كريم جواد
(العراق)


مثال الطغيانلم يكن لأي عنوان آخر أن يشير بهذه القوة إلى أسلوب الشاعر عباس بيضون ورؤيته إلى القضايا التي يتناولها، غالباً على صفحات السفير الثقافي كعنوان كتابه (ربما، قليلا، على الأرجح) الصادر حديثا عن دار الفارابي في بيروت، ويضم (نصوصا مختارة) من كتاباته في السياسة والثقافة والفن والسفر، أو الرحلات كما يرد في "المحتويات" (1).
لقد أشار غير واحد من الذين تناولوا شعر عباس بيضون، وتحديدا مجموعته الشعرية الأخيرة (الجسد بلا معلم) إلى أنه يقشر المعاني، وكتب بعضهم عن إمعانه في تقشير معانيه إلى حد يصعب معه العثور على معنى لا يكون هو الآخر غشاء أو قشرة لمعنى آخر (2). وكأن قارئ عباس بيضون، وهذا ترجيع لما كُتب، لا يصل وهو يتتبع آثار الشاعر، أو حركته في الكتابة، إلى ما يمكن الركون إليه كمعنى أخير أو خلاصة نهائية. وبالتالي، فقراءته ــ على ما أفترض في استعارة مماثلة ــ أشبه بالسقوط في بئر تستوطنها قَرارٌ كثيرة, كلما ارتطمت أجسادنا، نحن قراءه، بقرار هوى بنا إلى قرار آخر سيهوي بدوره إلى آخر، فآخر، فآخر. حركة السقوط ــ الارتطام المتواصلة هذه هي مصدر "رجّات" أو ضربات متعاقبة من المتعة والإدهاش الجمالي اللذين تتيحهما قراءة شعره.
هذه المقاربة يمكن استخدامها في قراءة نثر عباس بيضون أيضاً، بل أن تقنيته تلك ــ إذا جاز أن نسميها تقنية، إذ أنها انعكاس لحركة فكرــ تتجلى بوضوح أكبر في نثره, لسبب يتصل "ربما أو قليلا أو على الأرجح" بمساحة الحرية التي يتيحها النثر، كمياً وأيقاعياً.
خلال قراءتي لمقالاته عموما، ليس فقط المتضمنة في الكتاب، أرى الشاعر عباس بيضون كمن ينقب بفرشاة، أي أن كتابته تنتمي إلى اللحظة التي يتوقف فيها العمل بالفؤوس والمعاول وآلات الحفر الثقيلة الأخرى. ليس لأننا لا نسمع "زعيقا" أو أصواتاً راعدة هادرة متوعدة عند قراءته، في النثر وفي الشعر على السواء، بل أيضا لأنه يزيل، فيما هو يكتب، قشرة االمسلمات والآراء الجاهزة التي تغلف خطابنا الثقافي، لكنه يفعل ذلك دون جعجعة، أو إدعاء بالتغيير، بل بهدوء يمكن خلاله لاحتكاك فرشاة بسطح مترب أن يسمع. إنها "نصوص يومية"، أو "انطباعات" على ما يقول في المقدمة القصيرة، معتذرا عن "تنوعها المفرط". إذن، ليست هي (مشروعا نقديا) أو( تفكيكا للخطاب)! الثقافي أو السياسي، مع أنها ككلٍّ تصب في المنحى ذاته ولها قابلية أكبر على التأثير والنفاذ.
أتخيله يستخرج المعاني، يتأملها، يقلبها بين يديه، يدي القارئ لاحقا، ثم يركنها جانبا، ليواصل من جديد استخراج معانٍ أخرى، ستشكل صورتها النهائية متلاحمةً جسد الكتابة ومضمونها. وعلى القارئ أن يتتبع المسار نفسه لا لكي يبلغ قرارا أو نهاية، فتلك مما قد يصدفه مراراً في الطريق، بل لكي يحظى بمتعة الارتطام المتواصل بصور ومعانٍ جديدة طازجة منطوية بعضها على بعض. حتى في نثره لا يمكن توقع نهاية، لأن عباس بيضون، في رأيي، يبدأ مقاله في أحيان كثيرة من نهايته، أو كأنه يبدأ الكتابة من الموضع الذي يعتقد الآخرون أنه خاتمة الموضوع والقول الفصل. أو، أيضا، لأننا حين ننتهي من قراءته نشعر إن كلماته لا تزال تتكلم. أليس هذا حال كل كتابة رفيعة؟ من هنا، كان من الضروري أن تنتظم هذه المقالات في كتاب، أن تكون كتاباً، أي أن تكف عن كونها مجرد "نصوص يومية" مكتوبة، على ما رأى بورخيس في الكتابة الصحفية عموماً، للنسيان .
