(قراءة في لذة النص ومتعة الاستبصار
(المقهى.. أو الناس كما هم) لعبد الحكيم عبد الله)

خالد عثمان

«إن أقرأ بلذة هذه الجملة،
هذه الكلمة، أو هذه الحكاية؛
فلأنها كانت قد كتبت في لذة "
رولان بارت – لذة النص.

1 - تقديم :

خالد عثمانتتأسس العملية الإبداعية في مجملها على عناصر ثلاثة أساسية وهي المرسل والمرسل إليه والسياق (النص)، ولكي تحقق هذه العملية شرط التواصل، وجب توفر عقد ضمني بين الكاتب والمتلقي عبر البنية النصية المتكئة على اللغة الأدبية التي تستمد فاعليتها من تكسير الثابت وانزياحها نحو الغريب المدهش، فلا يتحقق العمل الإبداعي إذن إلا "بقدر تأمل اللغة وإعادة خلق اللغة مع كل خطوة وهذا يفترض تكسير الهياكل الثابتة للغة"1، والقاص عبد الحكيم عبد الله ينطلق من هذه المسلمة المنهجية، باعتبارها ركيزة أولى إذ يراهن على بنية لغوية بسيطة عادية في فردانيتها، لكنها لغة تنحى نحو التصويرية والمشاهدية والبصرية ضمن سياق النص كله.
إن المنجز القصصي الذي بدأه هذا القاص منذ نهاية الثمانينات حتى كتابة هذا النص "المقهى أو الناس كما هم.." منجز متحول في صيرورته البنائية، يهدف إلى صياغة أبجدية جديدة تتحول اللغة بموجبها من مجرد مفردات راكدة إلى صور مرئية / بصرية، يكون فيها القارئ أمام شاشة سينمائية تنقله إلى كل الأمكنة وتدخله في كل الأزمنة، وهنا تتأسس الركيزة /المراهنة الثانية في تجربة عبد الحكيم عبد الله وهي وجود المتلقي في نصوصه قارئا فاعلا ومنجزا في المتن / الأثر .
لقد استعاد القارئ مكانته في العمل الإبداعي مع ظهور نظرية التلقي، ويقضي الاهتمام به ظهور جانب تفاعلي بينه وبين النص والعلاقة المفترضة بينهما، ودرجة التواصل الفكري والجمالي بين النص باعتباره بنية لغوية تخيلية، وبين القارئ باعتباره منتجا جديدا لهذا النص، لأنه يعتمد الكشف عن المنثور بين السطور، مكلف بملء فراغات تركها الكاتب عمدا، فهو إذن قارئ متورط في كتابة النص كتابة عاشقة، متواطئ وفاعل إيجابي في الصورة السردية يشعر بدفء المتخيل... يتلمس الرطوبة... يتحسس الكم والزر، والأبخرة المتصاعدة من الأطعمة والشاي، ويدخل زبون جديد في المقهى...

2- دخول المقهى / النص :

يتمفصل النص/المقهى...إلى ثلاثة مقاطع كبرى تتساوق في صورة جمالية عامة للنص، يؤشر عليها بدوال رقمية، يؤلف بينها الإيقاع الصوتي والبصري المتماسك في الجو العام للنص.

المقطع الأول:

