عزالدين المناصرة
(الأردن)

عزالدين المناصرةولد يوري ميخائيلوفتش لوتمان في «لينينغراد»، العام 1922، ودرس الأدب الروسي والحياة الثقافية في القرنين الثامن والتاسع عشر. عمل أستاذا بجامعة تارتو في أسيتونيا، منذ العام 1963.   أسس «جماعة السيميائيات» في العام 1964، التي انضم إليها عدد من الدارسين المرموقين في تخصصات متنوعة: الرياضيات، واللغويات، والدراسات الشرقية، والأساطير، والفولكلور، والجماليات. ومن أهم مؤلفات لوتمان: بناء العمل الفني، بناء العمل الشعري، سيميائية السينما، تحليل النص الشعري.

تحليل النص الشعري (1972)
يرى لوتمان أن النقد الأدبي، هو «علم الأسئلة»، قبل أن يكون «علم الإجابات»، وأن النص الشعري، كل متكامل متفرد عن غيره، ومستقل بذاته، وبنيته الداخلية، كل يتمتع بوحدة فنية وفكرية. ويتحدد حل المشكلة العلمية، بمنهج البحث، وشخصية الباحث: خبرته وموهبته وحدسه النفسي. كما يسمح تحليل النص بعدد من المداخل. لذلك، فإن محور اهتمام الناقد، كما يضيف لوتمان، هو القيمة الفنية الخاصة التي تجعل ذلك النص، مؤهلا، لتحقيق وظيفة جمالية معينة. والنصوص متنوعة الوظائف في واقع الحياة الثقافية. لهذا يرى لوتمان أن النص، لكي يحقق غايته الجمالية، يجب أن يحمل في الوقت نفسه، عبء وظيفة أخلاقية أو سياسية أو فلسفية أو اجتماعية، وبالعكس، فهو لكي يحقق دورا سياسيا معينا، ينبغي أن يؤدي وظيفة جمالية. إن تفكيك الوظائف الاجتماعية للنص، ووصفها، ينبغي أن يسبق تحليل التفاعل القائم بين هذه الوظائف، كما أن كسر هذا التعاقب يخالف المقتضيات الأساسية «التدرج من البسيط إلى المركب» للمنهج العلمي. ويعلن لوتمان عن اختياره للمنهج البنيوي السيميائي آلية للتحليل. وفيما يلي، نقدم مجموعة من أفكار لوتمان النقدية، حول تحليل النص الشعري:

أولا: أساس التحليل البنيوي، هو، النظر إلى النتاج الأدبي، باعتباره كلا عضويا متكاملا، فالنص في ضوء هذا التحليل، لا يتلقى كحاصل جمع آلي للعناصر التي تؤلفه، بل إن تفتيت هذه العناصر كل على حدة، يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجود، إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنيوي للنص الأدبي. ولا يتحتم أن يدخل في حقيقة النص، كل ما يميزه ماديا، ذلك أن حقيقة النص، لا يبدعها، إلا، نظام من العلاقات والتقابلات ذات الدلالة، وبعبارة أخرى، لا يبدعها، إلا ما يندرج تحت بنية النتاج الأدبي.
ثانيا:

يعني مفهوم «البنية»، توافر الوحدة العضوية، وقد لاحظ كلود ليفي شتراوس، هذه الخاصية، حيث كتب: «البنية ذات طابع عضوي، لأن علاقة العناصر المكونة لها، تقتضي أن يكون تغيير أي عنصر، يقود بذاته إلى تغيير بقية العناصر». وهنا ينبغي تحديد ما هو بنائي (عضوي)، وما ليس بنائيا في عناصر الظاهرة الأدبية موضوع الدراسة، لأن البنية، تمثل بذاتها، أنموذجا، فهي تتميز عن النص، بأنها أكثر تنظيما، وأكثر صحة، وأكثر حظا من التجريد. أما النص في علاقته بالبنية، فيتجلى كما لو كان تجسيدا أو إحداثا لها على مستوى معين، وبالتالي، فإن النص، هو الآخر، تدرجي، هذا التدرج في النظام الداخلي، يعتبر سمة جوهرية في بنية العمل الأدبي. والمفارقة بين النسق، والنص، ذات مغزى أساسي في دراسة كل التخصصات التي تدور في نطاق البنيويات. فالمقابلة بين النص والنسق، ذات طابع نسي، غير مطلق.

