كان يا ما كان، في غير بعيد من العصر والأوان، رجلان انكليزيان، من انكلترا إلى اسكتلندا بالقطار مسافرين. وقد وضع أحد المسافرين ذَيْن علي رفِّ الأمتعة في القُمرة حقيبة مغلقة تثير الفضول بحجمها الكبير، فما كان من المسافر الآخر إلا أن بادره متسائلاً بالكياسة التظاهرية الانكليزية المعهودة: أيها السيد، انني أتساءل، بيني وبين نفسي فقط، عما يمكن أن يكون في داخل حقيبتك الكبيرة.
وبالدبلوماسية الانكليزية الباردة إياها رد المسافر الأول: آه، حقيبتي؟.. نعم!.. حقيبتي تحتوي علي آلة مخصصة لصيد الأُسُود في الجبال الأسكتلندية! .
أوه، هذا عظيم حقاً! ، هكذا عقّب المسافر الأول مجاملة، غير انه استطرد بعد توقف قصير تطلبته برهة التأمل التظاهرية ضمن نفس أصول اللباقة الانكليزية: ولكن، يا أيها السيد، ليس هناك من أُسُودٍ في الجبال الأسكتلندية! .
فرد المسافر الأول آخذاً الايتيكيت المائع حتى أقصاه: آه.. حقاً! اذاً، وما دام ليس هناك من أُسُود في الجبال الاسكتلندية، فان ما في حقيبتي هو مجافن .
ما كان يمكن لهذه الحكاية التي قد تكون شيقة بعض الشيء، لكن غير المثيرة كثيراً، أن تدخل إلى نظرية السرد السينمائي لولا أن استمع إليها ألفريد هيتشكوك الذي شغف بها كثيراً، وطورها إلى مفهوم سردي إخراجي خاص به، حيث أصبح المجافن (التي هي كلمة اسكتلندية في أصل الاستعارة، وقد تكون اسم علم لكن لا معني لها أصلاً) لديه تلك الذريعة السردية المبدئية التي تقدم القصة باعتبارها العنصر الأهم للوهلة الأولي، غير أن الذريعة هذي، والتي يظن المشاهد لوهلة أنها أهم شيء في الفيلم الذي يشاهد، تنسحب تدريجياً من قلب الحكاية، مفسحة بذلك المجال لشخصيات وعناصر سردية أخري في الفيلم.
وفي أحسن الأحوال، لا يعود ال مجافن إلا بوصفه شخصية أخري، حدثاً آخر، موتيفاً آخر، أو عنصراً آخر في مجمل الحكاية، ولكنه، في كل الأحوال، لا يعود بنفس درجة الأهمية الخادعة، أو الموضوعة بغرض الخديعة، أصلاً، والتي ظهر بها في المرة الأولي.
وأحياناً يكون ال مجافن وهماً، شيئاً فارغاً، مجرد طُعم لا أكثر (خاتَم زواج، جاسوسا مفترَضا نسمع عنه كثيراً في السرد من دون أن نراه في عمل ينتمي إلى فنٍّ بصري وليس شفاهيا أو كتابيا فلنتذكر، مثلاً، كابلان الذي نسمع عنه كثيراً في فيلم جنوب بجنوب غرب ونتحرق إلى مشاهدته لأننا نفترض، بناء علي معلومات نصيَّة، ان لديه القول الفصل حول اللغز الرهيب، ولكن هيتشكوك لا يسمح لنا بأن نري كابلان هذا طوال الفيلم، الخ).
وبذلك فان بعض المشاهدين غير المتمرسين علي ألعاب هيتشكوك وأفخاخه السردية، بل حتى أولئك المدمنين علي مشاهدة أفلامه، يظلون مشغولين في مشاهداتهم لتلك الأعمال بالبحث عن أشياء وشخصيات تنسحب وتتراجع مثل الزَّبد، مفوتين بذلك علي أنفسهم الاهتمام بما ينفع الناس، ولا يدركون ذلك، في الغالب، إلا بعد فوات الأوان.