"كل شيء جميل وآمن في المقهى، الطعام جيد والإضاءة مبهجة، والنادل طيب وحنون مثل الأم الكبيرة قرب الباب شجيرة صغيرة، تمد أغصانها النحيلة بليونة ومودة، لا تخدش أكمام النساء أثناء الدخول.."
"إن الافتتاح منطقة خطرة في الخطاب : ابتداء الخطاب فعل عسير؛ إنه الخروج من الصمت، والحقيقة أنه لا يوجد سبب للابتداء من هنا لا من هناك، إن القول ببنية لا نهائية، وأعتقد أن الإحساس بلا نهائية القول هذه هو الحاضر في كل طقوس افتتاح القول... فدراسة مفتتحات السرد – إذن - هامة جدا، وهذه الدراسة لم تحصل بعد .. "2
ليس عبثا أن تكون بداية المقطع الأول، افتتاح النص /المقهى.. من بابه؛ لأن الباب هو العتبة الأولى لولوج أي مكان ما، كما أن السارد وضع مشهيات ( الأمن .. الطعام الجيد .. النادل الطيب ..الشجيرة ذات الغصون اللينة...) سعى من خلالها إلى إثارة القارئ/الرواد والحصول عليهم للمحكي/المقهى.. لهذا جاء المشهد طبيعيا وكأننا أمام بداية مشهد سينمائي تدنو فيه كاميرا المصور من المدخل الرئيس للفلم.
لقد أعطانا القاص صورة خارجية للمقهى حيث تقترب الكاميرا اللغوية/ السردية تدريجيا وبترقب من البؤرة النصية، بحيث نرى المقهى من بعيد : مضاء ببهجة والنادل والشجيرة "الحنونين" يؤثثان فضاءه، إنها صورة أولية ومصغرة عن المقهى أولا، ودعوة مغرية لاكتشافه من الداخل ثانيا، فلندخل المقهى حتى نكون من بين رواده؛ لكي نتأكد هل فعلا كل شيء جميل وآمن كما نقله لنا السارد/الكاميرا؟؟
"الإضاءة الرخوية تتحرك بين عيون الجالسين الذين يتحدثون بفرح لأنهم أصدقاء، لديهم كلام كثير ينطقون به بسهولة لأنهم يحبون بعضهم ويحبون المقهى والطعام. وقطع الضوء تقع على شفاه المتكلمين وتلامس أسنانهم..."
في هذه الزاوية البصرية رصد لنا السارد ثلاثة حركات كبرى متزامنة تتجلى في ( تحرك الإضاءة بين عيون الجالسين/ تحدث الجالسين إلى بعضهم / وقوع قطع الضوء على شفاه المتكلمين..)
يسلط السارد كاميراته مباشرة على الإضاءة وهي تتحرك بين عيون الجالسين برخوية، مع تزامن موفق في إشراك الشخصيات في مشهد واحد دون فاصل مكاني أو زماني للحظة التي تمظهرت فيها الأضواء، كما أنه أشار بطرف خفي وساتر إلى العلاقة التي تربط كل شخصية بالأخرى وارتياحهم للخدمات التي يقدمها هذا المقهى، كما تتميز المشاهد في هذا المقطع -وفي بقية المقاطع في النص- بحركية تلقائية دون انتقالات مفاجئة أو متعثرة، بعيدة عن أي ملمح أو مشهد توصيفي لا يستمد مادته من الأشكال والألوان، ولإضفاء طابع الديناميكية على النص اختار السارد الأفعال ذات الدوال المتحركة والبصرية المتجلية (...وقطع الضوء تقع على شفاه المتكلمين وتلامس أسنانهم... يحبون وضع الأرغفة على سطح الطاولة، يخرجون الخبز..)
وقد جاءت هذه الحركات منسجمة عبر حزمة واحدة دون فواصل تكسر توهجها أمام القارئ في شكل لوحة تشكيلية بصرية.

المقطع الثاني:

" المرأة التي تـقف قريبا من النافذة مستـندة بمرفقها الأيسر على المنضدة البنية الكبيرة ثوبها رمادي شاحب ، يتحدث إليها رجل يلبس معطفا جلديا . قال شيئا ، استمعت بابتسام ، ثم قال شيئا صغيرا في نهايته ضحكة فرحة ، أغمضت عينيها لتتذكر ، تذكرتْ ، ضحكت بخفـر ."
افتتح المقطع بسياق نصي معرف (المرأة) غايته تسهيل الولوج إلى هذا الفضاء السردي، وكشف كل ما يدور عند تلك النافذة بسبب عدم اتضاح الرؤية في بدايتها، فالمشهد بعيد عن المتلقي، لذا تأتي الكاميرا اللغوية/السردية لتفضح بقدر جيد المشهد وتقربه إلينا، فتقوم أولا بتبئير هذه "المرأة" وتقريب بعض قرائنها خطوة خطوة، لونا وشكلا مع التركيز على الوضعية الجسدية باعتبارها أحد أهم الثيمات في هذا النص، وفي مرحلة تالية يوجه السارد كاميراته إلى زاوية أخرى في المشهد نفسه، فيظهر لنا جليا رجل بمعطف جلدي (يتحدث إليها رجل يلبس معطفا جلديا...) ثم تبقى الكاميرا هناك ساردة أدق التفاصيل المتوارية خلف الحدث (ياقة كبيرة وساذجة، أزرار كبيرة بيضاء مغطاة بالمخمل) وعن الخفقات التي تحتاج إلى عدسات مكبرة.
أما ذلك التوتر الجسدي الذي أصاب المرأة نتيجة كلام الرجل لها فسأترك جماليات "باشلار" تقرأ تلك الصور الحلمية القريبة من أحلام اليقظة فـ (كل الحالمين المتوحدين يعرفون أنهم يسمعون بشكل مختلف حين يغمضون أعينهم، حين نحصر ذهننا لنصغي للصوت الداخلي أو لنكون الجمل الدقيقة البناء التي سوف تعبر عن الجوهر العميق لتفكيرنا فإننا نغمض عيوننا، عندها تعرف الأذن أن العيون قد أغمضت، وتعلم أنها أصبحت الآن مسئولة عن الكائن الذي يفكر ويكتسب، الاسترخاء يأتي عندما يعاد فتح العينين"3

المقطع الثالث:

" التصق النادل بالطاولة ، وحرك يده قليلا نحو كأس الماء وقال كلمة ، كلمة كاملة هذه المرة ولكنها صغيرة ، صغيرة جدا مثل نملة ، وحين وصلت إلى وعي الآخر الجالس إلى الطاولة ، ابتسم باتساع قريب من ضحكة ، حينها لمس النادل طرف الطاولة وقال – كعادته – كلمة ضئيلة أخرى، فحرك الجالس رأسه بإيماءة وصارا يضحكان كصديقين في مدرسة ."
أدخلنا السارد في خفة الحوار الممتنع البسيط الصغير جدا مثل نملة، أو لنسميه حوارا من خلف حاجز زجاجي كاتم للصوت، حيث تركزت جهوده على نقله بالصورة المجسدة للحركة بعيدا عن اللغة المنطوقة الكلاسيكية التي قد لا تعبر عن المستوى الاجتماعي والثقافي والحضاري للشخصية المتحدثة.
ما نراه في هذا النص/المقهى حوارا يعتمد على الإيماءات الجسدية للشخصيات وتأثيرات انفعالية على المتحاورين فيما بينهم والمستمعين له داخل المقهى، في ظل غياب كلي لحوار مسموع أو مقروء (تكلم مع النادل ثلاث كلمات، استمع النادل ثم رد بنصف كلمة وابتسم الاثـنان لأن كلمة النادل لم تخرج كاملة... وحرك يده قليلا نحو كأس الماء وقال كلمة، كلمة كاملة هذه المرة ولكنها صغيرة، صغيرة جدا مثل نملة، وحين وصلت إلى وعي الآخر الجالس إلى الطاولة، ابتسم باتساع قريب من ضحكة.. وقال– كعادته– كلمة ضئيلة أخرى، فحرك الجالس رأسه بإيماءة وصارا يضحكان كصديقين في مدرسة.)
وقد سعى من خلال هذه التقنية الفنية فتح المجال أمام القارئ لاقتراح حوار ممكن/ متخيل بين النادل والشخصية، مع إعطاء إشارات لغوية سيميائية تساعد على تحقيق /كتابة حوار يناسب المشهد اعتمادا على القرائن الدالة التي وزعها السارد في جسد النص منذ البداية، وقريب من مقصدية المؤلف نفسه، من هذا المنطلق ندرك أن عبد الحكيم عبد الله يلقي بنصه القصصي إلى متلق إيجابي يعول عليه في ملء البياضات، يفترض فيه أن يكون على قدر من الخلفية الثقافية تخول له قراءة النص وملء فراغاته، ويكون قادرا على تحقيق المعنى الكامن في المتن.
هناك جانب آخر التفت إليه السارد في الحوار وهو العلاقة التي تربط بين النادل والرواد وكذلك المقهى، هذه العلاقة التي نأت عن كونها علاقة خدمة إجبارية آلية، وأعطت صورة جديدة لعلاقة اجتماعية بعيدا عن الطابوهات الطبقية التي قد نجدها في بعض المقاهي، أو ما ترسخ في ذاكرتنا الجماعية من العلاقة المتوترة بين النادل والرائد في بعض الأحيان.

