشواغل المدينة.
وبتشابه حالات المدن تتشابه أحوال الحرف الرّمزيّ في القصيدة المعاصرة بوجهيه الذّكوزيّ والأنثويّ، فينفتح حوار ضمنيّ بين قصيدة (جسور) لأديب كمال الدّين" وقصيدة (كونشرتو بيروت آب 2006) لأدونيس.
عادة مّا يحرص أدونيس على تشخيص علل الأعضاء التي جعلته يتّخذ قرار الانصراف عن جسد المرأة إلى فضاءات أخرى أكثر أمانا، وتكتسب القصيدة أهمّيتها من كونها تمثّل عصارة تجربة الشّاعر مع كلّ من الجسد، واللّغة، والوطن، بما هي الأقطاب الثلاثة المحرّكة لرمزيّة الحرف الأدونيسي حسب اعتقادنا. فمن خلالها مارس الشّاعر لعبة استبدال المواطن الرّمزيّة والتي أدمنها طيلة مسيرته الإبداعيّة. وفي المقطع التّالي إيذان بمصادرة كلام الجسد، إذ لا صوت يعلو على صوت المدينة في بيان حروفيّ رمزيّ اختار له أدونيس من العناوين (كونشرتو بيروت آب 2006):

" لاَ مَأْوَى ِفي الكُتُب. وَلاَ بُدَّ مِنْ أُنُوثَةٍ لِذُكُورَةِ الوَقْت.
يَكَادُ جَسَدُه أَنْ يَذُوبَ فِي مِيَاهِ لُغَاتٍ لاَ أَبَجَدِيَّةَ لَهَا.
وَالعَجَبُ أَنَّهُمَا فِي مَقَامِ الصِّفْر، وَمَعَ ذَلِكَ يَجْلِسَان
تَحْتَ ظِلّ الوَاحِد.
كَمَنْ يمَسْرِحُ المَاء عَلَى خَشَبَةِ الرَّمْل .
هَلْ يَثِقُ ، إِذًا ، بِكِيمْيَاءِ المَعَادِنِ وسِحْر الأَنَابِيقِ ؟ بِأَفْكَارٍ
تُزهِرُ وتَذبُلُ فِي حَقْلِ النَّوْم ؟ بِنُورٍ لاَ يُضِيءُ الشَّوَارِعَ
بَلْ خُطوَاته ؟ بِرِجَالٍ يَتَكَلَّمُونَ مَعَ ظِلاَلِهِم ، وَنِسَاءٍ
يُغَازِلْنَ ثِيَابَهُنّ ؟
سِيرِي ، يَا أيّامَهُ ، عَلَى عُكَّازَاتٍ مِنْ قَصَبِ اللُّغَة."(27)

يكتسب المقطع الشّعريّ أهمّيته من التّشكيك في مدى قدرة الألف والنّقطة على التّزاوج في ظلّ انتفاء الشروط الموضوعيّة المساعدة على تفعيل التّجاسد. فقد كنّى أدونيس بالواحد عن الألِف، وبالصِّفر عن النّقطة باعتبارها مقام الالتحام. ولا يخفى أنّ الصّورة الشّعرية تكثيفٌ رمزيٌّ لألِفٍ حسّيٍّ شاءت الوقائع "الجغرا-تاريخيّة" (بيروت آب 2006) أن تسلبه حرارة الاتّحاد بالنّقطة، وتخرجه من دائرة الضّوء لتترسّب به في "ظلّ الواحد" وبرد الوِحدة، حتّى لم يبق للرّجال غير ظلال رجولتهم، ولم يبق للنّساء ما يغازلن سوى ثيابهنّ. فلا غرابة والحال تلك أن يهرع الشّاعرُ إلى الأبجديّة ملتمسا الملاذ.
إذن، لا سند متاح للشّاعر المهموم بالحادثة سوى عكّازات الأبجديّة لكنّها عكّازات "من قصب"، ممّا يلمّح إلى هشاشة الرّكائز المتّخذة بديلا عن رحم نون الموطن الأنثويّ.
ولأنّ أجساد المدن العربيّة متشابهة، تظلّ وظيفة حروف الإناث المتّصلة بها وظيفة تمييزيّة لا غير، إذ تتعدّد الأسباب والموت واحد بحسب توصيف أديب كمال في قصيدة (التباسٌ نونيّ):

" هَذِهِ مُدُنُ تَتَشَابَهُ كَالمَوْت
وَلُصُوصٌ يَبْتَهِجُونَ بِسَرِقَةِ النَّهَار
أَعْنِي كَنْزَ النَهَار."(28)