سأجتهد، اذاً، بأن السرد في رواية رحلة غاندي الصغير لالياس خوري ليس غريباً عن جوهر هذه التقنية السينمائية الهيتشكوكية؛ ذلك أن عنوان الرواية يبوح علي نحو مظلِّل بأن الحكاية ستكون مقصورة علي الشخصية الرئيسة التي اسمها غاندي الصغير، والتي تستأثر بكامل عنوان النص في إحالة مكانية بعيدة عن الفضاء الذي سيتضح أنه فضاء السرد، وبالتالي يفترض أن تكون تلك الشخصية سيدة الرواية وقولها الوحيد الأوحد حقاً، ان الحكاية هي لعبة أسماء كما تقول الفقرة الأخيرة في الرواية (ص 207 من طبعة دار الآداب الأولي الصادرة في بيروت عام 1989، والي الطبعة هذي تعود أرقام صفحات ورود بقية الاقتباسات في هذه المداخلة السريعة).
وطبعاً، سيذهب القارئ، بمجرد قراءة العنوان، إلى افتراضات ونظريات حول علاقة هذا الغاندي بالغاندي الأشهر في التاريخ، ذلك الضئيل جسماً الكبير فعلاً، والذي حرر بلاده من استعمار الإمبراطورية العتيدة، وسيتساءل عن علاقة غاندي الهندي، أثناء مرحلة الاستقلال الوطني، بغاندي اللبناني في سياق المأساة اللبنانية.
وينبغي مني أن أذكر هنا ان أحداث السرد في غاندي الصغير مربوطة مباشرة بأحداث الواقع التاريخي اللبناني المعاصر في غير موضع في المتن أو في الحاشية (وفيما يخص الأخيرة فنظيرها قليل في الرواية العربية الطليعية)ہہ مثلاً: ملاحظة في الهامش تشرح عبارة موت رئيس الجمهورية الواردة في المتن هكذا: انفجار بيت الكتائب في الأشرفية، 14 أيلول (سبتمبر) 1982، الذي أودي بحياة الرئيس المنتخب، بشير الجميل (ص 14، الهامش)؛ و فمع التدهور المتواصل للوضع في بيروت بين عامي 1980 و1981، انتشرت المتفجرات في كل مكان. وصار الناس يخافون من أماكن تجميع النفايات، لأنها أصبحت المكان المفضل لزراعة المتفجرات في المدينة (ص 64، المتن)؛ و حين انفجرت الحرب من جديد في 6 شباط (فبراير) 1984، وتحولت الأسواق التجارية إلى ساحة للدمار...الخ (ص 136، المتن).
وللتوكيد الظاهري علي أهمية غاندي (اللبناني) الثيماتية، يبدأ الفصل الثاني (وليس الأول كما هو متوقع) من النص بشذرات متفرقة ومعلومات ناقصة عن حياة وموت هذه الشخصية. وإضافة إلى ذلك تبدأ عدة فصول من العمل باللازمة السردية التي تستهل الفصل الثاني: قالت ألْيْسْ انه (أي غاندي الصغير) مات . جئت ورأيته، غطيته بالجرائد، ولم يكن أحد، زوجته اختفت، كلهم اختفوا، وبقيت وحدي....الخ (ص 12).
ويخال القارئ طوال الفصل الثاني بأنه قد أمسك بأول خيوط حكاية غاندي الصغير، وأن الفصول القادمة ستقدم معلومات جديدة وأحداث إضافية يكون من شأنها أن ترسخ بناء حكاية غاندي الصغير باعتباره البطل .
غير ان ما يحدث، في الحقيقة، هو أن غاندي الصغير يختفي، أو يكاد، وتحل محله شخصيات أخري، وحكايات أخري، بحيث أن القارئ ينسي الحكاية الأصلية ويستغرق شغوفاً في الحكايات الجديدة - مثلاً، حكايات أليْس الراوية، وسعاد، والقسيس أمين، وحكاية الكلب، والحلاق، ورالف، والأميركاني دايفيز، وريما، وغيرهم.
