“إنه جنة الدنيا، وفردوس الحياة. إنه الأمل الحلو الذي يشرق على القلوب الحزينة فيسعدها، ويدخل إلى النفوس المظلمة فينيرها ويبدد ظلمتها، ويتسرب إلى الجوانح فيغمرها بسناه الوضاء. إنه اللحن الجميل الذي يوقع أنغامه على أوتار القلوب ونبضاتها، فيكون عزاء المرحوم، وراحة المكتوم، ورجاء اليائس. إنه النعيم الذي يرجوه كل إنسان، والسعادة التي ينشدها كل مخلوق، والجنة التي يحلم بالعيش فيها كل فتى وفتاة !.. إنه الساحر العجيب الذي تكاد أصابع يده الرقيقة تمس الكائنات الذابلة أو تلمس أرواحها حتى تنتعش وتدب فيها الحياة”.
هكذا يصف قارئ الحب، فماذا يقول شاعر؟ إنه الجنون بالتأكيد، إنه جميل بثينة في أسطورته التي لن تنتهي وعذاباته الأبدية الباقية على مدى الزمان، إنه أن ترى في المعشوق ما يُرى فيه من أحد سواك، إنه المعشوق الذي كلما نبض قلبه تدفّق الدم حارا في شرايينك أنتْ.
إنه الوله أيضا، لكن عندما يكون هذا الوله قرين شقاء أبدي. إنه الذوبان إلى حدّ العمى في ذات المعشوق الصافية والخالصة لوجه الحب. إنه الغامض وما لا تدركه الصفة أو تحيط به المدارك والمعارف، إنه التحول المستمر في الصورة والفكرة.
لكن، الأرجح أنّ الحب يرتبط، في أحد معانيه، بمستوى مقدرة الشاعر الداخلية على ممارسة قَدْرٍ هائل من الحرية الداخلية التي توفّر له الشجاعة على الجهر بالحب على الملأ. والأرجح أيضا أن شعر الحب قد يرتبط بالتحول في مفهوم الحب من شاعر إلى آخر ومن عصر إلى آخر لكنه في الثقافة العربية والإسلامية مرتبط بعفة نفس المرء والجهر به ليس من سمات الرجولة في شيء. لكن الوجه الآخر في مسألة الحب هو “احتفال” هذه الثقافة بشاعر نافر جهر بالحب من فرط عذاباته إلى حدّ أن المخيلة الشعبية قد جعلت من جميل بثينة أسطورة، ولم ينل شاعر حب واحد تلك الشهرة التي نالها، سوى عذاباته هو. بل قرنوا اسمه باسمها وظلّ هكذا إلى الأبد.
والآن وهنا، فإن ما يمكن أن نسميه بشعر الحب في العصر الحديث قد أصبح أكثر ندرة من سواه، وأصبحت القصائد ملأى بهدير الحرب وضجيج الطائرات والدم أكثر من همسات الحب وبوحه المجنون، أو أصبح شعر غزل محض وحسي ومباشر ومعاد غالبا، وهو في بعض منه يستهدف الإثارة، وربما نجده أكثر حضورا وصفاء في الأغنية الشعبية التي تحلق في الأعراس والمناسبات الأخرى أكثر مما هو عليه في الدواوين. فيما العالم كله بثقافاته المختلفة والمتعددة نابض بالحب.
لماذا إذن حدث ما حدث؟ الخليج طرحت سؤال الحب وسؤال ندرته على العديد من الشعراء وكانت هذه الحصيلة:
تيارات جديدة
يقول أحمد عبيد: لقد اتخذ شعر الحب اتجاهين في الثقافة العربية والإسلامية. الأول منهما هو الوصف الحسي الذي قارب على الاندثار، والذي كانت بدايته مع الاتجاه الرومانسي بدءاً من ثلاثينات القرن العشرين واستمر حتى حرب العام ،1967 حيث أدت الهزيمة إلى بروز تيارات شعرية جديدة وحديثة عبرت عن التجربة الاشتراكية أو العمالية ذات الأفكار اليسارية والقومية والتي كانت تعنى أكثر بالفرد والإشكاليات الجماعية المحيطة به.
لكن عوضاً عن ذاك الاتجاه الرومانسي، ظهر اتجاه آخر هو الشعر الوجداني وهو المنحنى الآخر الذي اتخذه الشعر العربي الجديد. إذ اعتقد أن ما يتميز به الشعراء العرب الآن هو أنهم يبدأون تجربتهم الشعرية شعراء وجدانيين، أي أن العاطفة تغلب على الفكرة مما يمنح الشعر رقة وانسياباً، ذلك أن الشعر الوجداني، قديماً وحديثاً، عندما تغلب العاطفة فيه على الفكرة فإنه يرق ويصفو وزناً وصورة وعاطفة.