لعلّ "التباس نونيّ" هو أوضح العناوين دلالة على التّغيّرات الحافّة برمزيّة الحرف في ملامسته المشاغل "النّونيّة" الأرضيّة. فمن البيّن أنّ الشّعراء، وهم يختبرون نجاعة شفرة الحرف على محكّ طلّسم الجسد، يستبطنون إناثا أخريات تولّت الذّاكرة تشفيرهنّ على حروف الأبجديّة المُجسدَنة: هنّ -في سياقنا الرّمزيّ- نونات مدن مستلَبة الإرادة وأوطان ملتبسة الملامح.
إنّه اغتراب الجسد عن ذاته بعد أن استشعر التّواشج العميق بين نقطة اللّذّة ونقطة الهُويّة، فانتهى إلى اعتبار الجنس جدارا إضافيّا في المنافي الكثيرة التي تطوّق المواطن العربيّ عموما والمبدع على وجه الخصوص بحكم وعيه المفترض بحقيقة المَنافي القابعة داخله. تلك الضروب من الانفعالات كانت قد التبست بالحروف الأبجديّة منذ مرحلة متقدّمة سابقة على نضوج التّجربة الحروفيّة في الشّعر المعاصر، ومن أبلغ من نظم في هذا السّياق نزار قبّاني في قصيدة (كتابات على جدران المنفَى) حيث اتّجه إلى الحبيبة معاتبا في حسرة ومرارة:
"يا سيّدَتـي : ...
كنتُ أظنّ الكلمة بَيْتـي
فإذا بهمُ سَرقُوا البابَ..
وسَرقوا السَّقْفَـا..
سَرقوا الورَق الأبيَض مِنَّـا ،
سَرقوا الحَرْفَـا....
يا سَيّدَتي ... يا سَيّدتِـي ..
كُنتُ قَديمًا أَقْرَأ جسْمَكِ
سَطْرًا سَطْرًا .. حَرْفًـا حَرْفـا ...
كُنْتُ قَديمًا أُشْعِلُ في نَهْدَيْكِ النّارَ ..
وأَزْرَع بيْنَهُما سَيْفـاً
أمَّا اليَوْم .. فأََصْبَحَ شَكْلُ النّهْدِ ،
يُشَابهُ أَسْوارَ المَنْفَـى..
يا سَيّدتي .. يا لُؤْلُؤْتي .. يا وَاحِدَتي.
كَيْفَ أُمَارسُ فِعْلَ الحُبِّ
وطَعْمُ الجنْسِ لَهُ طَعْمُ المَنْفَــى ؟ ؟ "(29)
كأنّ "شاعر المرأة" يستحضر المعنى اللّغويّ للرّمز في نقطة تموضع تقع فيها المواجهة بين معايير "الذّكورة" ومعايير "الرّجولة"، ولسان حاله يردّد: "شتّانَ بيْن مُنازَلة الرُّمَّازَة ومُغازَلة الرَّمَّازَة." (30)
ليست المواجهة بين فحولة جسد العاشق وشراسة جسد المحارب حكرا على المدوّنات الأدبيّة أو اللّغويّة، إنّما في الأمر حكمةٌ فطن إليها الأنبياء منذ القِدم حينما حذّروا من مغبّة تشتيت جسد المحارب بين احتياجاته الحسّية المؤمّلة من المرأة وقدراته الحربيّة المفروضة في الغزوة. كأنّهم يخشون على الجسد الواقع بين "غزوتين" من مغبّة المنازعة بين الحسّيّ والثقافيّ بما يؤثّر على مردوديّته في الواقعتين.
لعلّ أهل الاختصاص في علوم النّفس والاجتماع أكثر كفاءة منّا في بحث تلك المسائل المترتّبة على مدى تأثير حال التّشهّي في حال التّفكّر، لكننّا نكتفي بما يعمّق سياقنا الرّمزيّ مستحضرين اتّجاهين يتكاملان في محاولة تعليل الظّاهرة أوّلهما فلسفي يبيّن أوجه المفاضلة بين العقل والجسد، يوضّحها "نيتشه" (Nietzsche) في فصل "محتقري الجسد" مؤكّدا على لسان النبيّ الفارسيّ "زرادشت": "ما عقلك الصّغير الذي تسمّيه "عقلا"، أيّها الأخ، سوى أداة صغيرة يستعملها جسدُك، ولعبة صغيرة لعقلك الكبير." (31) وثانيهما عقائديّ يستند إلى أحد الأحاديث النبويّة الصّحيحة من "كتاب النّكاح". قال البخاري في "باب مَنْ أحبّ البناءَ قبْل الغزو": "...عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "غزا نبيٌّ مِنَ الأنبياء، فقال لقومه: "لا يتْبَعْني رَجُلٌ مَلَكَ بضْعَ امرأةٍ، وهو يريدُ أن يَبني بها. ولَمْ يَبْنِ بها."."(32) فلا يبدو المغزى من الوصيّة بعيدا عمّا ألمح إليه نزار قباني من تعطّل لقدرات الجسد الحسيّ بعد سلبه سلاح الحروب وسلاح الحروف في آن معا.
كلّما وُضع جسد ذكوريّ على محكّ الاختبار بين أنوثتين: أنوثة المرأة من جانب وأنوثة الوطن من جانب آخر إلاّ ووقف الحرفُ الحسّيّ على حَرْفٍ من أمره، لتستحيل نجاعة الفعل الجنسيّ موضع مساءلة:
إلى أيّ حدّ يتجلّى التّماهي بين سارقي الجنس وسارقي الحرّية؟
ثمّ أيّهما الوجه وأيّهما القفا: مغتصبو المرأة أم مغتصبو الوطن؟
لأنّ للإبداع الرّمزيّ مزاياه فإنّ الشّاعر لا يقدّم جوابا مباشرا إنّما يضمّنه حبكة دراميّة. فقد انعكست أبرز تجلّيات لاجدوى الفعل الجنسيّ على الآليّات الفنيّة للقصيدة الحروفيّة. فلم يكتف الشّاعر بالسّند المعجميّ والرّقميّ، بل سعى إلى استلهام تقنيات دراميّة على صلة بمسرح العبث الذي تأثّر به أديب كمال الدين –مثلا- ووظّفه ليعبّر عن لا جدوى التّواصل الحسّيّ مع الأنثى المرأة كردّ فعل ارتداديّ يصدر عن الجسد نتيجة عجزه عن التواصل الموضوعيّ الفعّال مع الأنثى الوطن. حينئذ تستحيل نقاط باءات المدن وتاءاتها مثارا لـ"التّيتاء" بالمعنى المعجميّ الحسيّ للعبارة، وبيانها في ما آل إليه حديث الجسد على فراش الباءة من تشتّت وبلبلة احتاج الشّعراء إلى قدر من الجسارة في تتبّع مختلف ظروفها الحافّة، من قبيل ما أشار إليه الشّاعر أديب كمال الدّين في قصيدة (موت المعنى). قال:

" ومِن مَوْتي الأسْوَد أَبْعثُ كلمات ِ الحُبّ ِ لأشجار الفقراء يَجيءُ الردّ
عنيفا : لا جدوى! انتبهي : أختار لموتي حرفاً . ليكن ْهذا الحَرْف
الميم . نمزّقه حتّى يتكوّن ثانية مِن غير دماء يابسة ٍوكلاب
تسعى . ليكنْ هذا الحرف الواو ، انتبهي سُخْفٌ لا حدّ لـــه.
يا سيّدتي ! أتعبني دوري ، كنتُ الملِكَ العادل وسط الأتباع
الفرحانين المملوء بحكمة أجدادي . صرخ المخرج وسط الحفلة:
قف! هل جدّدتَ إجازة سوق السيّارة ؟! أتعبني دوري، كنتُ المتأمّل
في صفحاتِ الأرض أحلّلُ تاريخا ً أسْتجلِي أسراراً. صرخ المخرجُ:
قفْ ! هل تقْدر أن تَجْعل حَرْفَك يَخْرُج ( بالمقلوب ) ؟! وكنتُ
العاشقَ ، سَيّدتي الباء لها ثدْي مِنْ عسلٍ وفَم مِنْ خمر اللَّذة، لَحْن
مسرّاتٍ. صَرخ المخرجُ وسط سرِير الحُبّ : وهل تَقْدرُ أنْ تنْبَحْ ؟!." (33)

تلوح مؤشّرات المحاذير منذ البداية من عنوان القصيدة: (موت المعنى). فقارئ أديب كمال الدّين يدرك أنّ المقصود بتمام "المعنى" في مدوّنته الرّمزيّة إنّما هو اكتمال فعل التّجاسد بين ألِف الذّات وحرفها الأنثويّ أي إشباع الجسد الحسّيّ بعد توفّر الشّروط الذاتيّة للجماع كفاءة وإنجازا.
أمّا المقطع الشّعريّ الرّاصد لـ"موت المعنى" فينهض على الاصطدام بين الاختيار واللاّجدوى، وتبلغ الحبكة الدراميّة أوجها في الاضطراب الذي شهده مسرح القصيدة مِن تنافر مطلق بين المقام والمقال انعكس في مشهد أوّل بين الموقف التأمليّ الذي يعايشه حروفيٌّ حكيم: "كنتُ المتأمل في صفحاتِ الأرض أحلّلُ تاريخاً أستجلي أسراراً"، وصرخة المخرج: "هل تقدر أن تجعل حرفك يَخرج (بالمقلوب)؟!" أمّا المشهد الثّاني فكان أشد تنافرا وأعمق أثرا لأنّ مسرحه كان سرير الحبّ الذي شهد مفارقة أكبر خارج السّياق بين مقام العاشق على سرير اللّذة والصّرخة الثانية للمخرج: "هل تقدر أن تنبح ؟!." من الواضح أنّ المخرج في المقام المذكور إنّما هو مدير المسرحيّة العبثيّة، لعلّه كناية عن ملِك البلاد أوأميرها أورئيسها حينما يصادر أحقيّة المواطن بوطنه رغم توفّر أهمّ شرط للمواطنة ممثّلا في المحبة والشّغف المتبادل الذي احتضنه "سرير الباء" في سياقات رمزيّة مختلفة بشكل أحبط عمليّة التّواصل بين الشاعر وموضوعه الأنثويّ: امرأة ووطنا.
غير أنّ عملية التفكيك التي تولّيناها بمحاولة فكّ شفرة (décodage) الحرف الشّعريّ لا بدّ أن تنتهي بإعادة تركيب من شأنها لملمة شتات ذاك الجسد المتشظّي على أطلال الواقعة، وإلاّ افتقرت القراءةُ ذاتها إلى الجدوى خصوصا إذا ما تمّت على تخوم الحادثة التراجيديّة، إذ يستحيل المقصدُ تجميلَ الموتِ بمعاييره الجسمانيّة والمعنويّة لتنقية اللّحظة من شوائبها الميميّة المحوّطة بحروف الجسد مطلقا. أمّا مرجعنا في اختبار مدى نجاعة القراءة فحرف الزّاي الذي به بدأنا مسائلين وإليه نعود مستبصرين محاولين ترحيله من حقل دلاليّ إلى آخر: من الألم إلى المتعة ومن الارتباك إلى البركة، لعلّنا ننفخ فيه بعضا من روحِ حياةٍ نَديّهْ.