والظاهرة الأدبية الواحدة، يمكن أن تتجلى من بعض الجوانب، باعتبارها، نصا، ويمكن أن تتجلى من جوانب أخرى، باعتبارها نسقا، يحل شفرة النصوص التي تحتل مستوى أدنى. ومن الخطأ إقامة تناقض حاد بين مفهومي النص، والنسق. كما يستحيل حل شفرة النص الأدبي، دون علم بمفاتيح هذه الشفرة، فالنص والبنية يتبادلان التأثير كل في الآخر، ولا يمكن أن يتحققا، إلا ضمن هذه العلاقة التبادلية.

ثالثا:



اللغة مادة الأدب، فاللغة تمثل القوام المادي، تماما مثلما يمثل اللون بالنسبة للرسم، والحجر بالنسبة إلى النحت، والصوت بالنسبة للموسيقى، لكن طبيعة «المادية» في اللغة، تختلف عن المواد في الفنون الأخرى، فاللون والحجر، يظل خاملا من الناحية الاجتماعية، حتى يقع في يد الفنان. أما اللغة، فتمثل مادة من نوع خاص، وتتميز بفاعلية اجتماعية عالية، حتى من قبل أن تطولها يد الشاعر. وتعرف (اللغة) بأنها: «جهاز الإبلاغ الإشاري، الذي يحمل وينقل المعلومة».وفي قلب اللغة، يقع مفهوم «العلامة _ الإشارة» بوصفه العنصر الأكثر أهمية: «العلامة ذات جوهر ثنائي، تتجسد في تعبير مادي معين، يمنحها منظورها الشكلي، فهي تتمتع داخل حدود لغتها، بمعنى ما يكون ما يسمى مضمون تلك العلامة». وتقوم العلامة دائما على الاستبدال، ففي حركة العلاقات الاجتماعية، تتجلى باعتبارها بديلا للجوهر الذي تمثله. أما علاقة البديل بالمبدل منه، أو علاقة العبارة بالمحتوى، فتمثل، ما يسمى بـ«دلالة الرمز أو العلامة»، ولأن الدلالة، هي باستمرار، موقف ما، فإن العبارة والمحتوى لا يمكن أبدا أن يتجانسا، أو أن يكونا نفس الشيء.

وإذا لم يكن بين العبارة والمحتوى، وجه مشترك، وكان تطابقهما لا يتحقق إلا في حدود اللغة التي ينتميان إليها -كالتطابق بين الكلمة والموضوع الذي تشير إليه- فإن العلامة في هذه الحالة تسمى علامة اصطلاحية. أما إذا كان بين العبارة والمحتوى، وجه شبه ما (الشبه بين رقعة الأرض، والخريطة الجغرافية التي تمثلها) أو بين الوجه واللوحة التي رسمت له، أو بين الإنسان وصورته الفوتوغرافية، فإن العلامة في هذه الحالة، تسمى علامة أيقونية، أو تصويرية، لكن مفهوم التشابه، يخضع للمسلمات الثقافية السائدة. ولا توجد الرموز أو العلامات في اللغة، وكأنها تراكم آلي لكيانات مستقلة بذاتها، ولا صلة بينها، بل هي على العكس، تشكل نسقا أو نظاما، ذلك أن اللغة نظامية بطبعها، وهي تتحقق ضمن قواعد معينة، وهذه القواعد، هي التي تحدد علاقة العناصر فيما بينها.

واللغة، بنية تدريجية، فهي تتوزع إلى عناصر من مستويات مختلفة. وعلم اللغة يميز بين هذه المستويات: الصوتية، والصرفية، والمعجمية، والتركيبية، وما فوق التعبيرية. وتنظيم عناصر اللغة، يسمى الموقعية. ولكي تشكل الوحدات اللغوية المختارة، سياقا صحيحا، من وجهة نظر اللغة التي تنتمي ليها، فمن الضروري أن تنسق الكلمات فيما بينها، وأن تنسق الوحدات التركيبية، وتنظيم اللغة على هذا النحو يسمى السياق. ومن ثم، فإن كل نص، إنما، يتم تنسيقه في محورين: محور انتخابي، أو موقعي ومحور تركيبي، أو سياقي. وانطلاقا من ذلك، فنحن نميز في كل نظام اتصالي بين منظوره البنيوي الثابت، والذي يسمى -حسب دي سوسير- باللغة، وبين إحداثياته المتغيرة عبر النصوص المختلفة، والتي تعرف بالكلام. ونجد هذه التفرقة في مصطلحات المعلوماتية: ]الرمز الشفري، Code - اللغة - والبلاغ = الكلام]. وتتوازن علاقة اللغة بالكلام مع علاقة النظام بالنص. وهنا يتسع مفهوم اللغة:

  1. اللغات الطبيعية: اللغة الروسية، اللغة التشيكية، اللغة البلغارية، وغيرها من المصطلحات.
  2. اللغات المصطنعة: هي الأنظمة الإشارية التي يبدعها الإنسان، وتستخدم في مجالات تخصصية ضيقة من النشاط البشري: الإشارات المستخدمة في علوم الجبر والكيمياء، ونظام الإشارات في الشوارع.
  3. الأنظمة النموذجية الثانوية: هي الأنظمة السيميائية المبنية على أساس اللغة الطبيعية، ومنها: الطقوس، مجموعات التواصل الإشاري الاجتماعية والفنية، وهي تندرج في كل سيميائي، مركب وموحد، هو الثقافة.

أما علاقة اللغة الطبيعية بلغة الشعر، فتتحدد في ضوء ما نلحظه من تعقيد في علاقة اللغات الأولية والثانوية، داخل كل مركب موحد، ممثل في ثقافة ما. ومن ثم، فإن تأثير اللغة القومية في تشكيل الأنظمة النموذجية الثانوية، هو حقيقة واقعية لا تحتمل الجدل، وبخاصة فيما يتعلق بوجودها في الشعر. لذلك كله يجب أن تتميز لغة الأدب عن لغة الحياة اليومية، وأن تتميز لغة الأدب عن لغة الاتصال والإخبار.

رابعا: "الشكل الطبيعي للكلام البشري المنظم، هو النثر" كما يقول الشكلاني توماشيفسكي. أما القول الشعري، فينظر إليه، باعتباره، ظاهرة أخرى ذات بنية، أشد تعقيدا. وينطلق التحليل البنيوي من حقيقة أن الطريقة الأدبية، ليست عنصرا ماديا في النص، وإنما موقف. ولهذا، يوجد فارق جوهري بين حالتين: الأولى: غياب القافية عن شعر لم يفطن بعد إلى إمكانات وجودهة (شعر الملاحم)، أو شعر لم يعد يحتذيها، فيكون غياب القافية عنه، داخلا ضمن توقع المتلقي (الشعر المرسل). أما الحالة الثانية: غياب القافية عن بيت أو أكثر في شعر يعتبر القافية، ضمن الظواهر الخاصة بالنص الشعري. فالنظرية الشكلانية الوصفية في فن الشعر، تشبه شخصا يكتفي بالملاحظة والتسجيل [وصف الشخص العاري]. أما النظرية البنيوية في الشعر، فهي تنطلق من مفهوم أن الظاهرة الملحوظة ليست إلا واحدا من مكونات الكل المركب[ الشخص العاري في حوض الاستحمام، ليس معادلا لنظيره العاري في محفل اجتماعي. ]فغياب الثياب في الحالة الأولى، يعتبر ملحظا عاما، لا يدل بذاته على شيء مما يميز الشخص الماثل، كذلك، فإن تمثال أبوللو في المتحف لا يبدو عاريا. كما أن النثر الفني، ظاهرة متأخرة من الناحية الزمنية عن الشعر. والحديث الدارج = النص، أما النثر الفني، فهو، = النص + طريقة الأداء الشعري لكلام اصطلاحي. وفي مراحل معينة من التطور الأدبي، ينقلب الموقف رأسا على عقب، فيصبح الشعر، هو الذي يتلقى على أساس من النثر.

ونلاحظ أن _ البساطة الفنية في ضوء التحليل البنيوي، تتجلى باعتبارها نقيضا للبدائية والفطرية. فالبساطة الفنية، أكثر تعقيدا من التعقيد الفني ذاته، وأكثر تعقيدا من ظاهرة الزخرفة. والنثر الفني، لم ينشأ إلا على أساس نظام شعري معين، يكون هذا النثر الفني، وكأنه رفض له. كما أن إقامة حدود بين الشعر والنثر، يصطدم بوفرة الأشكال الفنية المتوسطة بين طرفي الشعر والنثر. لهذا، من المشروع أن نتحدث عن ظواهر أكثر أو أقل نثرية، مثلما هو مشروع أن نتحدث عن ظواهر أكثر أو أقل شاعرية. لهذا يفضل أن نتجه ونلتفت إلى أكثر الأشكال النمطية تعبيرا عن حقيقة كل من الشعر والنثر.