لا تنبئ بداية مقال لعباس بيضون بما سيؤول إليه المقال في نهايته. هل هذا مستحسن بمقاييس فن "كتابة المقالة"؟ لا أعرف. ما أردته، هو أننا نكتشف عند قراءته، إخفاقنا في تبين مداخل أو "زوايا نظر" كثيرة، سواء من خلال تفكرنا الخاص أم عبر كتابات سنتوصل، بالمقارنة، إلى أنها لا تفضي في مجملها، إلا إلى المعروف والمتوقع، على اجتهاد أصحابها. بداية الفقرة أيضا لا تنبئ بنهايتها. ذلك لأنه في نثره، كما في شعره، يحتفر أو يقشر المعاني.
لا يكتب عباس بيضون مقالاته، في اعتقادي، ليعبر عن وجهة نظر سابقة لزمن كتابتها. نعم، ثمة خطوط عامة، لكن الاختلاف أو هذه القدرة العالية على التفرد تتولد لحظة الكتابة كلمةً فكلمةً. لهذا نجد أن العبارات والمقولات في متنه تتحاور في ما بينهما، تجادل أحداها الأخرى، تعدلها، تخفف من اندفاعها أو تدفع بها إلى أقصى طاقتها. ثمة نوع من مقاومة تبديها الكلمات ضد بعضها البعض، "ربما" بل " على الأرجح" لكي تحول دون قطعيتها. أليس هذا ما يراد التشديد عليه في عنوان الكتاب: عدم القطع، الاحتمال، والقليل القليل من اليقين. بعبارة أخرى عدم الإلزام. فالكاتب لا يلزم قراءه بأي شيء. يوافق على عرض أفكاره، بنشرها، للمشاركة، لتأكيد موقف ولإدامة الحوار، لكن ليس بوصفها مقولات، أو أحكاما نهائية على القارئ الأخذ بها، إذ لو كان الأمر كذلك لتحول إلى ضرب من "التبشير الآيديولوجي" أو "الوعظ" أو "الإرشاد", ومثل هذه، التي داخل المزدوجات، لا تظهر في كتابات عباس بيضون إلا لتؤشر خللا في الممارسة الثقافية أو لتشير إلى اللاثقافي في خطاب الثقافة.
يضم الأول من الأقسام الأربعة التي تشكل الكتاب عشر مقالات "ربما" هناك، بينها، مقالة واحدة لا يتم التطرق فيها إلى الشأن العراقي. خمس منها مكرسة كليا للعراق، أو هي تحديدا حول طغيان صدام وقسوته، كما نستخلص بدءا من عناوينها التي تسميه باسمه أو بصفاته، أي بأسمائه الحسنى معكوسةً. لكن إلى جانب الكلام في الطبيعة الإجرامية لنظام صدام، ومحنة العراقيين في ظل حكمه، ثمة نقد كثير للمثقفين العرب، أو لأولئك الذين افتقروا في مواقفهم إلى "الاستقلال اللازم للمثقف" على حد تعبيره. يلتقط عباس بيضون المفارقات الناتجة عن المواقف غير المحسوبة في علاقة المثقفين العرب بأنظمتهم، فلدينا، مثلا، المأزق الذي وقع فيه قسم من المثقفين المصريين بتفضيلهم العيش في ضيافة صدام على البقاء في مصر إبان حكم السادات. يقول في (طبل الثورة في مديح الاستبداد): "حارب [السادات] المثقفين في أرزاقهم وحجب عنهم النشر فما كان من بعض هؤلاء إلا أن سافر إلى العراق. خرجوا من تحت الغيمة الساداتية إلى الظلام الصدامي. بدا هذا في لحظة مشروعاً. لكنها فقط لحظة البداية، أما بعدها فهناك التورط وهناك التناقض وهناك الأسوأ. إذا كان السادات أرعن فإن صدام سفاح. وإذا كان نظام السادات خليطا هجيناً فنظام صدام استبدادي صافٍٍ. وإذا كان هناك حرج في التوافق مع السادات فإن في التوافق مع صدام ما يشبه الجريمة."