* * رمزيّة "الزّاي" من الارتباك إلى البَركة :

مطرْ.. مطرْ.. سيعْشب الوطنُ بالمطَرْ...

الزَّمَنُ ذُبَابَةٌ
لاَ تَتْرُكُنِي أَنَامُ وَقْتَ القًَيْلُولَة." (34)

إذا كان صوت الزّمن موقّعا على طنين الزّاي فإنّ موسيقى الشّعر أوسع وأرحب، لذا لا ينسى الشّاعر أن يشحذ همّة الزّاي بإيقاع الحلم المستوحَى أيضا من شكلها الرّقميّ سبعة (7) بانفتاحه وتطلّعه باتجاه الأفق، كأنّه يؤشّر إلى تقلّص المسافة الفاصلة بين الإمكان والتّحقّق. لذلك يبدو الشّاعر حريصا على تزويد حروفه المطوّقة بالخيبة بجرعة أمل، فلا ينسى أن يترك للزّاي فجوة حلم يتيحها رمزها الدّينيّ إلى البركة، ويصغي إليها إيقاع أغنية يستثيرها الشاعر في قصيدة (غزَل حروفيّ):

" لَكِنَّ الزَّايَ أُغْنِيَة لاَ تَجِي
وإِنْ أَتَتْ فَغَزَلُهَا عَنِيفٌ
عَنِيفٌ كَقُنْبُلَة." (35)

لئن تميّزت الإيحاءات الإيقاعيّة لحرف الزّاي بكثافة تعبيريّة فإنّ طاقتها الرّمزيّة تظلّ ملتبسة بفعاليّة الجسد مندمجة مع إيحاءاته الشّكليّة، خاضعة لذبذباته الرّقميّة في جمعها بين البركة والارتباك. لذلك استوعبت رمزيّة الحرف شحنا عاطفيّا مكثّفا اِختزل مكانة حوّاء بما هي جنّة آدم وجحيمه.
متردّدة بين الإغواء والامتناع تتشكّل أبجديّة الجسد الرّمزيّ، وقد اختار أدونيس اختزالها في قصيدة (أبجديّة). وفيها تحتفظ "الزّاي" بارتعاشتها الحروفيّة العنيفة لكنّ أدونيس يحرص على أن يدلّيها في منطقة وسط ما بين السّماء والأرض، بين الواحي والموحَى إليه، في محاكاة مركّبة بين اختلاجات الجسد واختلاجات الحرف شكلا وإيقاعا، يقول:
" زاي

زَمِّلِيهِ، زَمِّلِيهِ.
لاَ بُرْهَانَ لَهُ إِلاَّ وَحْيُ جَسَدِك." (36)

بتركيب الحصر يعيد أدونيس للجسد الأنثويّ اعتباره وينقّي حروفه المعفّرة بدماء الحريّة من أوحال الحروب وغبار الثّورات لينزل بالزّاي من سابع السماوات إلى سبع الأرضين مضمّخةً بتجّسّد الحلم مرفوعةً علامةَ نصرٍ، مبشّرة باستعادة الثقة في جسد الأبجيّة "أغنية"ً أرضيّة ربّما تنكّر لها أصاحبُها يوما مّا بعد ما "سَوّفوها" على المستقبل البعيد:

"سَوْف نَهتف للأبْجَدِية :
جَاسِدِينَا ـ خُذِينَا و دُورِي بِفَلَكِ القَصِيدَةِ فِي
فلَكِ المَعْصِيَهْ
كَيْ نَرُدّ إلَى الأَرْضِ زَهْوَ الحَيَاة ، وَ نَسْتَرْجِع
الحُبّ و الخَمْرَ و الأُغْنِيَهْ." (37)