ويستشهد لوتمان بكلام الباحث الفرنسي باري أوبنجاون، الذي ينطلق من تصور مؤداه، أن الشعر كلام منظم مرتب، وبالتالي، فهو كلام غير حر، ومن ثم، فإن مصطلح الشعر الحر، يعتبر من المغالطات المنطقية. وينضم إليه الناقد البلغاري _ م. ياناكييف ]الشعر البلغاري، 1960 الذي يقول: ]إن الشعر الحر Vers Libre ، لا يمكن أن يكون موضوعا للدراسة الشعرية. على اعتبار أنه لا يكاد يتميز بشيء عن الكلام العادي، ومن ناحية أخرى، فإن على دارس الشعر أن يشغل نفسه، بالشعر غير الحر[، فهو، أي ، ياناكييف، يستشهد بقصيدة الشاعرة البلغارية إليزافيتا باغريانا "المهرج يتحدث ، ويعلق عليها بقوله: ]إن الانطباع العام هنا، يشبه ذلك الذي يتولد من النثر الفني، وأصوات القوافي المتشابهة، ليست كافية لتحويل مثل ذلك النص إلى شعر] . كذلك يقول الفرنسي جوزيف غراباك، فيرى أن الشعر والنثر ثنائي بنيوي ذو حدين متعارضين، ومثل هذه العلاقة التعارضية، ليست دائما على إطلاقها، ولا يمكن أن نسقط من اعتبارها العناصر اللانصية في البنية الفنية. ورغم أن غراباك يعتقد أن بنية الشعر، وبنية النثر، تنمازان، انميازا حادا في وعي المتلقي، إلا أنه يقول: «طكلما قلت في الشكل الشعري تلك العناصر التي تميز الشعر عن النثر، اشتدت الحاجة إلى توكيد حقيقة أننا لسنا بإزاء نثر، وإنما بإزاء شعر على وجه الخصوص. ومن ناحية أخرى، فإن ثمة أبياتا من قصائد مكتوبة في إطار الشعر الحر، يمكن إذا اقتطعت من سياقها، أن تتلقى، بوصفها، نثرا». ويواصل لوتمان تعليقه: هناك جزء من البنية الفنية الواقع خارج النص، يمكن اعتباره _ مكونا فعليا، شديد الأهمية. فالعلاقات الخارجية للنص، ذات طبيعة ذاتية إلى حد كبير.
خامسا:

يمكن أن نلاحظ الخواص التالية فيما ليس شعرا:

  1. العناصر البنائية الدالة، علاقتها باللغة، واحتمالاتها الموزعة على مستوى الكلام، وتلك الأخيرة، لا تتمتع بقيمة دلالية خاصة، إلا نتيجة ارتباطها بثوابت معينة على مستوى اللغة.
  2. في حدود المستوى اللغوي، يمكن أن نميز بين نوعين من العناصر اللغوية: عناصر ذات معنى سيمانتيكي، بمعنى أنها تتعلق بشيء ما، مما يقع خارج اللغة، وعناصر شكلية، أي أنها تحظى بمعنى داخل اللغة ذاتها، كالمعنى النحوي، فإذا انتقلنا إلى الشعر:
    - أية عناصر من تلك التي تنتمي إلى المستوى الكلامي، يمكن أن تسلك في دائرة العناصر الدالة.
    - العناصر التي تبدو شكلية على المستوى الكلامي، يمكن أن تحظى في الشعر بطبيعة دلالية، وأن تحصل من خلاله على معان إضافية.

ولهذا، ينبغي أن نصف نصا ما، بأنه، شعري: «كلما كان مقدار العناصر الدالة فيه، يحظى بتلك الخاصية من التنامي»، ويضاف إلى ذلك، تعقيد أنظمة التوافق بين العناصر. وتحظى قاعدة «التماثل والمفارقة» في الشعر بطابع عام. فالعناصر التي تبدو في النص اللغوي، منقطعة العلاقات، بحكم انتمائها إلى بنيات مختلفة تتجلى في السياق الشعري، محكومة بمبدأ «التوازن، أو التقابل»، وهو المبدأ الذي يمثل أكثر القواعد البنيوية جوهرية، وتأثيرا في الشعر بخاصة. كذلك لا يمكن تصور فكرة فنية، خارج نطاق البنية. أما ثنائية «شكل/مضمون»، فينبغي أن تستبدل بها مفهوم «الفكرة التي تتجلى عبر بنية مساوية لها، والتي لا يمكن تحققها خارج نطاق هذه البنية. فالشعر معنى يبنى بنية معقدة، وكل عناصره المكونة له، عناصر دالة، بمعنى أنها عبارة عن إشارات إلى مضمون معين». فالعناصر الشعرية، تتحمل ثقلا دلاليا، لا تحظى بمثله في البنية اللغوية العادية. وبقدر ما تعتبر المقارنة (سواء بالتقابل، أو التماثل) القاعدة الأساس في مركب البنية، فإنها تشكل في الوقت ذاته، محور الارتكاز في تحليله.

