نحن العراقيون ، عندما يتحدث غريب عن جرحنا يكفينا أن ننتعش ونرطب أرواحنا التي جففتها الأوهام الغازية ويكفي أن نرتل مع _ هذا الغريب _ أنشودة أمل هو يراها أفضل منا ربما لان بصره ما زال نقيا من غبار( التي إن تي) والأمطار الحمضية التي تصبغ جدران بيوتنا البيضاء كل شتاء حتى يأتي الصيف ويحرق كل ما حولنا من ألوان طبيعية وصناعية ، هذا دأبنا مع _ الغريب _ فكيف إذا كان من يرتل الأمل لجرحنا منا وفينا وان كان بعيدا جغرافيا ولكن لم تمنعه البحار ولا الموانئ الممنوعة من الدخول ولا الأجواء المقسومة إلى خط مسموح وخط محرم وهذا خط جنوبي لا يكمن اجتيازه وهذا خط شمالي خاص بالملوك .. لم تمنعه كل العوارض البشرية والحيوانية والكونكريتية من دخول باحة حزننا ومشاركته ألمنا ورصد تداعيات توالي الليل علينا دون النهار . عندما قرأت ( الديوان العراقي ) _ صدفة _ في موقع إيلاف الالكتروني دون أن انتبه إلى اسم الشاعر والى نسبة غير قليلة من القراءة لم اعرف من هو الشاعر تخيلت أني اقرأ لشاعر عراقي جُبل مع الأحداث الأخيرة بعد سقوط بغداد لأني كنت اقرأ من خلال الديوان رصدا شعريا بالغ الدقة لأحداث بعد الاجتياح الأمريكي ، ولتقصير مني ، لم أكن اعرف الشاعر ( إبراهيم المصري ) وعندما انتبهت لاسم الشاعر استوقفني عمله لان الاسم مؤكد لشاعر عربي وعلى الأغلب من مصر .. وفعلا عندما شرعت بالكتابة عن الديوان بحثت عن خلفية الشاعر وعرفت انه شاعر مصري يقيم في الإمارات كان في العراق بعد الاجتياح بأسبوعين مع فريقه الإعلامي لتغطية الأحداث من بغداد لصالح إحدى القنوات العربية ، تجلى لي الأمر فيما بعد وأصبح من السهولة تحليل مواقفه وصوره الشعرية التي وردت بدقة وشفافية نادرا ما نقراها هذه الأيام وكان ما نقراه هو مقحم أو أن المبدع مجبر عليه لمجرد التواجد والظهور أحيانا . ولكن في هذا الديوان الذي يختصر كل ما نريد قوله شعرا بالألم العراقي والذي يرى الشاعر من وجهة نظره انه املاً عراقيا وليس ألماً عراقيا لأنه ، كما حال محبي الخير ، يأمل على طول الخط أن كفة العراق سترجح للعراقيين وللإنسان البسيط بلا مبالاة لما يحدث من فذلكات سياسية أو توجهات لا جذور لها في تاريخنا العربي . وربما لا يختلف اثنان على أن ما يحدث في العراق لم ولن يحدث في أية منطقة ربما لخصوصية العراق من نواحي عديدة ، ومن المؤسف ، كنا نريد لهذه الخصوصية أن تميز العراق نحو الأفضل وليس نحو الدمار .. ولكننا لسنا وحدنا في الساحة . لا نريد هنا أن نروج للجانب السياسي والتاريخي لما يحدث في العراق ما يهمني من الديوان العراقي الذي يختصر بعنوانه كل ما ممكن أن نطرحه لأنه مشروع خاص جدا بتدوين رصد عين ثالثة خارج بطانة الرحم الأصلية وحتما النظرة ستكون مختلفة . ولا يهمنا رأي الشاعر بذاته حول ما حدث لأنه مثلنا عاشر ورأى ولكه رصد الآنية في الأحداث دون معايشة المسببات السابقة وما نروم أو ما نحاول هنا أن نرصد القراءة الفنية والشعرية في الديوان الذي لفت نظري منذ قراءتي للعنوان وكم كنت أتمنى أن اقرأه من خلال كتاب مطبوع ولكن ما من حل آخر غير العودة إلى القراءة الالكترونية المرهقة ولكني سعدت كثيرا عندما اخبرني الشاعر