مع أدونيس يبقى تحقّق الحُلم متوقّفا على مدى فحولة جسد الحرف لا حرف الجسد، لذلك تُنتظر المبادرة من الأبجديّة وإليها تُوجّه الدّعوة بالتّجاسد الحسّيّ الثقافيّ في صيغ الالتماس:"جاسدينا.. خذينا..دوري.." تجسيما لحال هي أشبه بحال "الشّطح" (38) الصّوفيّة.
من ثمّ، كان الحرف الشّعريّ، بما أتاحه شكله من تداعيات رقميّة وجسمانيّة، رمزا مطواعا للتّعبير عن درجات الفصل والوصل القائمة بين الذات والموضوع، وبين الواقع والحلم. وما أضافته القصيدة الحروفيّة المعاصرة إنّما هو تعميق الصّور الشعريّة في ما كان يُسمّى بـ"الشّعر الوطنيّ" أو"شِعر الثّورة"، فحرص المبدعون على استثمار للتّماهي بين كيان المرأة وكيان الوطن وتكثيفه في رمزيّة الحرف الأنثويّ بقصد اتّخاذه موطنا بديلا من شأنه تعويض الجسد المغترب عمّا يعانيه من افتقار إلى الموطن. في هذا المقام تتنزّل رمزية الأمومة في الشّعر العربيّ المعاصر قيمةً مستدعاة من الذاكرة الثقافيّة إناثا كنّ ملاذا وسكنا، منهنّ "خديجة"، و"حوّاء"، و"مريم العذراء" التي تمثّلها محمود درويش في قصيدة (الخروج من ساحل المتوسّط)، قال:

" لَنْ تَفْهَمُونِي
تَخْرُجُ العَذْرَاءُ مِنْ ضِلْعِي
تَكُونُ مَشِيئَتِي
وأُصَابُ بِالأمْطَار والبَرْقِ الذِي أَدْمَنْتُه." (39)

مهما اختلفت الخلفيّة الإيديولوجيّة والفكريّة لأصحابها فإنّ القصيدة الرّمزية ليست بمنأى عن محاورة المرجعيّة الدينيّة ففي قصيدة محمود درويش- مثلا- استحضار ضمنيّ لإحدى وصايا الرّسول، فقد أورد البخاري في باب "الوَصَاة بالنّساء": "واستوصوا بالنساء خيرا، فإنّهنّ خُلِقْنَ من ضِلعٍ.." (40) وليس في الحديث النّبويّ استنقاصا من قيمة المرأة مثلما يتوهّم الكثيرون، وإنّما بيان الضّعف الغرض منه التّحضيض على ضرورة حماية الملاذ لضمان مسارب الهروب مِنه.. إليه.
في السّياق ذاته يتحدّث الصّوفيّة عمّا يمكن أن نسمه بـ"قوّة الضّعف" كلّما تناولوا جسد المرأة، إذ يذهب ابن عربي في معرض تفسيره الباطنيّ لسورة التّحريم إلى القول بأنّ "المكُنوح له قوّة الافتقار إليه."(41)
على هذا الاعتبار، فإنّ الجسد الرّمزيّ قد يتجاوز مجرّد المطالبة بـ"إرادة الحياة" إلى المطالبة بـ"إرادة القوّة" وقد نظّر لها (نيتشه) في فصل "تجاوُز الذّات" قائلا: "ممّا لا مراء فيه أنّ الذي تحدّث عن "إرادة الكينونة" لم يبلغ الحقيقة بعد، فهذه الإرادة ما لها من وجود، لأنّ الذي هو غير كائن لا يمكنه أن يريد، والذي هو كائن أصلا كيف يمكنه أن يريد بلوغ الكينونة؟
فقط حيث تكون الحياة تكون الإرادة، ولكنّها ليست إرادة الحياة بل، وهذا ما أدعو إليه، إرادة القوّة!"(42)
لا ضير من مواجهة بين كلّ من الدّينيّ والفلسفيّ والشّعريّ لمحاولة فهم ما يحدث في لحظتنا التاريخيّة الرّاهنة ما دامت أرضيّة الكلام واحدة وأفق الحلم واحد. جميعها مسوّغات لاقتران رمزيّة الجسد بإرادة الحياة وإرادة القوّة في نقطة تقاطع مخصوصة تبرّرّ أوجه احتياج الإنسان إلى مائيّة النّقطة: الأنوثة – الموطن.
إنّ رمزيّة الأنوثة وإن ظلّت مشدودة إلى جسد المرأة "لكونه الجسد الأكثر وقوعا تحت جبروت الرّمز،" (43) فإنّها لا يمكن أن تُفهم مجتثة عن هويّتها الثقافيّة ممثّلة في أمومة الوطن باعتباره الرّحم الأنسب الذي فيه ينمو الحلم ويتخصّب، ممّا يجعل متعة التّجاسد مع الأنثى أمرا مرتهَنا بمدى تغظّي قيمتيْ الهويّة والحريّة، متوقّفا على ما قد يجود به ربيع الثّورات من "أمطار موسمية" يرصد أديب كمال الدّين بعض زخّاتها بمسباره الرّمزيّ في قصيدة من آخر دواوينه تحمل عنوان (أمطار موسميّة)، وإليها يتجّه بخطابه الشّعريّ:

"ليس كثيرا ما طلبتُه منكِ
أيّتها الأمطارُ الموسميّة.
فقط
أردتُ أن أقبّلكِ:
أن أقبّل شفتيكِ الرّطبتين بالشّوق.
لكنّ سوء الحظّ
وسوء التّوقيت
والحرب وجثثها
والطّاغية وذُنوبه التي لا تُغتفَر...
كلُّ ذلك
جَعل هذه القُبْلة مستحيلةً
أيّتها الأمطار الموسميّة."(45)

مع أديب كمال الدين في مجموعته الشعريّة الصادرة شتاء هذه السّنة (2011) لم تبلغ "الأمطار الموسميّة" بعد مرحلة الانهمار في زمن أجمل كان قد تاق إليه محمود درويش وتغنّى به بدر شاكر السيّاب وغيرهما من شعراء الخصب، إنّما تنحبس أمطار أدونيس وأديب كمال الدّين في غيمة الاستشراف والترقّب ممزوجة بالتوجّس والرّيبة من شوائب علقت بالذاكرة من تاريخ حروب طالما نغّصت على الشاعر حياته. بيد أنّ الأمل يظلّ قائما في تحويل الرّبيع من حلم إلى حقيقة، ثمّ استعادة زهو الحياة فور الإمساك بالخيط النّاظم بين "جسد المرأة" و"جسد الأرض- الوطن" في قطرة رمز تبرّرها مائيّة الحاء: حاء حُلم بحريّهْ...

* خاتمة:

لئن آل تشظّي كلّ من الحرف والجسد لحظة الجِماع إلى تهاوي أدوات الكتابة الجسمانيّة بمعناها الرّمزيّ العميق، فإنّ تلك الحال الشّعريّة قد ارتبطت بتفاعل الجسد الرّمزيّ مع الحروب العربيّة ولم تنسحب بعد على حال الثورات، إذ ما يزال معظم الشّعراء يلزمون موقف الصّمت والتأمّل ليس إلاّ. وما كتبنا متفائلين إلاّ لندعوهم إلى احتلال موضع مشمس من الرّبيع العربيّ. ولا يخفى أنّ القصائد التي رمّزت اللّغة على شفرة الجسد قد استبطنت تطلّعا إلى التّماهي مع أنوثة الموطن، وهي من اللّحظات المميّزة التي اجتهد كلّ شاعر في الاحتفاء بها على طريقته لما اتّسمت به من زخم رمزيّ نابع من الاشتباك بين كلّ من العنصر اللّغويّ (الحرف)، والعنصر الرّمزيّ (الجسد)، والعنصر التّاريخيّ (المدينة- الوطن).
من ثمّ، فقد مثّل الحرف أريحيّة اللّغة الشعريّة في اجتناب المجازات الإباحيّة والماديّة المستمدَّة ممّا يسمّى "ثقافة العولمة"، بقدر ما كشف عن تبرّم معظم الشّعراء الحروفيّين من تصنيع الجسد الأنثويّ ورغبتهم الملحّة في تلك الأنثى المتعالية، توقا إلى استعادة التواصل مع أنوثة ممتَنعة مستلَبة في زمن تُستباح فيه حروف الأجساد وأجساد الحروف. إنّها أنثى منزّهة عن ألف لام التّعريف"، ربّما كانت امرأةً، أومدينةً، أوقصيدةً، أوأبجديّةً: أنثى لا يتسنّى الحلول فيها إلاّ عبر لطاقة الجُوانيّة للحروف والنّقاط. لكن من المؤكّد أنّها ضحيّة زمن رديء، لذلك يناجها الشّاعر مواسيا في قصيدة (زلزال):

" هَذَا الذِي بِدَاخِلِي مَجْنُون
يَتَوَسَّل بِالكَلِمَاتِ لِيَسْحَرَكِ
و َبِالنِّقَاطِ لِيَفْتِنَكِ
وَ بِالحُرُوف ،
فَأَخْبِريه أَنَّ زَمَنَنَا أُمِّيٌّ
لاَ يُحْسِنُ القِرَاءَة وَ التَّهَجِّي
لاَ يُحْسِنُ شَيْئاً سِوَى التَّعَرِّي ." (46)