سادسا: النص الأدبي، عمل على درجة عالية من التنظيم، يتحقق بخاصيتي: الموقعية Paradigm ، والسياقية Syntagm ، وفي مستوى الرياضيات، يتحقق بخاصيتي: التكافؤ، والتسلسل. ويتجلى التكرار في النص الأدبي، باعتباره إحداثا لمبدأ التنظيم على المستوى الواقعي، أي، التنظيم عن طريق التكافؤ. أما الموقعية، فتتحدد باعتبارها خاصية اقترانية، لأن النص، يتوزع إلى عناصر، وهذه العناصر تنتظم بدورها في بنية موحدة.
الموقعية تمنح العناصر المختلفة نوعا من المواجهة فيما بينها، فتشكل، مجموعة من الاحتمالات التفاضلية المتبادلة. فالموقعية تعني علاقة العنصر الموجود بالفعل في النص، والعديد من الاحتمالات والبدائل الصياغية الأخرى. أما في الشعر، فالبنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية، حين تنتظم في نسق لغوي، ومن ثم تخلق وضعا شديد التعقيد. وتتحقق الموقعية في الشعر بالكامل. وهي موقعية تكرارية، يتمثل محورها الأساسي فيما يدعى بالتوازي Parallelism إن تلازم القاعدتين «النظام، وخرق النظام»، سمة موضوعية في الفن، كذلك الشعر.
سابعا: إن علاقة الكلمة بالصوت في البيت الشعري، تختلف عن تلك العلاقة في الكلام الدارج. وتتمثل وظيفة البنية الوزنية للقصيدة في أن تلك البنية حين تكسر النص إلى عناصر، فهي تشير في ذات الوقت إلى انتمائه إلى الشعر، ولكن [التوتر] في النص، ما لبث أن اتسم بطابع التناقض بين المستويات البنائية على اختلافها، فالتكرار الوزني، ينتج عناصر متكافئة، ولكن الدلالة الصوتية والمعجمية لهذه العناصر، تؤكد عدم تكافؤها. وهكذا، فإن البنية ]الإيقاعية - الوزنية[، ليست مجرد نظام منعزل بذاته، وليست مجرد هيكل، يخلو من التناقضات الداخلية التي تتجلى في توزيع المقاطع المنبورة وغير المنبورة، بل إن تلك البنية، جدل وتوتر، بين أنماط مختلفة.
ونتيجة هذه التقنيات المعقدة، تولد التلقائية الشرطية، وهي التي تكفل للعمل الشعري، محتوى بالغ الكثافة. إن ما يدعى موسيقية الشعر، ليس ظاهرة صوتية بطبيعته، فموسيقية الشعر، تتولد من خلال ذلك (التوتر) الذي ينشأ حين نرى نفس الفونيمات الصوتية المتناغمة، تحمل أثقالا بنيوية متميزة. وبقدر ما يتعاظم حظ الفونيمات المتطابقة صوتيا من التنوع الدلالي والقاعدي والإنشادي، وبقدر ما يتضاعف ما نلحظه من القطيعة بين التكرار أو الوحدة على المستوى الصوتي، والتنوع أو التمايز على المستويات الأخرى - تتنامى موسيقية النص الشعري بالنسبة إلى المتلقي. فموسيقية النص الشعري، ليست خاصية مطلقة، وليست خاصية طبيعية محضة. فالوحدة الصوتية الأولى، ليست صوتا ذا طبيعة مادية معينة، وإنما هو ذلك الصوت الذي يحظى في لغة الفن بقيمة بنائية محددة.

