منذ ان ظهرت البنيوية كمنهج فكري يقوم على البحث عن العلاقات داخل النص، كانت إحدى أهم ثمار نظرية سوسير اللغوية التي تؤكد على اللغة والكلام والصوت والمعنى واعتبار اللغة جزء من الكلام، وعرف اللغة بأنها نظام من الرموز المختلفة تشير الى افكار مختلفة ..
وأحدثت البنيوية ثورة هائلة في النقد الأدبي حينما نظرت الى النص بأنه كيانا لغويا قائما بذاته معزولا عن المؤلف والظروف التي أدت الى ظهوره مخالفة مفاهيم المناهج النقدية التي سبقتها في الظهور مثل المنهج التاريخي والتأثري والنفسي والاجتماعي التي أكدت بمجملها على المؤلف كمبدع للنص وارتباطه بظروف عصره التي ساعدت على إبداعه ..
فرفض البنيويون مؤلف النص واشتغلوا على تحليل النص لغويا وفك شفراته والعلائق المتكونة منه وارتكزوا في ذلك على علوم اللغة التي أحدثها فرديناد دي سوسير العالم اللغوي السويسري
( 1857ـ 1913 ) واورد فيها جملة من المفاهيم الجديدة أهمها التفريق بين اللغة والكلام واعتبار الجملة الأدبية نظاما من العلامات الذي يستند الى اللغة وعد الأدب تابعا للغة وتنبأ بالسيميولوجية واعتبرها علم العلامات وعلم اللغة جزء منها ..
فكانت علوم اللغة أساسا قامت عليه البنيوية وربطت بين النقد واللغة بوجود مستويات داخل النص مرتبطة توافقيا تحدد طبيعته وتحلله وتكشف بنيته كالمستوى الصوتي ـ مخارج الحروف وأنساقها ورمزيتها ـ والمستوى الصرفي للكلمة والنحوي والدلالي ومستوى تداخل اللغة.. يقول الناقد كمال أبو ديب في كتابه جدلية الخفاء والتجلي 1979:
(ليست البنيوية فلسفة ، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ولأنها كذلك فهي تثوير جذري للفكر وعلاقته بالعالم وموقعه منه وبإزائه) .
وهرع البنيويون الى إقناع المعارضين بالحجج والتنظيرات التي حددت مفهوم المنهج ويكتب رولان بارت (1915 ـ 1980) بأن اللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف، فتم عزل المؤلف تماما وإقصائه عن النص وعدم تقبلهم فكرة وجود الموضوعة قبل الكتابة واعتبار ان لحظة الشروع بالعمل ستتولد فكرة الموضوع وتركز جهد الشكليين الروس بهذا الاتجاه وكان تيارهم رافدا مهما من روافد البنيوية وبحثوا عن القوانين غير المرئية التي تؤثر على العمل الأدبي ووضعوا قواعد التحليل البنيوي حسب قوانين اللغة وبذلك نصل الى حقيقة نقدية مفادها ان الشكليين والسيميائيين والبنيويين اهتموا بالنص وأهملوا كاتبه وقد جهرت جوليا كريستيفيا ـ من دعاة السيميولوجية ـ معلنة بان النص جهاز لساني يعيد توزيع نظام اللغة.. وحسب القراءة السيميولوجية التي تقوم على إطلاق الإشارات كدوال حرة لا تقيدها حدود المعاني المعجمية ويصير للنص فعالية قرائية إبداعية ويصير القارئ المدرب هو صانع النص حسب قول بارت على انه ـ القارئ ـ يجب ان يكون واعيا لمفاهيم النص ومحدداته وعناصره وملما بقواعد اللغة.. مع ان بعض الدراسات البنيوية أقصت القارئ تماما من حساباتها .. ولم تكتف التفكيكية التي هي إحدى نظريات مابعد البنيوية بما آلت اليه سابقتها، بل أمعنت تمزيقا بالنص وفككته كاملا وحللت إشاراته وقامت بتوليفه ثانية لتقدمه بصياغة جديدة واعتبر جاك دريدا النص بأنه آلة تعمل بمفردها، فتفكيك بناء النص الواحد يؤدي الى تدمير البنى الارتكازية له ..