تلك الصّبغة السّحريّة المتعالية تجعل من طقس جماع الشّاعر لحرفه الأنثويّ "زلزالا" لكيانه الداخليّ باعتباره لحظةَ إشرافٍ على الحريّة المطلقة يعيشها الشّعر كلّما وقفت الأبجديّة على تخوم النّقطة.
فعلى تخوم النّقطة قد يقتنص الجسد جوابا عن سؤال اللّذّة لكنّه يقف مدهوشا أمام نقطة الحريّة وقد استدرجته باتجاه البحث عن مداد للحلم من همزة الألف بدل رحم النّون، لأنّ الرّاهن العربيّ- بما يعانيه من مشاعر إحباط وانكسار يحتاج إلى ترميم جسور الثّقة بين ألِف الجسد الحسيّ وهمزة الذّاكرة الثقافيّة، ويحتّم على ألِف الذّات التوسّل إلى نون الموطن من "مَنْزل المَحبّة" لا يبرحه، أي "مِن السُّرّة حتّى العنق"، على حدّ عبارة الشاعر أديب كمال الدين في قصيدة (الموكّل بفضاء الله)، حيث يطرح الشّاعر كيانا جديدا للحرف يجرّده من ألِف الجسد بعد أن أفرغه من دواعي التّشهّي وحصّنه من شوائب التشظّي وامتدحه في مناجاة هي أقرب إلى المزج بين الإجلال والشّفقة، قال:

" اسْمَحْ لي أيّها الألِف
المُوكَّل بفضاء الله
والموكّل بفضاء الصّبْر
والموكّل بفضاء الكتابة
تذرعُها وتذرعُك،
اسمحْ لِي أن أمتدحك
و أمتَدِح محبّتكَ التي ملأتْني
شمْسًا حقيقيّة
مِنَ السُّرةِِ حتّى العُنق."(47)

لا شكّ أنّ لحظتنا التاريخيّة تحتاج إلى قدر كبير من الإيمان وقدر أكبر من المحبّة.
من هناك من مراتب المحّبة حاولنا معانقة قضايانا، قضايا الرّاهن العربيّ، فكتبنا إلى الموطن في زمن متقلّب كثيرا ما يترسّب بالأنثى في حيّز تصنيع الجسد وانتهاكه مذكّرين بالقيم الدينيّة الحقيقيّة مستحضرين بعض ما قيل في تقنين التّعامل مع النّساء: " ما أكرمهنّ إلاّ كريمٌ، وما أهانهنّ إلاّ لئيمٌ."
وكلّنا أمل في أن يرأب ربيعُ الثّورات العربيذة الثّلمة الكامنة في الجسد الثّقافيّ والفاصلة بين الواقع والحلم، عساه يعيد المصالحة بين الموضوعيّ والذّاتيّ ثمّ بين الذّكوريّ والأنثويّ،
أي بين جسد ثائر يجاهد في إثبات انتصارهْ..
و جسد ثائر أيضا، لكنّه يكابد في لملمة انكسارِهْ ...
ربّما أنشدنا للجسد الرّمزيّ آنئذٍ "نشيد الأخضر": نشيد الخصب، جنبا إلى جنب مع "نشيد الأحمر": نشيد الحُريّة المتصاعد الآن من حناجر داميهْ.
يقول محمود درويش في قصيدة (نشيد الأخضر):
" لنْ أسمّيكَ انْتقالَ الرّمْز مِنْ حُلمٍ إلى يَوْمٍ
أُسَمِّيكَ الدّمَ الطّائر في هذا الزّمانْ
وأُسَمّيكَ انْبعاثَ السّنبُلَهْ..."(48)