بصرية السرد / اللغة السردبصرية :

"الطاولة من خشب سميك عتيق ، ألواح متصالبة متماسكة بقسوة .يحبون وضع الأرغـفة على سطح الطاولة ، يخرجون الخبز من السلة السعفية الخفيفة ويضعونه على سطح الطاولة النظيف ، لذلك امتلأت الشقوق بذرات الطحين والنشا .يتعمدون لمس خشب الطاولة الناعم الذي اكتسب لونا أسمر بهشاشة بفعل الأبخرة الرطبة المتصاعدة من الأطعمة والشاي ."
لكل جنس/منجز أدبي لغته الخاصة فللشعر لغته وللمسرح لغته، وإن تداخلت في كثير من الأحايين تلك اللغات معا، فأصبحنا نتحدث عن الحكائي في الشعر والشعري في القصة، إلا أن هناك خطا فاصلا يميز بين تلك اللغات المتداخلة ويفصلها عن بعضها، فتعطى لكل منجز لغة تميزها عن الأجناس الأدبية الأخرى.
يتمحور الخطاب القصصي في هذا النص/المقهى حول لغة سردبصرية، و هي ترتكزعلى الحركة والفعل والإيماءات والإشارات السينمائية والجسدية والدهشة البصرية، و يتم من خلالها تحويل اللغة المسموعة/المنطوقة إلى لغة مرئية شديدة الحساسية تعادل لغة السينما، بحيث يجد المتلقي نفسه مشاهدا لا قارئا .
فلنتأمل هذه المقاطع المنتخبة من النص : (الكلام الخفيف يطير في هواء المقهى ويصل إلى سمع الآخر، يسمعه ببهجة، يستمع إلى الكلام كاملا../ ثم يتحدث متأنيا وبوضوح ودفء لأن الوقت صديقهم أيضا، الوقت هنا ليس شريرا يتربص خلف الباب مخفيا أسنانه القديمة../ قال شيئا، استمعت بابتسام، ثم قال شيئا صغيرا في نهايته ضحكة فرحة، أغمضت عينيها لتتذكر، تذكرتْ، ضحكت بخفـر..)
إنها كما قلنا سابقا لغة بصرية قريبة أو موازية للغة السينما ... تعتمد همس الكلام وحجمه عبر قنوات مختلفة تبين نوعيته ونكهته ومضمونه الافتراضي، فالمحتوى الدلالي في هذا الأثر بشكل عام "يُعبَّر عنه بلغة بصرية تعتمد اللون، والتقطيع، والوسط، وزاوية الرؤية، والعرض والتقديم، مع ما تتطلبه هذه الأبعاد من تموقع معيّن للكاميرا في مكان قد يضيف جزءاً من الدلالة.."4
كما تتجلى حركية النص في اعتماده على الجمل الفعلية بشكل مكثف (قال. استمعت. أغمضت. ضحكت. أخرج. لمس. مرر. أحست . أخرج . ارتعش نظر. أسند تمنى. دهسته. جلس. تكلم. ابتسم. التصق. حرك. استمع. رد. قال. ابتسم . لمس. فحرك. صارا. ابتسمت" كما أن حقل الجمل الفعلية ذات الفعل المضارع الدالة على الاستمرارية والحركية والآنية المتجددة الفاعلة في الحدث أكثر حضورا في النص "تمد .. تخدش. تتحرك. يتحدثون. ينطقون. يحبون, يطير. يصل. يسمعه. يستمع. يتحدث. يتربص. يخرجون. يضعونه. يتعمدون. تقف. يتحدث... يقبل. يمس .. يضحكان ..)