فعمل دريدا جاهدا لإقناع الآخرين بضرورة تقبل فكرته التفكيكية ودعا الى عدم إطلاق الأحكام الجاهزة بل التأني في تحليلها لفهم عناصرها ..
وتعد التفكيكية من أهم الحركات بعد البنيوية في النقد الأدبي وأثارت جدلا عنيفا في الأوساط الأدبية والفلسفية عند ظهورها على يد جاك دريدا ( 1930 ـ 2004) الذي ظل يصر على إعادة اكتشاف اللغة التي يكتب بها الكاتب واعتبارها جوهر طيفي يمكن لها ان تتجدد وتنمو وبرزت أفكاره خاصة بعد صدور كتابه (في النحوية) ودعا فيه الى تطبيقها ورفض السيميولوجية التي لم يؤيدها وظلت بنظره علما لم يظهر جليا بعد ، وأكدت التفكيكية على قيمة النص وأطلق عبارته المشهورة (لا وجود لشيء خارج النص). ويقول ليتش بهذا الصدد بان (التفكيكية تعمل من داخل النص لتبحث عن الأثر )..
ومفهوم الأثر مفهوم جمالي يظهر من خلال بنية النص والرموز والإشارات التي يتضمنها..
وظهرت دعوات دريدا واضحة في بعض مؤلفاته كهوامش الفلسفة والكتابة والاختلاف والحقيقة في الرسم والانتشار وإذن الآخر وفي كتابه ثقافة الكتابة يتحدث بإسهاب عن أصول اللغات وفضل اللغة على الأدب في حين ظهرت تفكيكيته واضحة في أعمال جيمس جويس ومالارميه وأنطوان ارتو وأبدع في تحليله نص موريس بلانشو (لحظة موتي) تحليلا دقيقا مستخدما مهارته في فلسفة التفكيك وبدا تأثره الواضح بالنص وجعل الموت لحظة يترقبها حيث الخلود والأبدية ونهاية صراع الانسان مع قدره.. وكذلك افرد حيزا واسعا في دراساته لنص كافكا الشهير (المحاكمة) مستخدما في تحليله ثلاث زوايا: العنوان وتأثيراته على النص وأخذه بمفرده ودراسته ككيان له تعبيراته وأسلوب النص من تراتبية في الجمل واختيار اللغة واستشعار كوامنها والحوار ورسم الشخوص أو كما يقول بارت أن الأسلوب لغة مكتفية بذاتها تغوص في الميثولوجيات الشخصية والسرية للكاتب.. والزاوية الثالثة بنية النص وعلاقاته وشكله والصورة الجديدة التي سيظهر عليها النص بعد تفكيكه..ويمكن عد النظرية التفكيكية نظرية تناصية لتأويلها النص حسب قراءة اللغة والإشارات واستبطان خفايا النص. فيقوم التناص على تفكيك النص وعد كل جزء منه نصوصا متداخلة فيه .
ويؤكد دعاة النظرية جواز تذويب أي نص أو نصوص سابقة في نص جديد والتعامل معه بعيدا عن التأثيرات والاقتباسات مع ان البنيوية والسيميائية تحتفل بالنص كاملا من حيث الرؤية والبنية والتأويل .. ولو أعدنا قراءة عبارة بارت : كل نص هو تناص مصنوع من نصوص أخرى موجودة فيه .. فأنه يلغي تماما إبداع المنشئ كونه صانع النص وعد النص يشتغل على نصوص مرئية أخرى ـ موت المؤلف ـ مما يبيح للنص الاستعانة بشفرات اللغة الموجودة في نصوص أخرى فيكون النص مقطع الأوصال ومبعثرا وغير مرتبط مع بعضه فيؤدي به الى إزاحة المعنى الأصلي له وافتراض معان وتأويلات معقدة لاطائل من ورائها غير الإيغال في الإيحاءات والرموز والغموض .. وأجاز بارت النص الجديد المتكون من نصوص أخرى وبعبارة اقرب يقوم النص الجديد على تهشيم بنى نصوص سابقة حسب افتراضه، مع ان بنية النص الجديد تختلف تماما عن البنية السالفة ولو كانت لغته وعلاقاته ظاهرة ويكتب بارت في كتابه (الكتابة في درجة الصفر 1953) عن اللغة :
(هيكل من الفروض والعادات مشترك بين كتاب عصر معين ).