وأود أن أشير هنا إلى أليس التي مع انها تقوم بدور الراوي حسب ظاهر الأمور، أي مجرد الأداة السردية التي تنقل القصص، إلا ان قصتها نفسها تعادل ان لم تفق أهمية قصة غاندي الصغير (الذي يحتل العنوان) وقصص الشخصيات الأخرى، أو شخصية مدينة بيروت التي تتجاوز كونها مجالاً مكانياً للحدث إلى شخصية كاملة ومتكاملة ذات جرح، وذات فعل، وذات تاريخ.
صحيح أن غاندي الصغير يعاود إطلالته علي المشهد الروائي، لكنه يفعل ذلك وقد سُحب بساط أولوية حكايته من تحت قدميه. انه يعود لاحقاً في مختلف فصول الرواية، لكن بوصفه مجرد شخصية أخري مجرد واحد من الكومبارس الروائي، ان شئتم، وليس الشخصية الأهم التي استحوذت علي كامل عنوان الرواية وتوق القارئ، بحيث أن القارئ يهتف في نفسه حين يصادفه مصادفة في الزحام: آه! هذا هو غاندي الصغير من جديد! لقد كدت أنسي هذا المخلوق الصغير الغريب! .
والسبب في ذلك أن رحلة غاندي الصغير صارت تتماهى في رحلات الكائنات الأخرى في النص، حيث جعل زمن الأحذية السوداء حكايته تنصهر في بوتقة المآسي الأخرى. فعلي سبيل المثال يعود غاندي الصغير إلى الحكاية باعتباره وجهاً آخر من وجوه الحشد كي يطلب سيارة إسعاف لتقل مدام نهي القتيلة (ص 50).
ان غاندي الصغير هو الوجه، وأليس هي المرايا، والشخصيات الأخرى وجوه تتعدد في تلك المرايا وفقاً لمقولة ابن عربي الشهيرة التي تصدّرت الرواية: وما الوجه إلا واحد غير أنه/ إذا أنت عددت المرايا تعددا .
وبذلك فان عنقود الحكايات التي تجعل من هذا النص رواية اطارية هو صدي قوي لتقنية ما أسماه علم الجمال الغربي السرد الإطاري العربي (Arabic frame narrative) الذي قدمته لنا ألف ليلة وليلة ، وهي تقنية ألهمت بعضاً من كبار المبدعين الغربيين (مثلاً بوكاتشيو وتشوسر في الأدب الكلاسيكي الايطالي والانكليزي تباعاً، وبازوليني في السينما الايطالية البديلة)، بينما، في الوطن (الوجع؟) العربي نفسه، كان ولا يزال مصير هذا العمل الثري والضخم الإحراق والمنع الجزئي أو الكامل والحذف والبتر والتشويه علي أيدي سدنة الأخلاق وأوصياء القيم ورقباء الفكر والتفكير (ولعل من أفضل ما كتب بالانكليزية في الشأن الخاص ب ألف ليلة وليلة أطروحة الدكتوراه المتميزة التي أنجزتها فريال جبّوري غزّول Ferial J. Ghazoul في قسم الأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأمريكية، ثم نشرت الأطروحة هذي موسعة في كتاب أكاديمي بعنوان شعريات ليلية: الليالي العربية في سياقٍ مُقارَن Nocturnal Poetics: The Arabian Nights in Comparative Context صدر عن منشورات الجامعة الأمريكية في القاهرة في 1996).
هكذا، اذاً، تحاول أليس في غاندي الصغير أن تكون شهرزاد الجديدة في مسعاها نحو إيقاف الموت بالحكي، ويحاول الياس خوري أن يكون شهرياراً روائياً حداثياً في مسعاه نحو محاولة فض بكارة الحكايات التي يجمعها من شهرزاد الراوية. وقطعاً هي ليست صدفة أن أول عبارة من كلمتين في هذا النص المكتوب إنما تحيل صراحة إلى الكلام؛ إلى الفعل الشفاهي الإبداعي في الحياة العربية: لكنهم يتكلمون (ص 7).