- القارئ في المقهى/النص :

يتحدث النقاد الغربيون من أمثال ياوس وآيزر وبارت وغيرهم عن مقومات التلقي واستعداد القارئ لمواصلة بناء النص، ولعل مصطلحات "الإزاحة" و"ملء الفراغات" من أكثر المصطلحات المترددة في المناهج النقدية الحديثة تهدف إلى تفعيل دور القارئ بالمشاركة في إعادة إنتاج النص، إنه استمرار تخيّلي للمبنى المصوغ؛ "إذا النص إن هو إلا نسيج فضاءات بيضاء وفرجات ينبغي ملؤها... ومن ثم لأن النص بقدر ما يمضي من وظيفته التعليمية إلى وظيفته الجمالية فإنه يترك للقارئ المبادرة التأويلية..وفي عبارات أخرى فإن النص إنما يبث إلى امرئ جدير بتفعيله حتى وإن كان الأمل بوجوده الملموس أو التجريبي معدوما"5
وهذا ما لاحظناه في نص "المقهى أو الناس كما هم.." حيث لم يقل القاص/السارد كل ما يدور في المقهى، ولم يعرفنا بكل الناس الموجودين فيه، ولم يحدد نوع الطعام ولا نوع الشراب، كما أننا لم نسمع الكلام/الحوار الذي كان يدور بين الرواد/المتحاورين، فقد ترك للقارئ حرية تخيل ملامح النادل حينما أعطى الوصف الإجمالي لتعامله مع الرواد "والنادلُ طيبٌ وحنونٌ مثلَ الأم الكبيرة"، فتنفتح بذلك المخيلة لاستحضار الصفات الحنونة التي غالبا ما تتصف بها الأمهات، وإسقاطها بعد ذلك على هذا النادل، ثم انه اعتمد على أسلوب الدهشة والغرابة التخيلية في قوله (تمنى أنْ يقبّلَ ياقةَ ثوبها، ويَمَسًّ بأجفانهِ الأزرارَ البيضاءَ المخملية، ثم لا يبالي إنْ دهَـسَتْهُ شاحنةٌ بعد ذلك).
إنه تكسير لأفق انتظار القارئ الذي غالبا ما ينتظر نهاية رومانسية حالمة لعلاقة طبيعية بين رجل وامرأة يجمعهما رابط الحب والألفة المجسدة في النص، فهو يرمي إلى أن يجعل من هذا المتلقي مشاهدا للمادة القصصية/المقهى والناس بالعين المجردة عبر المكون اللغوي التصويري، الذي يخلق مساحات بيضاء وفارغة موكول إلى القارئ الضمني كتابتها/إنتاجها، كما عهد إليه افتراض نهاية القصة، ومحاولة كشف خبايا القاص وعلاقته بالمقهى والناس وأيضا زاوية وجوده ومكانية مرصده، هي فراغات بيضاء كفيلة بتكملة النص أو ربما فتحه على نصوص إبداعية جديدة...
في النص/ "المقهى أو الناس كما هم .." لا يشعرنا القاص بالملل لأن النص ليس أحداثا تتصاعد خطيا أو عموديا، وإنما هو عبارة عن مقاطع ولقطات غير مكتملة، وهو ما تيسر من صور ومشاهد تلذ لها العين التي قرأت النص بلغة بصرية، وللمتلقي حرية التعاطي/التعامل مع النص، بأن يفكك النص كيفما أراد ويعيد تركيبه دون أن يخل بالمعنى العام لجسد النص أو إحداث ثغرات دلالية، ويظل نص "المقهى.." مفتوحا حتى النهاية على شطحات وتأويلات ومداخلات كثيرة مستجيبة لمعطيات ثقافية وفكرية للقارئ، مؤكدا ذلك بتعويذة وعزيمة رولان بارت الذي أكد بعدم إيقاف النص أو فهمه عند مستوى واحد " النص منفتح لا نهائيا: لا قارئ ولا ذات، و لا علم بإمكانه إيقاف النص.." 6

استفادت هذه القراءة من المصادر التالية :

  • أساليب السرد في الرواية العربية، د: صلاح فضل، المدى، 2003.
  • سعيد يقطين –تحليل الخطاب الروائي-المركز الثقافي العربي، 1993
  • خطاب الحكاية بحث في المنهج، جيرار جينيت، ترجمة محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، منشورات الاختلاف، 2004.