أن الديوان سيصدر في كتاب عن قريب وهذا ما كنت استغربه أن اقرأ الديوان العراقي الكترونيا دون وجود إصدار ورقي له وربما بات هذا همنا نحن أن نلحق الركب وننشر قدر المستطاع حتى لا نخذل التاريخ والتدوين لأنك لا تعرف ما سيباغتك من توارد أفكار، صارت تنتشر في الآونة الأخيرة ، ما أن تحدث احدهم عن مشروع قادم سوف تقوم به أو ترسل مادة معينة إلى جهة معينة ( الصفحات الثقافية ) والتي لا تنشر للأقلام _ المغمورة _ وبعد أيام نرى نفس فكرة النص أو المقال مع بعض التحويرات منشورة بأقلام معروفة وهذا ما يحزننا ويجعلنا نسارع في نشر ما لدينا في أسرع وقت ونضطر أحيانا لتثبيت التاريخ ، الذي لا أومن به ، لمجرد أن لا يباغتنا صدق التدوين وأظن هذا ما كان يبغيه الشاعر من خلال نشر ديوانه العراقي الكترونيا قبل الإصدار الورقي وربما لفرط حبه للعراق والعراقيين أراد بأية طريقة أن يعبر لهم عن هذا الحب ، المهم أننا تشرفنا بقراءة هذا الديوان . واحمد الله أني وهبت بعض الوقت من عمري لأكمل قراءة الديوان بأمان ، وكما تفضل الأخ الشاعر المبدع عبد الزهرة زكي بقوله الذي يبدو انه يتطابق مع رأي قبل الإطلاع حيث يقول في تقدمته للديوان في جريدة المدى :
(منذ فترة لم اقرأ شعراً يثير اهتمامي.. لذلك كان فضولي للدخول إلى (الديوان العراقي) متواضعاً. وزاد في تواضع هذا الفضول (وهذه صراحة قد لا تستساغ في هذا الموضع) أن العلاقة بيننا، نحن الشعراء العراقيين، والشعر المصري ليست في صالح الشعر المصري.. أو فلنقل ليست في صالحنا نحن الشعراء العراقيين. لا فرق! )
نعم منذ فترة لم نقرا شعرا يثير اهتمامنا وإذا اشتقنا للإثارة نعود إلى أعمدتنا التي ( تاخت ) من كثر الاتكاء عليها .لعلَّ الأمر يبدو غريبا أن اقرأ لشاعر مصري على هذا النحو فانا لا افهم كيف يستطيع شخص أن يختلف كل الاختلاف ويتفرد وهو من يتشابه معهم في كل شيء إلا منطقة الخلق .. ربما يقول البعض أبالغ ، كيف .. ربما ، ولكن لنقل أني أتوهم أو أتوسم خيرا فيما اقرأ ولنتذوق ونرى .
يبدأ الشاعر صورته الأولى من منطلق الصورة نفسها فالصورة هنا غير الصورة الفوتوغرافية التي يقصدها ولكنها الانطباع والهاجس الروحي الذي كان ينتابه قبل دخوله ومعانقته لتفاصيل بلد ربما كانت تبدو للآخرين ممنوعة من اللمس أو بلد لا يضاهيه بلد من وجهة نظر آخرين . ساحة الفردوس لا تعني له الساحة التي تميز بغداد والمعايدات البريدية للعراق وإنما تمثل جزء من نتفة صغيرة لحلم كبير لا يمكن أن يُختصر داخل إطار أو يجمد في صورة تبدو باهتة بعد مدة ، إذا بغداد اكبر من أية صورة .. وأية صورة يقصد يا ترى ؟ ربما الخيال مثلا الذي يتحمل من السعة غير المحدودة والتلاقح الهذياني الذي يقود الفكر إلى مساحة شاسعة تتجاوز الأرقام المتعارف عليها ، هكذا إذا يرى الشاعر من النظرة الأولى . إن ما يحدث لا يمكن اختزاله بعدسة مصور أو كاميرا مراسل فالحدث عنده أعظم من الكلام والصورة لان بغداد _ أعظم _ من أن توصف في كلمة وصورة .. وهذا ما ننتبه إليه ، ونحن الغافلون ، عن هذه الحقيقة .
ساحةُ الفردوس
في الواقع ...
أصغر ممَّا تبدو عليه
في أي صورةٍ فوتوغرافية
لكن بغداد .. أكبر
من أي صورة.