وهذا الاتجاه الأخير في شعر الحب ليس سائداً، نعم، لكنه موجود إن بهذا الشكل أو بشكل آخر. وربما هو ليس سائداً نتيجة ظهور العديد من الاتجاهات الشعرية الأخرى كالاتجاه القومي أو الاتجاه الإسلامي في الشعرية العربية الآن.
ويتابع عبيد قائلاً: أكرر، سيبقى الشعر الوجداني موجوداً ما دام في الشعر العربي شعراء يكتبون الحب ويكتبون سواه، فإن لم يتغزل الشعراء العرب فمن في العالم سوف يقوم بذلك؟
معان أخرى
وتقول القاصة نجيبة الرفاعي: كل من يتذوق الأدب لا بد له أن يطل على نافذة الشعر، ففيه تدفق المشاعر، وجمالية الوصف ودقة المعنى، ولعل أجمل الأبيات الشعرية هي التي تتحدث عن العواطف الإنسانية ومن أهمها عاطفة الحب، وحين نقرأ الأشعار القديمة نجد أن الحب عند الأغلب من بينهم يحمل معنى العفة والتضحية والشوق الممزوج بالاحترام والترفع عن الكلمات البذيئة ويحمل معنى الارتباط الوجداني والرغبة في تشارك الحياة جنباً إلى جنب في إطار شرعي وهو الزواج.
وفي الحقيقة أنا لا أستطيع أن أجزم أن هناك انحساراً في شعر الحب في وقتنا الحالي، فلا زال الكثير من الصفحات الشعرية مليء بالقصائد العاطفية، ولكني أرى أن التعبير عن الحب قد تغير، فأصبحت الأبيات عند البعض تنادي في مجمل معانيها إلى الرغبة الحسية فقط، بل وأحيانا تصور تفاصيلها بطريقة لا يتقبلها المتلقي الذي يهدف من خلال تواصله مع الشعر إلى الارتقاء بالمشاعر، وليس تحجيم معنى الحب والنظر إلى المرأة نظرة العاشق الراغب في مجرد المتعة واللذة.
الأمر الثاني أن شعر الحب عند بعض الشعراء أصبح شعر أغاني وفيديوكليبات، واختفت تلك القصائد الطويلة ذات المعاني العميقة والكلمات القوية التي تشير إلى قوة اللغة لدى الشاعر، وأصبح الشعر عند البعض وسيلة للشهرة، وأصبحت كل غاية ذلك الشاعر هي الوصول بكلماته إلى حنجرة مطرب كي ينال الشهرة التي يطمح إليها.
الأمر الثالث، إن متغيرات الحياة وتأثيراتها المادية على الإنسان، جعلت بعض الشعراء يميلون في قصائدهم إلى التحدث عن الهموم اليومية وغربة الإنسان وضيق أفق الحريات، حتى يصير بوسعهم التأثير في المتلقي ونيل قبوله لما يسمع أو يقرأ، كما أن مسايرة الأحداث الحالية والتعايش مع ما تمر به المجتمعات والعالم بأسره من حروب ومشاكل أمر مطلوب لدى الشعراء، إذ أنه من غير المستساغ أن يتم التحدث عن الحب في الوقت الذي يقتل فيه الأطفال وتفجر فيه البيوت.
أمر أخير نحب أن نؤكد عليه هو أنه يجب توسيع دائرة الحب وعدم حصره فقط في العلاقة بين الرجل والمرأة فهناك مجالات حب أعظم وأشمل وأرقى يستطيع الشعر أن يعبر عنها مثل حب الله وحب الأوطان وحب الحياة.
الكلاسيكية والرومانسية
أما الشاعر عبدالله الهدية فيقول: كان للاتجاهات الفكرية السائدة دور في غياب الحب عن الشعر. وكان هذا الدور رئيسياً وسبباً كافياً كي يصير الحب والشعر غريبين إلى هذا الحد.
ولعل ذلك يعود إلى طبيعة القصيدة وشكلها، فالفروقات بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر خاصة وهي التي يدور غرضها الشعري الأساسي حول الذات والفرد بات الشاعر عندما يطرح الحب بوصفه غرضاً شعرياً في قصيدته غير قادر على إيصال رسالته خاصة أن الوطن العربي في هذه المرحلة بالذات يملك ذائقة شعرية تتطلب من الشاعر أن يعيش هموم المواطن العربي وأن يعبر عن القضايا العربية تحديداً.
يضاف إلى ذلك أن هناك بعض الآراء التي تتسم بالتحفظ تجاه التعبير عن أي من المشاعر الإنسانية فتعتبر شعر الغزل نوعاً من “المحرمات”، الأمر الذي هو على النقيض تماماً من مشاعر الإنسان العربي الذي خلق للحب.