يشمل مفهوم الإيقاع، ظاهرة التناوب الصحيح للعناصر المتشابهة، كما يشمل تكرار هذه العناصر، وهذه الخاصية من خواص العمليات الإيقاعية، نعنى بذلك خاصية التردد، هي بعينها ما يحدد معنى الإيقاع.
فإيقاعية الشعر، قد تعني التكرار الدوري لعناصر مختلفة في ذاتها، متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل، بغية التسوية بين ما ليس بمتساو، أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابه، بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة. والإيقاع في القصيدة، هو العنصر الذي يميز الشعر عن غيره.
ثامنا: الشعر يتكون من مجموع كلمات. وكلما كان النص أكثر أناقة وصقلا، كانت الكلمة أكثر قيمة، ودلالتها أكثر رحابة. فالمعجم لأي نص شعري، يمثل عالم ذلك النص، أما الكلمات التي يتكون منها، فهي التي تملأ فراغ ذلك العالم، ومن العلاقة بين كلا الجانبين، تتخلق بنية الوجود الشعري.
تاسعا: يحدد البولندي أوسترليتز مفهوم التوازي، كما يلي: كل شطرتين في البيت، يمكن اعتبارهما متوازيتين، إذا كانتا متطابقتين، فيما عدا جزءا واحدا، يشغل في كل منهما نفس الموقع تقريبا. فالتوازي يمكن النظر إليه، كضرب من التكرار، وإن يكن تكرارا غير كامل.
عاشرا: إن البنية الشعرية _والكلام دائما لـ، لوتمان_ تمثل آلية فنية شديدة المرونة والتعقيد معا، وإمكاناتها المتنوعة في حمل المعلومة ونقلها، تبلغ من التكثيف والاكتمال حدا، لا يمكن أن يقارن به في هذا المقام، أي إبداع آخر، تصنعه يد الإنسان. والنص الشعري، آلية جدلية عميقة ذات قوة طاغية للبحث عن الحقيقة، وتأويل العالم المحيط، ومحاولة التغلغل إلى داخله. ويختتم لوتمان قائلا: الفن ينفث الحرية في الأكوان، ويهز أحادية المعنى.

سيميائية الثقافة.. شعرية السينما

يرى يوري لوتمان، وبوريس أوسبنسكي أن ثمة لأية ثقافة، سمات نوعية، وأن الثقافة ليست نظاما عالميا على الإطلاق، بل هي نظام فرعي، يتشكل طبق نمط خاص، فهي لا تنظم كل شيء، وإنما تصوغ ميدان نشاط موسوما بخاصيات مميزة، وهي دائرة جزئية، أو مجال مقفل في مواجهة المجال الثاني، مجال اللاثقافة. أما الأمر المشترك الثاني بين مفاهيم الثقافة، فهو أن الثقافة في مقابل اللاثقافة، تبدو نظاما من العلامات، فهي نتاج الإنسان في مقابل الوجود الطبيعي، وهي نتاج أصول متفق عليها في مقابل النتاج التلقائي، أو غير المتعارف عليه، وهي القدرة على تكثيف الخبرة الإنسانية في مقابل الخاصية البدائية للطبيعة. أما الظواهر الثقافية، فهي أنظمة ثانوية مشكلة، وفق نماذج، وهو ما يوحي بطبيعتها الاشتقاقية في علاقتها باللغة الطبيعية.

أولا:

يقول يوري لوتمان في مقالته «سيميائية السينما»، بأن الثقافة البشرية، تتحدث بلغات مختلفة. وتتجلى هذه اللغات في شكلين: صوتي وبصري. واللغة، نظام من العلامات المنتظمة، تقوم بوظيفة اتصالية (نقل المعلومات). أما الإشارة إلى العلامة في اللغة، فهي تؤدي إلى تعريفها، بأنها، نظام سيميائي. ولكي تقوم اللغة بوظيفتها الاتصالية، يتحتم أن يكون لها نظام من العلامات، جاهز للاستخدام. والعلامة، هي البديل التعبيري المادي للأشياء والظواهر والمفاهيم التي يستخدمها مجتمع ما في عملية تبادل المعلومات، فالسمة الأساسية للعلامة، هي قدرتها على القيام بوظيفة البديل. كما أن العلامات ليس لها وجود منفصل مستقل، بل هي توجد داخل أنظمة عضوية. وتقوم اللغة، إضافة إلى التنظيم الدلالي، بدور التنظيم التركيبي. وهذا التنظيم، يتضمن قواعد ربط العلامات المستقلة في ترتيب (جمل)، وذلك طبقا لمعايير اللغة المعطاة. وتنقسم العلامات إلى مجموعتين:

  1. العلامات الاتفاقية الاصطلاحية: هي العلامات التي لا تقوم علاقة التعبير بالمضمون فيها على أساس محدد داخليا: فالضوء الأخضر يدل على حرية الحركة، وعلى أن الضوء الأحمر يمنعها. وكان يمكن الاتفاق على عكس ذلك.
  2. العلامة التصويرية البصرية ]الأيقونية [: تقوم على أساس أن للمعنى، تعبيرا جوهريا طبيعيا متميزا، مثل: الصورة. وعلى طول التاريخ البشري، هناك نوعان، هما: الكلمة والصورة. وتتسم العلامات الأيقونية، بقابليتها للفهم، وهي طبيعية. أما العلامات الاتفاقية، فهي تستخدم رسالة ذات نظام شفري. لهذا تتناقض العلامتان وتتعارضان.

ويشير لوتمان إلى أن درجة اتفاقية العلامة الأيقونية، تتضح عندما نتذكر سهولة قراءتها، وأن هذه السهولة ترتبط بمنطقة ثقافية معينة، وهي لا تفهم خارج حدود المنطقة الزمانية والمكانية. ونحن ندرك العلامات الأيقونية على أساس أنها: ]علامات أقل درجة من الكلمات [. أما العلامات الاتفاقية، فهي تمتلك قدرة على السرد، وعلى خلق نصوص سردية، أما الأيقونية فلا تقوم إلا بوظيفة التسمية. وعلى أساس نوعي العلامات، تتطور نوعيتان من الفن، هما: الفنون البصرية، والفنون القولية. ونحن نلاحظ -كما يضيف لوتمان- أن الفنون القولية (الشعر _ النثر القصصي)، تحاول أن تصنع من العلامات الاتفاقية المادية، نصا، تبرز طبيعتها الأيقونية. ويبدع الشاعر من العلامات المادية الاتفاقية، نصا، هو بذاته علامة أيقونية، والعكس صحيح، أي يمكن أن نسرد من خلال الصور.

ثانيا: يعد "وهم الصدقية"، أحد خصائص السينما، فهي تشبه الحياة، لكنها لا تتكون من الواقع كله، بل من أجزاء وقطع، يتم تفصيلها على شكل ومقاس الشاشة. وفي السينما، حيث العالم المجزأ إلى لقطات، ثمة إمكانية للتركيز على أي جزئية. فاللقطة السينمائية، لها نوع من الحرية اللصيقة بالكلمة، ومن ثم يمكن عزلها وربطها بغيرها من اللقطات، حسب الدلالة، وذلك على عكس الوحدات والتجميعات الطبيعية، كما يمكن استخدام اللقطات استخداما إما مجازيا تصويريا، أو استخداما كنائيا. ومن الممكن لأي صورة ذات امتداد مكاني في الحياة الحقيقية، أن يتم تركيبها في السينما على أساس «التتابع الزمني»، وذلك عن طريق تقسيمها إلى لقطات، ترتب واحدة تلو الأخرى. وتستطيع السينما وحدها، أن تركب صورة شخص، كأنها عبارة Phrase ، تحتل حيزا في الزمان. ويعتبر مفهوم «حدود المكان الفني»، أحد المفاهيم الأساسية في مفهوم اللقطة. ويقوم فن السينما وهو بصدد إنتاج صورة مرئية متحركة للحياة بتقطيع تلك الصور إلى أجزاء.

ولهذا التقطيع، جوانب عديدة، فهو بالنسبة لصانعي الفيلم تقطيع إلى صور، تتابع وقت العرض، بنفس طريقة تتابع الوحدات العروضية إلى الكلمات، في وقت قراءة قصيدة شعرية. وتتحدد حدود اللقطة، بأنها الخط الفاصل الذي ينفصل عنده جزءان، قام المخرج بتصويرهما، يقول إيزنشتاين: ]اللقطة هي الخلية الأولى للمونتاج[، ويضيف: «إذا كان لنا أن نشبه المونتاج بشيء، فإننا يجب أن نشبه مجموع قطع المونتاج _اللقطات_ بسلسلة الانفجارات في آلة الاحتراق الداخلي التي تحرك السيارة». ويوافق لوتمان على أن تطور فن المونتاج، قد جعل مفهوم اللقطة واضحا، وفسر ما كان خفيا، لكنه يرى أنه من المبالغة، النظر إلى حدود اللقطة من زاوية صلتها بالمونتاج فقط. ويؤكد لوتمان أن تتابع الأحداث الحياتية في حركة متصلة، يتم، بينما يكون الحدث على الشاشة، حتى دون المونتاج ما يسميه مفاصل فعالة تفصلها امتدادات خالية، مكونة من أنسجة رقيقة رابطة. فالحياة السينمائية، خيط بين «أجزاء مصفوفة» حسب إيزنشتاين. وتختلف الحياة المعروضة عن الحياة الحقيقية، بسبب تقطيعها الإيقاعي الذي هو أساس تقسيم النص السينمائي إلى لقطات، وللتقطيع طابع تلقائي خفي، وبه تدرك الرسالة.