أما عن تمدد الطغيان وهيمنته على الثقافة من جهة، وتقصير أو عجز المثقف عن أداء دوره من جهة أخرى، وهما يشكلان معاً المفارقة التي يتكشف عنها سلوك الطغاة أنفسهم، يقول في "اختر الطغيان" : " سيكتب أدباء أميركا اللاتينية روايات رائعة عن طغاتهم، أما في العراق فيكتب الطاغية وحده روايته عن مهمته القدرية، ليس تيس يوسا ولا ديكتاتور ماركيز أو كارابنتيه أو فوانتس شيئا أمام صدام حسين، لكن أدباءنا ومثقفينا لا يرون أحيانا سوى نشاماه وقادسيته وقوس نصره المبني على جماجم جنوده وخوذ أعدائه" (3).
إن إشارة عباس بيضون الآنفة حو ل عدم ظهور رواية عن الدكتاتور في العراق، تلفت، دون قصد منه طبعا، إلى أن كتابته ذاتها حول دكتاتور العراق: شخصيته، طبيعة نظامه، ممارساته، كأنها تسعى لسد هذا النقص، اذ هي تصدر عما يمكن القول أنه هاجس سردي أو روائي واضح، بل يبدو في أحيان كثيرة ضاغطاً. ليس لأننا نعرف سلفا أن عباس بيضون سبق وأصدر رواية. لا. لاختبار صلاحية هذا الرأي يمكن العودة لمقاله (صدام حسين: التمثال وصندوق الصور العراقي) الذي يتناول "لحظة" تحطيم تمثال صدام في ساحة الفردوس، وليس ساحة التحرير، في بغداد. تلك اللحظة التي شهدناها والعالم أجمع، بذهول وعدم تصديق، على شاشات التلفزيون هي مادة المقال. على السطح، لا يبدو أن عباس بيضون يفعل أكثر مما تفعله الكاميرا التي تنقل الحدث. يصف حركة حشد من العراقيين إلى، وحول تمثال صدام. كيف حاولوا مع التمثال وفشلوا. كيف تدخلت الدبابة الأمريكية. كيف وضع الجندي الأمريكي السلسة في رقبة التمثال...الخ. في العمق سنجد أنه ــ وفي هذا تكمن القيمة الإبداعية لما يكتب ــ يسلط كاميرا خاصة به على المشهد. يقول عن الحشد: "جرأة أن يقتربوا. لعلهم لا يحتاجون إلى أن يزيحوا طبقات كثيرة عن أعماقهم، تسرب إليهم بالتأكيد شيء من صلابة معدن تماثيل الرئيس وكثافة إسمنته"ا وقوله عن التمثال: "كان يصدر زئيرا أخرس لكن الدبابة بقيت تتقدم، والذين تجرأوا على التجمع في تلك اللحظة المغناطيسية كانوا غالباً من نثار هذه القوة التي تتكسر بلا صوت الآن." بلاغة كهذه لا تصدر عن كاميرا بل عن مجهر بالغ الدقة. ثمة إذن هذا النسج الروائي المشغول بعناية سردية تذكرنا بنصوص شعرية أخرى لعباس بيضون. يبدأ المقال بهذه اللغة المتوترة والمشحونة شأن المشهد الذي تعيد تشكيله بتوتر وكثافة أشد. بالنسبة لي، يبدو المقال حول تمثال صدام وكأنه فصل من رواية عن الدكتاتور، بل أحد أجمل فصولها وأكثرها تصعيدا (4). لهذا أقول، لو قرأنا المقالات التي كتبها عن العراق مجتمعة، بما في ذلك المقالات الأخرى التي لم يحوها الكتاب، سنخرج بالحصيلة ذاتها التي نخرج بها عادة عند قراءتنا رواية عن دكتاتور، ليس لجهة الأحداث والحبكة الروائية، ما إلى ذلك، (فهذه لم تكن على باله، ومع