ان نظرية التناص أجازت ذوبان جهود الآخرين في نص جديد دون الإشارة والتلميح والتنويه رغم ان التفكيكيين يقدمون عدة تفسيرات منها ان النص المتكون يظهر النصوص القديمة بأشكال أخرى كانت غير مرئية ولولا التناص لما ظهرت بصورتها الجديدة مع أنهم يدعون بأن منشئ النص قد اغترف من لاشعوره دون قصد وهذا اعتراف مبطن بالمؤلف الذي يصرون على إقصائه ..
ومهما تكن من تفسيرات ابتداء من بارت ومرورا بجوليا كريستيفيا وجيرار جينيت وجاك دريدا والشكلانيين شلوفسكي وباختين، فان التناصية بمفهومها وآلياتها قد أهملت المؤلف كلية ووقفت مساندة للنص بكل مستوياته .. وطبقا لقول دريدا الشهير: لاشيء خارج النص. فأنه يعتبر النص بناء لغويا له نظام ترتيبي خاص يصعب على المتلقي الغور في تفاصيله ان لم يكن ملما بمستوياته وإشاراته ..ان جاك دريدا حاول بجهود خارقة إقناع الآخرين بصحة فرضياته حول النص المفكك وبدراساته الغزيرة وأبحاثه وكتبه، إلا ان ما بعد الحداثة يبقى بعيدا عن الفهم وجميع النظريات التي حاولت تيسير الرموز والعقد، لم تستطع إزالة الغموض عن ماهية تلك النظريات والغرض منها اذا ما عرفنا انها لا تعترف بالمؤلف وإبداعه وتعتبر ان الإبداع بحد ذاته اندحارا للنص ..
وليس من المعقول الوقوف الى جانب تلك النظريات والمناهج ونلغي أسماء كبيرة كهوميروس والمعري والمتنبي ورامبو وبودلير وشكسبير ودانتي وملفيل وجوزيف كونراد ودوستوفسكي وتولستوي والسياب وعشرات الأسماء الخالدة بمجرد اننا ساندنا البنيوية والتفكيكية والسيميولوجية وغيرها من المناهج والنظريات التي ابتدعها الغرب وصفقنا لها بحرارة في الوقت الذي نستطيع تصور الدراسة النقدية بعيدة عن كل تلك الطروحات التي من الصعب هضمها وتطبيقها ونختصر القراءة النقدية البنيوية والتفكيكية بخطواتها المتكونة من الإدراك والتفكيك والتحليل والتركيب والفهم والتفسير، الى خطوات مختزلة كالتحليل والتفسير والتقويم مع ان تودروف جعل قراءة النص ثلاثة مراحل : شارحة واسقاطية وتحليلية .
لكننا سنصدم بحقيقة النظريات التي لا تعير أية أهمية الى تقويم النص وتكتفي بتحليله فقط، وهذا ماجعل أكثر الدارسين والمهتمين بشؤون الأدب والنقاد الى العزوف عن الإيغال في استخدام المشرط وتمزيق النص وفق ما تتطلبه البنيوية والتفكيكية وغيرها من المناهج التي أهملت صراحة المؤلف وأبعدته عن دائرة اهتماماتها وصار التعامل مع النص اليتيم الذي لا أبوة له، تعاملا متكاملا وكأنه وجد على قارعة الطريق لا احد له.. يكتب محمد علي الكردي في دراسته النقد البنيوي بين االايدلوجيا والنظرية (مجلة فصول ـ القاهرة العدد الأول 1983) :
ان تجاهل عالم القيم المتعمد يقضي على النقد البنيوي باستبعاد كل المضامين الأخلاقية والجمالية التي لا يمكن ان يخلو منها أي عمل فني من المستوى الرفيع .. ويقصد الكاتب بعالم القيم الذي ينشأ فيه المؤلف ويتأثر به إضافة الى رؤيته للعالم والهموم والمسرات التي واجهته أثناء كتابة نصه.. من هنا كان لابد من تكوين موقف نقدي واضح يتصدى للمناهج التي بقدر ما أفادت النص فهي أمعنت فيه خرابا وتمزيقا ولا نغالي ان قلنا بأن ما من ناقد عربي تصدى بصرامة الى النظريات الغربية التي صارت محط إعجاب القاصي والداني دون التركيز على مافعلته صراحة في إقصائها للمؤلف المبدع الذي لولاه لما ظهرت الأعمال الكبيرة الخالدة للوجود ..