هل سيكتفي الشاعر بحلمه البعيد عن بغداد فقط .. من الإهداء لا أظن ، ولنعد قليلا إلى الإهداء :
إلى:
أم باسم، أم عمر، نور، آلاء، فائزة، جواد، سهيل، هند، ماجد، سبأ، بلقيس، فيفيان سَيَّار، دثار، حميد، بتول، عبد العظيم، محمد، فاروق، ناجي، حنين، ليلى، هناء، كامل، رعد، برهان، بدر، كريم ... كيف أحصي أسماءكم أيها العراقيون وأنا أحدق في الشمس.
.................
أسماء عراقية وهي متداولة وشائعة ولكن ما علاقة إحصاء الأسماء بالشمس وما حضور الأسماء في حضرة الشمس .. هل الشمس هي ظل الأسماء أم الأسماء هي مرجع الشمس .. وفي الحالتين نحن نقترب من صورة شعرية يعترض عليها الكثيرون هذه الأيام ولا ادري هل كان ( السورياليون ) في عهدهم الأول يعيشون نوعا من الرفاهية الفكرية التي نفتقدها نحن ليفهموا كل هذا الكم من الألغاز التي يصعب على القارئ الآن أن يلتقط مثل هذه الصورة الشعرية ، وان تبدو بسيطة ، ولكنها في غاية البلاغة والرصانة من خلال الاسترسال بالأسماء التي اختارها بعناية لتمثل الطيف العراقي _ دون قصد طبعا _ ومن ثم ختمها بنهاية _ شمسية _ اختلط الأمر علينا هل الشمس ظل الأسماء أم أن الأسماء مرجع الشمس وهذا الترادف في الإيماءات والتاويلات يمنحنا فرصة للتنقل بحيرة محببة لذائقتنا في انتقاء الصورة الشعرية التي تناسب لحظة القراءة .
حاول الشاعر من خلال نصوص قصيرة تختزل صورا كبيرة ( لا تستوعبها الأطر الخزفية ) أن ينقلنا بخفة من لقطة إلى لقطة أخرى ولكن دون أن يقطع علينا متعة التلذذ بالتفكير مليا عن نهاية المشهد السابق وأحيانا يرتبط كلا المشهدين رغم عدم وجود رابط زمني أو حدثي بينهما لخلق خروج مناسب من ورطة القراءة المتسلسلة التي تنتابنا بمجرد البدء بقراءة الديوان ، وان كان صعبا ، فتخيل كيف أستطيع فك خصلات الصورة التي أمامي :
لماذا يبدو أهل العراق
عنيفين هكذا
وطيبين إلى حدِّ الوداعة
ثمة سرٌ لا يعرفه
إلا من يقبض أنهاراً تجري
بين يديه.
وبين هذه الصورة التي وردت في الديوان بعد سلسلة من الصور الشعرية :
يمرُّ نهر دجلة صامتاً
تحت جسر الجمهورية
تمرُّ فوق الجسر
دبابةٌ أمريكيةٌ صاخبة
ولا يلتفت النهر.
ثمة غزل واضح للطبيعة التي ابتلي بها العراق مذ تعرفت تضاريس الأرض على ارض السواد _ ولكن بالمعنى الآني وليس المعنى التاريخي _ فالنهر هنا يمثل للشاعر الجانب الحقيقي لبلد يفترض أن يكون حقيقيا ولكن لهول ما يحدث ، النهر أيضا يتنكر للوجع بمروره صامتا وتصنع اللامبالاة ولكنه بين يدي أبنائه هو قوتهم وسر ازدواجيتهم التي أشار إليها الشاعر في الصورة الأولى ، إذا ثمة علاقة متماسكة مع أبناء الأرض والطبيعة ، فالطبيعة تعرف كيف تذل جبروتها بين يدي أبنائها ولكنها ترفض حتى مجرد الالتفات لغير أبنائها . فهل في خزين الشاعر تاريخ مفقود كان يعيشه مع هوس حربنا ؟؟
ينحدر قليلا نحو إيماءات نحن نراها طبيعية ولكننا لم نرها بشكلها الحريري الذي قدمه الشاعر :
الشاي المغلي
بمرارته الداكنة
والسكر المُذاب
بحلاوته الحادة
يمزجهما العراقي
في .. استكانٍ .. زجاجيٍ صغير
ربما يحاول الموازنة
بين الفاجعة والأمل.