وعندما تكرس هذا “التحريم” بوصفه مبدأ ومع إعطاء الأولوية القصوى لدى الجمهور العربي للتعبير عن القضايا القومية، انحدرت قصيدة الحب، لكنها ظلت حية في الجلسات الشعرية الخاصة التي تحدث هنا وهناك، وغالباً بين الأصدقاء، بل إنه يمكننا العثور عليها في الدواوين.
أخيراً، أضيف إلى تلك الأسباب، سبباً آخر، هو أن هذا الزمن كله زمن حداثة لا زمن مدارس أدبية كلاسيكية أو رومانسية. ذلك أن الحب يتجلى في منجز هاتين المدرستين عربياً.
مناخ العصر
وتقول الشاعر الهنوف محمد إن غياب ظاهرة شعر الحب يعود إلى تغير وقع الزمن على إنسان اليوم. والشاعر بصفته جزءاً من هذا العالم، أصبح غير قادر على الحب، ربما بسبب هذا اللهاث السريع الذي أصبح سمة أساسية من سمات عصرنا فتغيرت كل التوقعات، في ما يبدو استسلاماً، بكل ما تعني الكلمة من معنى، أصاب الشعراء أيضاً، كما لو أن مفاتيح الحب قد جفت لديهم، حيث هناك بشر تكسرت أمام طموحاتهم الاجتماعية والحياتية كل الأحلام التي تم وأدها على حين غرة.
فقط تأمل الروتين الممل في هذه الحياة الذي يبدأ من ساعات الصباح الأولى، فكر بأحوالك المعيشية، أو المستقبل. إنه استغراق يستأصل اللحظات الجميلة من عمر الإنسان، الذي ذات ساهماً في اللاشيء، في الفراغ الذي يبدد العاطفة، ويلوي عنق اللحظات تلو اللحظات، فتمر الدقائق والساعات والأيام، ومن ثم تباغتنا السنون على مفترق الحياة الجاف، الذي يستنزف الطاقات ويبدد الأحلام والمشاعر.
غياب التأمل
أما الكاتب إبراهيم الهاشمي فيقول إن تأمل هذا الأمر يعيد الذاكرة إلى الماضي، حيث كانت الحياة بمثل بساطة الفكرة التي تأتي على لسان الشاعر فيترجمها إلى قصيدة جميلة، قصيدة طازجة قد خرجت لتوها من عذوبة “الفليج” حيث الناس، فكرة أخرى، تترجم الجمال والحب والطيبة والبساطة، علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الأب بابنه، شبكة الأسرة ومحيطها الاجتماعي، جميعها علاقات، رسمتها طبيعة نادرة غير مشوشة بالحداثة التي أكلت الأخضر واليابس.
إنها طبيعة الزمن الجديد، الذي يخضع لآلية الروتين، فيكاد يأكل كل لحظات الإنسان، يفقده ملكة التأمل الجميل، الذي كان يبدع الحب، كما لو أنه نهر عذب.
اليوم أصبح كل شيء مكشوفاً، أنت تفتح التلفاز وتشاهد على كل الفضائيات صورة واحدة من صور الإسفاف والابتذال، الفكري والعاطفي، هناك مشاهد التعري، وقصص الحب الرخيصة، التي تصور الخيانة كمتلازمة، هناك حالة من فقدان القيم. وإن تسألني عن الحب، أقول لك، إنه قيمة عليا، بتنا نفتقدها في هذه الأيام.
تجليات التكنولوجيا
لا شك بأن معطيات الزمن تلعب دورا هاما في بلورة وصياغة أفكار وثقافات الناس، هكذا تقول القاصة باسمة يونس وتتابع: في الماضي، كان الشعراء يغرقون في الحب إلى حد الموت، ويعانون من صد الحبيبة الوحيدة الممنوعة معاناة لاتوصف، فتطفح مشاعرهم وتبرز بين ثنيات القصائد المصاغة بتلك اللوعة وكأنها تعويض عن الفراق ورسالة للحبيبة البعيدة، وتتميز القصائد بالبلاغة والتعبير المتناسبين مع لغة ذلك الزمن ولهجته، اضافة الى الوصف المبدع لجمال الحبيبة، والتي لم يتمكن من رؤية وجهها أو قوامها لأكثر من مرة، فمضى يتغنى بجمال لم يتمعن به ويصف حورية تحوم في مخيلته ويعلم الله مقدار جمالها الحقيقي مقارنة بوصف الشاعر. وكما نعلم لم يكن هناك مجال أو خيار أمام الشاعر العاشق، في ظل الوضع الاجتماعي السائد والذي يحرمه من المرأة التي يعشقها ويشغف بها، سوى التسلي بالقول والتصريح بالشعر. وكم من شاعر مات لأجل امرأة لم يطمح لسواها ولم يرغب بغيرها حتى لو قدمت له الأخرى على طبق من ذهب.