تدور الحكاية، أو الحكايات، في غاندي الصغير في زمن الحرب والقتل والاحتلال والمأساة، وتصور شخصيات غاية في الاستثنائية، وليس شخصيات منمَّطة. انها شخصيات عجيبة (وليست عجائبية) تمارس ردة الفعل علي ما يجري في محيطها بطرق وأحاسيس غير مألوفة؛ فعلي سبيل المثال، لا تفقد ريما الإحساس بالاغتصاب فحسب، بل ان اغتصابها المُهين من قِبل أبو عبد الكردي علي سُلّم البناية يصبح معادلاً مفارقاً للحرية (ص 52)، ومثل أليس في علاقتها بطنوس، حيث لا تشعر بالغيرة من زوجته، أي الغيرة التي يفترض أن تشعر بها المرأة التي تقيم علاقة برجل متزوج من زوجته، بل انها أحبته وأحبت أولاده وزوجته (ص 63).
غير ان الياس خوري، وفي سياق المأساة اللبنانية ذاته، ينجح أيضاً في توظيف حس الدعابة المرير عبر استكشاف قدرة اللهجة اللبنانية علي التعبير عن هذا المناخ بطريقة اعتادها المرء، تقليدياً، في الرواية العربية المصرية؛ مثل المفتاح، زوج الست رشيدة، الذي يتكلم عن سلاطين بني عثمان كأنهم من أقربائه . يا عيني علي عبدالحميد، بس غدروه يا مَرَا . والمرأة تتأفف وتقول له أن يهتم بأسعار الطحين. طحين أي طحين، هيدا بلد، أنت ما بتفهمي ، ويذهب إلى مقهاه ويتعجب من هذا اللبنان الكبير الذي صنعوه. قال كبير قال، الله يصغره، شو كبّره، ما نحن ما بدنا، نحن شو بدنا (ص 100)؛ ومثل المشهد الذي يروي لقاء الخواجه فياض بشقيق القيصر الروسي في حيِّ السراسقة، والتخريجات الفنتازية التي تفتقت عنها عبقرية الأول لتفسير دلالات الملح والشموع التي استقبل بها الثاني من قبيل المِلح، المِلح يعني أن روسيا هي مِلح الأرض و الشموع يا مولانا، الشموع يعني أن روسيا هي نور العالم (ص 126)؛ ومثل الحوار الذي يدور بين رالف ومدام نهي حين تخبره بعزمها علي الزواج من قسطنطين مخباط: وبتحبيه؟ . قلت لك بحبه، شو عم نلعب . وبتنامي معه؟ . شوهالسؤال، طبعاً . بتنامي معي ومعه بنفس الوقت؟ . معك غير شكل، هوه بدي أتزوجه، أنت شي تاني . أنت شرموطه، تَعي (ص 81).
إلا ان استكشاف الطاقات الإبداعية للهجة المحكية لا يتوقف عند حدود الدعابة فاقعة أو عابثة أو سوداء في رحلة غاندي الصغير ، بل ان محتملها التعبيري يصل إلى درجات التعبير البليغ عن الهاجس الصوفي العميق: والله مراية، الله مرايه بس الإنسان بيرفض يشوف وجهه. الله وجهه والإنسان بخاف (ص 165)، حيث يتناغم التعبير بالعامية البسيطة عن هذه الفكرة الوجودية الكبرى مع مقولة أبو يزيد البسطامي الشهيرة: كنتَ لي مرآة، فصرتُ أنا المرآة ، وتتصادى، لذلك، مع مقولة ابن عربي التي صدّرت الرواية.
شاعر وناقد من عُمان يقيم في أمريكا
من المحاولات الكولاجيّة المبكرة في الرواية العربية الطليعية لنقل الواقع أو التاريخ مباشرة إلى النص الروائي استعمال الصور الفوتوغرافية ومنها الصورة الشهيرة التي لن تنمحي من ذاكرة الضمير البشري للطفلة التي تركض مذعورة وعارية بينما بدت في الخلفية قرية فيتنامية تحترق تحت القصف الجوّي بالنابالم التي حوتها رواية المصري صلاح عيسي مجموعة شهادات ووثائق لخدمة تاريخ زماننا .
القدس العربي
2005/05/11