نعم ربما هي نوع من الموازنة التلقائية الذي تعود عليها العراقي ولهذا نحن لا نلحظ هذه التفاصيل التي من الممكن أن تمنحنا فرصة لمعرفة أنفسنا أكثر ولهذا لم اغفل قراءة اية زوايا من زوايا الديوان حتى الرأي الذي تعارض مع توجهي ، لا يهم ، طالما أن الصورة الشعرية تطغى على الرأي والطرح السياسي من خلال النص . غالبا ينتج هذا الانطباع لتركيز الأحداث على زاوية معينة وهو انحصار مأساة العراقيين في _ القائد الضرورة _ لهذا نرى الإسقاطات الفكرية للشاعر على نصوصه القصيرة المتسلسلة والتي يبدو عليها شبه تصريح سياسي مثل قوله :
بحيرةٌ على هيئةِ خارطةِ العالم العربي
يتوسطها مسجد "أم المعارك"
الآن فهمت
لماذا يحب العرب صدام حسين
إنه مَثلَهم الأعلى الذي
يمسح الدم عن سكين القاتل
في سجادة الصلاة.
الأمر واضح إلى هذه النقطة إن سياسة القمع والدم هو السائد على الحكم العربي ولكن الوحيد الذي كان يظهر هذا ويعلنه بالقول والفعل _ بالنسبة للشاعر _ هو القائد الضرورة . ولمَ لمْ يكن ضرورة إذا كان سببا في هذا النتاج الخارق الذي إن اجتمع العالم كله لينسجوا تاريخا داميا مثله لما استطاعوا . ويرى الشاعر أن حرية الشعب كانت في التخلص من هذه الضرورة ولكنه يستطرد إنها كانت بداية لما هو أعظم ..
هل تسمُّونهم .. رعاعاً
هؤلاء الذين ارتكبوا الفوضى
وأغرقوا أجسادهم فرحاً
في طوفانٍ من أوراق البنكنوت
لم يكونوا رعاعاً
كانوا في بهجةِ الذي حرَّر الفراغ يده
من سلطةٍ تقطع اليد.
إن البهجة بالخلاص لم تستمر كثيرا وكأنه كان فرحا طارئاً متوهما الأرض التي توسدها لبضع أيام وتلاها كل ما لا يحتمل ، إذا ما الذي تغير ، سوى لون الجلاد واسمه ولكن الكرسي والمنصب واحد فالأم تريزا تحتمل أكثر من تجسد على مر التاريخ وهناك الم مستورد وألم محلي فايهما أهون ؟؟ سؤال ساذج وخبيث ، نعم نكون خبثاء أحيانا عندما يعترينا العجز.
سوف أكون ساذجاً
إذا قلت ...
إنَّ الولايات المتحدة هي .. الأم تريزا
أو أنها سوف تقايض نفط العراق
بالحليب
ولكن ألم تساعد على الأقل
في إخراج العراق
من أنْ يكون للأبد
غرفة للنحيب.
ورغم ذلك يصِّر الشاعر على أن الأمل هو الخلاص الوحيد للعراقيين وكأنه يمَّني نفسه أن لا يصيب بلده بنفس الداء الذي أصيب به العراق بل يطلب من الذين لا يجيدون سوى التشاؤم أن يبعدوا تكهناتهم عن مستقبل العراق لان العراق بحاجة إلى الحب ولا شيء غير الحب :
داخل كل عراقي
حياةٌ كاملة
لهذا يبدو إنساناً غيرَ آيل للسقوط
والمقبرةُ الجماعية
ليست أكثر من حفرة
يعبرها العراقي بالكثير من الحزن
لكنه .. يعبر.
من خلال تأملنا للنصوص التي ما أن قرأتها توحي لك أن الشاعر مجبول بالألم الحقيقي للإنسان العراقي البسيط لأنه بسيط ولا ينظر إلى من في مستواه من علِ ، ولكن هل النظرة تكفي وهل الاستنطاق يكفي أن نكون مع الحدث وكما قلنا إن الحدث أعظم .. قام الشاعر بأقصى ما يمكن أن يفعله ليقدم للشعب العراقي ما عجز عن تقديمه بعض كبار الشعراء وان كنا متعاطفين معهم أنهم كانوا ممنوعين من الدخول إلى العراق لأسباب سياسية أو غير سياسية فمن حق الشاعر المصري أن يحظى باهتمامنا لأنه انتبه إلينا قبل غيره ليس بالصورة التي يحاول أن يستجدي بها انتباه الآخرين ، وان كان يستحق ، ولكن لمحاولة تاريخية في تصحيح مفاهيم خاطئة باتت عبئا على الشعب العربي بأكمله وكان العراق نافذته بل أراده كل النوافذ .