هذا نعثر عليها مشظاة أحيانا في كتابته، وبـ "جرعات صغيرة") بل فيما يتعلق ببناء الشخصيات (صدام، ضحاياه، والمطبلين له)، واستبطانها، أي بسط عوالمها الداخلية، وتقويل سلوكها، أو تأويله بالنيابة عنها أحياناً. فكتابات عباس بيضون حول صدام، تغطي جوانب عديدة من تركبيته النفسية، طبيعة نظامه، حروبه وشراسة حكمه، ضراوته تجاه أعدائه وضحاياه، وخصوصا الوقائع والقرارات التي تتسم بطبيعة فنطازية تحيل إلى الأدب "الأميركي ـ اللاتيني" أكثر مما تحيل إلى الواقع. لهذا أقول، مرة أخرى، إن الانطباع الذي يتولد إثر قراءة رواية عن دكتاتور، أي عن هوسه بالسلطة، اعتقاده بأنه كائن كلي القدرة وما يستتبع ذلك من وقائع، تمنحنا إياه مقالات عباس بيضون بطريقة لا تقل شعريةً. طبعا، ليس ممكنا القول إنه كان مدفوعا في كتاباته ضد الدكتاتورية والطغيان بالرغبة في كتابةٍ تقارب الرواية أو تحاذيها، حسب. فالأساس أنها تعبير عن موقف مثقف مستقل في طروحاته وآرائه استقلالية قلما نجد نظيرا لها في ثقافتنا. وهو ما أثار، لدى المثقفين العراقيين، نوعاً من الشعور بالامتنان لعباس بيضون وللمثقفين اللبنانيين عموماً إبان الحرب الأخيرة وقبلها (5).
على كل حال، ملاحظة بيضون عن غياب رواية كهذه، والتي أشار إليها في مقال نشره، كمعظم مقالاته حول صدام، عندما كان الأخير لا يزال في السلطة، هي بمثابة دعوة، أعتقد أنها لا تزال قائمة حتى بعد سقوط صدام. فإذا كان قد أرادها، احتجاجا ثقافيا أو فضحا للطغيان, فهي الآن وسيلة لما يطلق عليه إخواننا الفلسطينيون أحياناً "صيانة الذاكرة الجماعية". إذ أننا ــ أقصد العراقيين ــ بحاجة فعلاً لصيانة ذاكرتنا التي بدأ مشروع التشكيك بوقائعها بعد أيام قليلة من سقوط صدام، أي فيما كان العراقيون منهمكين في توزيع رفات ضحايا المقابر الجماعية على عائلاتهم. سيكون هناك تأريخ لكن لن يكون للضحايا دور في كتابته حتى لو انتصروا في النهاية. لأن للتأريخ، خصوصا العربي، مسارا مرسوما منذ خمسة عشر قرنا، لا يسمح بالخروج عنه أو عليه. كأنه تاريخ مكتوب سلفا. من هنا، لن نفاجأ إذا خرج علينا أحدهم، بعد أشهر أو أعوام من الآن، بكتاب عن (صدام: رجل الدولة المفترى عليه) (6). لن يكون ذلك بمستغرب. فقد كتب أحدهم قبل أسابيع يقول أن حلبجة (يضم الكتاب مقال اعتذار عنها أو عن دم شقيقنا الكردي) كانت مأوى للخونة وأن الإيرانيين هم الذين أبادوا أهلها بالأسلحة الكيماوية!. فيما كتب آخر ما مفاده أن الجيش العراقي لم يكن ليهزم في الكويت عام 90 "لولا أنه طُعن من الخلف". والـ "طُعن من الخلف" هذه كناية عن الانتفاضة التي اجتاحت معظم المدن العراقية عقب حرب تحرير الكويت. أما ضحايا المقابر الجماعية، فترفض معظم محطات التلفزة العربية والكثير من الصحف لحد الآن القول بمسؤولية نظام صدام عنها (7).