وليست «اللقطة»، مفهوما سكونيا، إنها ليست صورة ساكنة، اتصلت بلقطة تالية لها، ساكنة أيضا. ولذلك لا نستطيع أن نوازي بينها وبين الصورة الفوتوغرافية المستقلة. اللقطة، ظاهرة دينامية، تسمح داخل حدودها بالحركة، وتتضمن أحيانا قدرا كبيرا من الحركة. وهناك تعريفات: فاللقطة هي: «أصغر وحدة في المونتاج»، أو: «الوحدة الأساسية في تشكيل السرد السينمائي»، أو هي: «وحدة العناصر داخل اللقطة»، أو، هي:
«الوحدة في المعنى السينمائي». وببساطة: «نستطيع أن نستبدل بمصطلح اللقطة، مصطلح الكلمة»، وليس هذا الارتباط بين اللغة والسينما، عرضيا. ونستطيع تعريف اللقطة -يقول لوتمان- بتحليل وظائفها، وأول وظائفها: هي: الاشتمال على معنى، فهي الحامل الأساسي للمعاني في لغة السينما، لكن الوحدات الأصغر ]تفاصيل اللقطة[، والوحدات الأكبر ]تتابع اللقطة[، تحمل معاني أيضا. وتبقى اللقطة كما هي، بصرف النظر، عن حجم الشاشة. وفي السينما يكون مجال الرؤية ثابتا من ناحية المساحة والكم، فلا يمكن أن تتسع مساحة الشاشة أو تضيق.
ثالثا: إن حدود اللقطة الثلاثة (محيطها، طاقتها، واعتمادها على التتابع)، تجعلها وحدة بنائية مستقلة، فهي جزء من الفيلم مع احتفاظها بدورها المستقل، وتحمل معنى مستقلا. وهذه الاستقلالية، تدفع إلى بعث اتجاه مضاد له، يتمثل في محاولة التغلب على استقلالية اللقطة عن طريق إدماجها في وحدات أكثر تعقيدا من المعنى، أو عن طريق تقطيعها إلى عناصر لها دلالة ذات أبعاد أصغر. وبفضل المونتاج تتغلب اللقطة على عزلتها عن طريق التتالي الزمني.

يعتبر يوري لوتمان مواليد (1922) من أهم العلامات البارزة في «جماعة تارتو السيميائية»، وهو بشكل ما بعد شكلاني، فقد ولد في عام الذروة الإنتاجية للشكلانيين الروس، لكنه رغم إعجابه بهم، لم يكن شكلانيا، بل كان بنيويا، سيميائيا، جدليا، وهو أيضا لم يتوقف عند الشعر والسرد، بل توسع في دراسة الفنون، باتجاه دراسة الثقافات، بنفس المنهجية التحليلية البنيوية السيميائية، مبرزا التناقض والاختلاف، إضافة للتماثل والتشابه والتناظر والتوازي ...وغيرها، والأهم هو قراءة العلامات السيميائية في النصوص، ودراسة البنيات وعلاقاتها داخل النص، مع التركيز على جمالية الوحدة الشعرية للنص التي توحد النص، مع استفادته من اللسانيات البنيوية.

الهوامش

  1. يوري لوتمان: تحليل النص الشعري، ترجمة: محمد فتوح أحمد، منشورات النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، 1999.
  2. يوري لوتمان، وبوريس أوسبنسكي: حول الآلية السيموطيقية للثقافة، ترجمة: عبدالمنعم تليمة، في كتاب: مدخل إلى السيموطيقا، الجزء ا لثاني، منشورات عيون، الدار البيضاء، المغرب، 1986.
  3. يوري لوتمان: مشكلة اللقطة السينمائية، ترجمة: نصر حامد أبو زيد ، المرجع السابق.

الرأي
جمعة 14 تموز 2006م