على عكس مجايليه من شعراء مصر ، ولا نريد التعميم هنا ، لان هناك تجارب ناضجة تستحق الدراسة والوقوف عندها ، يذكّرنا الشاعر إبراهيم المصري بالمغامر الذي يذهب إلى ارض غير أرضه ليبني مشروع حلمه .. متحملا كل تداعيات الفشل والنجاح .. لقد أخرجنا من قالب الجملة المسرحية أو المشهدية التي تتسم بها أغلبية التجارب المصرية الحديثة إلى تجربة أراها تخصه هو وحده لا تخص سواه . من إطلاعنا تعودنا أن نتلقى الجملة المسرحية في النصوص والتي تتغلب على الجملة الشعرية ، وريما يتوقف البعض ويقول ماذا اقصد بالجملة المسرحية ، باختصار هي الجملة المقحمة على النص الشعري وتصلح أن تكون جملة مسرحية وتلقى بطريقتها المسرحية أكثر من إلقائها شعرا وهنا نستذكر على سبيل المثال لا الحصر مثل تجربة إيمان مرسال في هذا النص المسرحي وخاصة الخاتمة التي من الممكن تسميتها بـ( الجملة المسرحية ) :
عندما أتحدث عن الديمقراطية
(تخرس ْ خالصْ) .
كنا نصرخ بصوت عال
دون أن يفهمنا أحد
وعندما اقترح أكبرنا سنا لأن نصبح ايجابيين
كنت أفكر في طريقة
لتحويل الحمامات العمومية للبكاء
والميادين الكبيرة للتبول
لحظتها،
صرخ مثقف مخضرم في صديقه :
عندما أتحدث عن الديمقراطية
(تخرس ْ خالصْ )
"من مجموعة المشي أطول وقت ممكن" دار شرقيات ، 1997
وتجربة الشاعرعلي منصور الذي يعتمد اللقطة المشهدية البحتة للتفاصيل اليومية أكثر من غيره وتجارب أخرى مؤكد إن القارئ سيحس بهذا وسيعود ليستدرك هنا بان إبراهيم المصري أيضا رصد التفاصيل واللجوء إلى الصور المشهدية وهنا تأتي مهمتنا في إبراز النقد لصالح نص المصري ونقول انه لم يرصد التفاصيل مثلما نقراها في تجارب الغير ولكننا نقرا التفاصيل في ثوب شعري خالص وخال من أية إسقاطات سردية مملة تبعدنا عن الجو الشعري لنغير مسار قراءتنا إلى قراءة مدونة أو جزء من رواية غير مكتملة في أحسن الأحوال .
ولا أستطيع تجاوز تجربة الشاعر في اختياره فعل التوازي والتوازن بين تناقضات الطرح والمطروح واختلاط الدال والمدلول حتى نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها فك رموز لحظة الكتابة وما كان يعتريه من صور داخلة وخارجة .. ولا أبالغ إن قلت كنت معه في كل جملة يكتبها وأتخيل الحالة التي كتبها ولمَ يستحضر المتضادات في اللغة من استعارة والقيام بعمل لاهوتي يقارب ما بين كينونات الطبيعة من جهة وبين فعل الإنسان من جهة أخرى ولنقرأ التالي ولنرى درجة الشعرية البالغة ذروتها أحيانا :
الحزن العراقي .. نبيلٌ / ضلله القتلة عن حاجته / إلى طلاء الحياة بالضوء.
التقطتُ له صورةً فوتوغرافية / حتى لا أنسى/ كيف يقيم الموت .../على أبواب العواصم العربية.
حين دخلت بغداد /لأول مرة /شاهدتُ من يحاول متطوعاً /تنظيمَ حركة المرور/ ثمة في العراق .../مَن هو قادر أيضا ً/ على تنظيم دقات القلب.
بغداد وحدها / كانت قصيدة / يحاول أهلها بأنفاسهم / لملمةَ قوافيها التي .../بعثرتها الحرب.
بهذه الصور الشعرية التي حاول الشاعر أن يمنحنا فرصة السياحة في غابة غير منتهية من الاحتمالات والتوقعات والأسئلة الخاصة بنا ويمنحنا فكرة التلصص أكثر وأكثر إلى مسيرته منذ بداية الديوان حتى نهايته والتي لا اعتقد انه أراد لها نهاية فعلية وأحس انه سيكمل الديوان على نحو آخر في زمن آخر لان الديوان بات ديوان إبراهيم المصري الذي قرأنا قبل أن نقراه.