إذن أن نضع صدام في رواية، أن نحوله إلى كائن قوامه الكلمات والاستعارات والصور، أضمن لذاكرتنا الجماعية من أن نفوض أمره المؤرخين وواضعي سير "السلف الصالح". فحتى لو توفرت لقلة منهم النزاهة المطلوبة، فثمة صعوبة في تدوين وقائع هي أشد فضاعة من أن تتقبلها الأجيال القادمة كأحداث فعلية أو بتعبير زياد الرحباني "أحداث وقعت فهي واقعية". تقديمها بصيغة روائية إذن، باعتبارها حكاية مستمدة من تاريخ متخيل قد يمنحها مصداقية أكبر في نظر أحفادنا. لقد عشت، أنا نفسي تجربة كهذه، عند قراءة "عالم صدام حسين" وهي رواية ممتازة ظهرت، على ما أعتقد، بعد نشر مقال عباس بيضون، لكن كاتبها وهو عراقي كان أمضى سنوات في كتابتها خارج العراق، ثم نشرها باسم مستعار. أصابني الذعر إزاء تفاصيل ووقائع كنت قد قرأتها بذعر أقل، سابقا في كتب وثائقية أو شهادات سياسيين كانوا قريبين من مسرحها. ربما لأننا نتخلى ما أن نمسك بالـ "رواية" عن شكوكنا فيما يتعلق بدقة أو مصداقية الخبر، لهذا يكون تأثيرها أمضى وأشد من الوثيقة أو التأريخ. فنحن نقبل وقائع الرواية وشخصياتها كحقائق ومسلمات في الوقت الذي لا نعود فيه ملزمين بتقبلها على أنها كذلك. هذا هو، باعتقادي، أحد العوامل التي تجعل ممكناً قراءة مقالات عباس بيضون عن الطاغية قراءة روائية، فهي وإن تعاملت مع واقع واقعي صرف، تتسم بما يتسم به الأدب عموماً من قدرة على تعضيد الواقعة (الواقعية) بمصداقية تجعلها بمنأى عن التشكيك. كتاباته أيضاً ــ كما أسلفت ــ لا تلزمنا بشيء، لا تعبئنا، ولا تدعونا للتصديق، لهذا تبدو أقرب إلى حقل الأدب والثقافة منها إلى كلام "في السياسة".
تدور الأقسام الثلاثة الأخرى لـ (ربما، قليلا، على الأرجح) "في الثقافة" و"تأملات" و"رحلات". وهي تضم كذلك نصوصا مختارة من المقالات التي نشرها الشاعر عباس بيضون على صفحات "السفير". لا أدري إذا ما كان توزيع محتويات الكتاب، قد تم لضرورات فنية خالصة، أم أن هناك إمكانية فعلية للفصل بين ماهو مكتوب في الثقافة وما هو مكتوب في غيرها، مادامت تصدر بمجملها عن حساسية فكريةـ لغوية واحدة تعمل على الحدث أو القضية السياسية بالأسلوب الـ"حفري" ذاته الذي تعمل به على المسرح والموسيقى، وكذا مع اللوحة والرحلة، والسينما.
لنقرأ فقرة كاملة وهي الأولى من مقال: (صدام حسين: التمثال وصندوق الصور العراقي) فهو يجسد، ما أردت، دون أن أفلح، قوله في السطور الآنفة حول خصائص نثر عباس بيضون وروائيته الواضحة أحياناً في مقالاته عن طاغية العراق:
"الذين تجمعوا مع وصول القوات الأميركية إلى ساحة التحرير في بغداد لم يكونوا حاشدين، التمّوا بحذر في الساحة ولم يتقدموا فورا إلى التمثال، تلجمهم قوة لا تزال في المعدن والإسمنت. إنها جرأة مع ذلك أن يقتربوا. لا يجتاز المرء حاجزا زمنيا من 34 سنة من دون أن يغمض عينيه ولا بد من أن يتردد قبل أن يقوم بهذه القفزة، إنها عقود سميكة مظلمة خانقة وليس سهلا أن يزيحها عن صدره. جرأة أن يقتربوا. لعلهم لا يحتاجون إلى أن يزيحوا طبقات كثيرة عن أعماقهم، تسرب إليهم بالتأكيد شيء من صلابة معدن تماثيل الرئيس وكثافة إسمنتها. لعلهم من الذين لا يخافون التماثيل ولا يخافون الدبابات التي لم تكن أقل معدناً وثقلاً. لجمهم قليلاً حوار القوة الذي دار بين الدبابات والتماثيل، ففي هذه اللحظة كان الشارع كله مشدوداً في غمرة هذا التجاذب. التمثال