* * *

حياة الخياري- جنوب تونس / ماي سنة (2011)
Khyari_hayet@hotmail.com

* *

قائمة المصادر والمراجع

1 - أبو القاسم الشّابي، ديوان أغاني الحياة، تقديم عبد الحميد الشّابيّ ، الدّار العربيّة للكتاب، تونس د. ت، ط4 ، ص 156
2 - أدونيس (علي أحمد سعيد)، تنبّأ أيّها الأعمى، دار السّاقي ، بيروت 2005 ، ط2 ، ص 21.
3- نذكر على سبيل المثال لا الحصر أحاديث الرّسول في "كتاب النّكاح" من صحيحي مسلم والبخاري، فضلا عن عديد الآيات القرآنيّة منها، مثلا، ما ورد في سوَر: (يوسف) و(التّحريم) و(الطّلاق) و(النّساء).
4- عبد الرّحمان بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدّراسات والنشر، بيروت 1984، ط1 ج2 ص 634.
5 - ميشيل فوكو، المعرفة والسّلطة ، مركز الإنماء القومي، ط 1 بيروت 1992 ، ص 84.
6 - أديب كمال الدّين، حاء، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر ، ط1 عمّان 2002، ص 148.
7 - المرجع نفسه، ص 150.
8- أبو العلاء المعرّي، الفصول والغايات، تحقيق محمود حسن زناتي، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت د.ت، ص71. قوله "مرجمون": الرّجم الظّن .. والرّجوم الظّنون، ومنه الآية: "سَيَقُولُون ثَلاَثَة رَابِعَهم كَلْبَهم ويَقُولُون خَمْسَة سَادِسَهم كَلْبهم رَجْمًا بِالغَيْب." (سورة الكهف/ آية22).
9- المرجع نفسه، ص73.
10- المرجع نفسه، ص73.
11- أحمد بن عبد ربّه، العقد الفريد، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1989، ط1، ج3، ص440.
12- أديب كمال الدين، أقول الحرف وأعني أصابعي، الدار العربيّة للعلوم ناشرون، بيروت 2011، ط1 ص 62
13- أبو العلاء المعرّي، اللّزوميّات، دار الكتب العامة ، بيروت 1976، ط1، ج2، ص357. " الوُكون": مفردها وَكْنٌ وهو عشّ الطائر.
14- عبد الكريم القشيري، نحو القلوب الصّغير، تحقيق أحمد علم الدّين الجندي، الدّار العربيّة للكتاب، تونس دت، ص139.
15- أديب كمال الدّين، نون، مطبعة الجاحظ ، بغداد 1993، ط1، ص21.
16- القشيري، نحو القلوب الصغير، ص129
17- أديب كمال الدّين، أخبار المعنى، دار الشّؤون الثقافيّة العامّة، بغداد 1996، ط1، ص 7.
18- أدونيس، الأعمال الشّعريّة الكاملة (مفرد بصيغة الجمع)، دار العودة، بيروت 1988، ط5، مجلّد2 ص659
19- أبو حيّان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة (اللّيلة الخامسة والعشرون)، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزيّن، منشورات المكتبة العصريّة، بيروت د.ت ، ج2 ص 139
20 - المرجع نفسه، ج2 ص 140
21- أدونيس، الكتاب: أمس المكان الآن، ص139.
22- R..Jakobson - Une vie dans le langage , Edition Minuit , Paris 1984 , p 27
23- عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، دار الكتاب العربيّ ، بيروت 1969، ط3 ، ج1 ص64
24- ابن عبد ربّه، العقد الفريد ، ج6 ص117
25- سعيد علوش، الجسديّ في المرآة المشروخة، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 50 ـ51، ص52.
26- أديب كمال الدين، ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة، دار أزمنة ، عمّان 2006 ، ط1 ، ص 85.
27- أدونيس، اِهدأْ هاملت .. تنشّق جنون أوفيليا ، دار السّاقي ، بيروت 2008، ط1، ص 176.
28- أديب كمال الدين، شجرة الحروف ، دار أزمنة، عَمّان 2007 ، ط 1، ص 51
29- نزار قبّاني ، تزوّجتكِ أيّتها الحرّيّة، منشورات نزار قبّاني، بيروت 1998 ، ط 4، ص 49- 54
30- أبو القاسم الزّمخشري، أساس البلاغة، (رمز) ، دار بيروت للطباعة والنّشر، بيروت 1965،ص 147
31- F .Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra,(Des contempteurs du corps); Librairie Générale Française, Paris 1983, , p 32
32- أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل لبخاري، صحيح البخاري من هدي الباري، (كتاب النّكاح)، تحقيق خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت 2004 ، ط2، مجلّد 5 ص 1334
33- أديب كمال الدين ، أخبار المعنى، دار الشّؤون الثقافيّة العامّة، بغداد 1996، ط1 ، ص 5- 6
34- أديب كمال الدّين، النّقطة، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر ، عمّان 2001، ط2 ص 34.
35- أديب كمال الدّين، حاء، ص 151.
36- أدونيس، أوّل الجسد آخر البحر، دار السّاقي ، بيروت 2003، ط 1، ص 189.
37- أدونيس، الكتاب: أمس المكان الآن ،ص 88.
38- "الشّطح: عبارة مستغربة في وصْف وَجْدٍ غاب بقوّته، وهاج بشدّة غليانه وغلبته." ، أبو الحسن عليّ بن محمد الجرجاني، كتاب التّعريفات، الدار التونسيّة للنشر، تونس 1971، ط1ن ص 73.
39- محمود درويش، المجموعة الشعريّة الكاملة، (أحبّك أو لا أحبّك)، دار العودة ، بيروت 1987، ط 12، ص 481.
40- البخاري ، صحيح البخاري من هدي الباري (كتاب النّكاح)، مجلّد 5 ص 1332.
41- محيي الدّين بن عربي، رحمة من الرّحمان في تفسير وإشارات القرآن، تحقيق محمود محمود الغراب، مطبعة نصر، دمشق 1989، ط1، ج 3 ص 143.
42- F .Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra , p 108
43- عبد الله محمد الغذامي، ثقافة الوهم: مقاربة حول المرأة والجسد واللّغة، المركز الثقافي العربي، باريس 1998، ط1، ص5.
44- أديب كمال الدين ، أقول الحرف وأعني أصابعي، ص 109- 110.
45- أديب كمال الدّين، حاء، ص 92.
46- أديب كمال الدين ، أقول الحرف وأعني أصابعي، ص 64.
47- محمود درويش، المجموعة الشّعريّة الكاملة، (أعراس)، ص 634.