ان قضية موت المؤلف تحتاج الى كثير من التأمل والتفكير وضرورة إعادة النظر بتقييم نتائج المناهج السالفة، فالنص والمؤلف كلا لايتجزأ ولا يمكن الفصل بينهما تحت أية ذرائع وان كانت قوية ومقنعة.. فالتحليل للنص وأنساقه ودلالاته ولغته بمستوياتها المختلفة من صرف ونحو وصوت
ودلالة ، لا يمكن ان يكتمل دون التطرق الى الكاتب الذي سبحت كلماته بين يدي الناقد الحصيف.. وان كانت كل المناهج قد احتفت بالنص وبوأته مكانا رفيعا أحيانا، إلا ان تطور الدراسات اللغوية بعد سوسير، صاحبها تطورا في الثقافة والأدب والفكر والنقد الذي كان تأثره كبيرا بعلوم اللغة وصار المتلقي أكثر رصانة في تقبل مايكتب وبنظرة لا تخلو من وعي وقدرة على تفهم دلالات النص وتأويلاته، فكان لا بد من إعطاء المؤلف حيزا مهما في الدراسات النقدية والتحليلية رغم ان المناهج التي بدأت بالبنيوية كانت تحليلية وابتعدت عن التقويم الذي قد يطال الكاتب حتما ..
وأسدل الستار عن المناهج القديمة والتي ظل المؤلف فيها فارس النص بلا منازع..وحتى النص لم يكتفوا بتحليله وتفكيكه بل راحوا ينظرون الى معناه الذي لم يسلم هو الآخر من مشرطهم وقالوا بأنه لايوجد معنى ثابتا للنص.. فالمعاني هي تدرجات تختلف ألوانها حسب سياق السرد ومن ثم حسب بنية النص نفسه.. ويعتقد البنيويون ان كتابات النقد على طريقة تفكيك البنى تشيع في نفوسهم مقاربات مع الذات كما يقول وليم راي : ان كتابات بول دي مان وكتابات بارت تستجوب الذات.. وبارت ينطلق من انفعاله هذا نتيجة تحوله من رائد للبنيوية السيميولوجية الى البنيوية التشريحية التي تغور في داخل النص لتبحث عن الأثر واستخدمها بارت في دراسات كثيرة ..
ان وقفة تأمل الى المناهج النقدية التي ظهرت بعد سوسير نجدها قد اتخذت من اللغة مادتها الرئيسية وصارت بمثابة انطلاق لها رغم تنوع أنماط مستوياتها وتعدد مساربها، إلا ان الاجتهادات التي رافقتها والمتمثلة في بعض رموزها لم تخدمها نقديا وظلت محصورة في حصن منيع لا يجرؤ احد على اقتحامها خشية احتجاجات المصفقين لها ..
وان اعتبرنا ان لها فضل على الأدب حين سلطت الضوء على أعمال كبيرة خالدة وان كانت معدودة ..
وليس كل نص مليء بالفجوات وفق ما تؤشره مناهجهم المعروفة كي يبحثوا عنها إنما كل نص لا يخلو من إبداع كاتبه وحضوره مهما بلغ حجم التهميش والإقصاء .. ربما.هتمت المناهج النقدية الغربية بالنص وأهملت جوانب خطيرة تتمثل بالقيم الفكرية والإنسانية التي يقف في مقدمتها المؤلف منشىء النص وربما سنشهد ظهور مناهج وأفكار جديدة تدعو الى إلغاء النص والاشتغال على العنوان بمفرده وقد نرى الاحتفاء بالمؤلف والنص معا وفق معايير جديدة تختلف عن المناهج التي سادت الأدب قبل ظهور البنيوية .. ربما ..