الذي صار له من زمن حجمه وطوله وتوازنه مع الفضاء والساحة كان مضطرا الآن لأن يبدي صلادته وضخامته في وجه الدبابة التي كان لها تقريبا نفس لونه. كان يصدر في الغالب زئيرا أخرس لكن الدبابة بقيت تتقدم، والذين تجرّأوا على التجمع في تلك اللحظة المغناطيسية كانوا غالبا من نثار هذه القوة التي تتكسر بلا صوت الآن، اقتربوا وبدت أحجامهم ضئيلة أمام التمثال. كان هذا تقريباً استعراضه الأخير الذي بدا سطحياً. كذلك كانت هزيلة وسطحية محاولاتهم كسر القاعدة. لقد أزالوا بصعوبة اللافتة التي تحمل اسم صدام حسين. كان عليهم أن ينزعوها بقدر من الجهد وأن يحتالوا لذلك كما يفعل حرفيون متأنقون في صناعتهم لا عصاة ثائرون متعجلون لإفراغ غضبهم، إذ لم يكن لهذا الغضب أي معادل في الحركة والجهد. كان التمثال خبيثاً وهو يقاومهم ويضطرهم لأن يتراجعوا أو يتحايلوا، ويبدون حذقاً وحرفة لم تكن هذه ساعتهما. مع ذلك بدا أن المعول والمطرقة يهبطان عبثاً على إسمنت القاعدة، يحدثان جرحاً فيها لكن اللحظة تصبر والجرح الذي لم يؤثر على حاله كلما زادت الضربات بدا أنها ترتد خائبة. الذين صعدوا يزدادون تعثرا وبيدون وكأنهم يستفرغون غضبهم ويستفرغون اللحظة نفسها في هذا العمل الذي كلما استرسلوا فيها بدت ضآلتهم وضآلة أدواتهم أمام شموخ التمثال وعناد القاعدة. هم الآخرون يظهرون هنا عاديين جداً كأنهم بلا وجه، كأنهم من لمامة الشارع، من مخلوقات التمثال نفسه الذي يدورون حوله كنمال كبيرة. كان الشق سخيفاً على قاعدة التمثال وظهر كخرق فيه. لم يؤذه لكنه أضاف إليه شيئاً كالركاكة، كالفقر، كعلائم السن بدا وكأن تحولاً طفيفاً لم نلحظه إلا الآن لحق التمثال، كأن ظهر عليه العمر أو العجز. كان بالوسع حينئذ الانتباه إلى أن اللون الدامس الذي كسا التمثال يجعله حائر الملامح، كأنه يشبه أشخاصا كثيرين في ذات الوقت أو أنه لم يعد يشبه عميقاً نفسه. تلك الذراع الممدودة المرفوعة اليد لتحيي من عل جمهوراً بدت من بعيد أكثر سخاءً من ذلك الوجه الذي لم يعد لونه يفصح عن ملامحه. ربما جعل هذا التمثال مقلقاً ككل الأشياء المتحولة، لكنه بدا أكثر إنسانية من أي وقت مضى. كان يستعد ليكون كل شيء، أحدب ومكسوراً ومداساً. يتحول قبل أن يصل إليه الرجلان اللذان صعدا بنوع من الأكروباتية التي جعلتهما أكثر ضآلة. وقف أحدهما بين قدمي التمثال. صعد الثاني إلى قمة الرأس، كان أشبه بمن يأخذ صوراً في ظل معلم كبير. عجزت الحبال وظلت المخلوقات الصغيرة تحوم حول وجه جيلفر وتصعد على جسده وتنخره برماحها الصغيرة. كان هذا من ناحية أشبه برقصة حول معبود صغير. بدا التمثال بالطبع أكثر ضخامة، لكنه بالتأكيد لم يكن قادراً على السخرية ولا المقاومة. الحبال تتقطع عليه بدون أن يتحرك، كأنما يتركهم يكبلونه وهو شبه نائم. بدا غضبهم بعد قليل لعباً. كان عليهم أن يهدأوا وهم يصعدون وينزلون، فتلك القوة التي فيه ليست عبثاً وليس من السهل تحويل جبار مثله إلى دب سيرك. كان لا بد من ترويضه غالباُ لكنهم كانوا هائجين كثيراً وانتهى بهم الأمر هم إلى أن يتروضوا. كلما صعد أحدهم يعود أقل هياجاً كأنما هكذا يستعدون ليخلوا التمثال بسلام، أو ينتهوا من هذه اللعبة. جاءت الدبابة في النهاية بعد أن زال التوتر. الجندي الأميركي لم يكن مشدوداً حينما صعد على الرافعة وكسا وجه التمثال بعلم أميركي، عاد وصعد وكساه بعلم عراقي."