وهذا الزمان، الذي انحسرت فيه أشعار الحب واستبيحت فيه المشاعر، أضعف الإيمان، وأبعدت كل من يكتبون الشعر عن التفكير بصياغة قصيدة حب تصف مشاعرهم تجاه حبيب يرونه كل يوم ويلتقون به في كل حين، وقربتهم أكثر من فكرة الغزل والسخرية منه مناوشة أكثر من حبيب، سواء في الواقع أو حتى من خلال التطورات التكنولوجية الميسرة لهذا التنقل. فلم تعد هناك جدران تفصل بين المحبين، ولم تعد هناك أشواق لإنسانة ممنوعة وبعيدة ولا حيلة له للالتقاء بها، ولم تعد هناك لوعة أو مشاعر تفيض عن الحد فتولد شعرا يتفجر من الشوق وتلده معاناة الفراق والحرمان. كما وأسهم الضعف اللغوي بدوره في تبسيط الكلمات وسلبها بلاغتها إضافة إلى ضياع المخيلة في التعبير والوجد في العشق وأصبح المحبون الجدد يستعيضون عن قول الشعر بإرسال أغنية جاهزة، أو قول منقول من كتاب.
وقد تكون نتائج الانتشار الإعلامي الهائل هي السبب، بحيث لم يحقق هذا الانتشار الواسع سوى إبراز للقصائد التي تركز على أمور عامة ومواضيع أخرى تتجاهل الحب ولا تجد له مكانا بينها.
شجرة القلق
يأتي هذا السؤال مباغتاً هكذا يعلق الشاعر عبدالله السبب، ويواصل: لم يعد للحب أثر في الشعر العربي المعاصر، ذلك أن الرومانسية منطق حاصرته الكوارث والآفات والأزمات، وفتكت به الحروب. فلم يعد ابن الملوح حاضراً في المشهد الرومانسي الذي أخذ يتوه في صحراء الأزمات ما ظهر منها وما بطن.. تلك الضاربة جذورها في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كافة المجالات والصعد والطرقات، وفي قلوب وأذهان البشر بكافة شرائحهم وأعمارهم، أزمات ظاهرة للعيان، وما خفي منها أعظم وأشد وطأة. ولعلنا حين نتحدث عن محمود درويش مثلاً كظاهرة شعرية مميزة في المشهد الشعري العربي، سنجد أن حديثه عن الحب وفيه، يصاحبه دم متقاطر من الجسد الفلسطيني بكل ما يمثله هذا الجسد من مراحل زمنية، فالقذيفة التي تفطر صباح كل يوم لا تفرق بين لحم طفل أو شاب أو كهل، ولا تلتفت إلى كون هذا اللحم أنثوياً أو ذكورياً، فكيف للحب أن ينمو في شجرة الشعر والقلق والمآسي ترافقنا في صبيحة كل يوم وفي المساء؟ حتى أن نزار قباني ذلك الشاعر الذي أقام الدنيا وأقعدها لم يكن بذلك الذي يعزف على أوتار الحب بقدر ما هو عزف رائع ومثير في اللغة وفي الجسد في أغلبه شأنه بذلك شأن أغلب الشعراء المعاصرين، وبخاصة الشعراء الكلاسيكيين والشعبيين الذين ينظمون القصائد التي تستهدف وصف الجسد أكثر من الدخول إلى معطيات القلب من نبض ومشاعر. نعم ثمة شعراء يعدون على الأصابع في قصائد لهم تعد كذلك على الأصابع تناولت أو تتناول الحب بعذريته، ولعل أبرز هؤلاء برأيي هما فاروق شوشة وفاروق جويدة، وعلى ذلك فالحب إذا جاء في الشعر العربي المعاصر، فإنما يأتي ملطخاً بالدماء معجوناً بالقلق الناجم عن تداعيات العصر الراهن بما يمثله من حروب وكوارث وأزمات سعرية وسرية أخرى.. ولعل الأزمة المالية الأخيرة فردت جناحيها على كل صغير وكبير في هذا العالم، ونحن معشر الشعراء جزء لا يتجزأ من هذا العالم بوصفنا مستهلكين نهائيين وأكثر البشر تأثراً بالأزمة وبظلالها الكارثية.
صحراء الأزمات
يقول الشاعر عبدالله السبب: لم يعد للحب أثر في الشعر العربي المعاصر، ذلك أن الرومانسية منطق حاصرته الكوارث والآفات والأزمات، وفتكت به الحروب. فلم يعد ابن الملوح حاضراً في المشهد الرومانسي الذي أخذ يتوه في صحراء الأزمات ما ظهر منها وما بطن.. تلك الضاربة جذورها في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كافة المجالات والصعد والطرقات، وفي قلوب وأذهان البشر بكافة شرائحهم وأعمارهم، أزمات ظاهرة للعيان، وما خفي منها أعظم وأشد وطأة. ولعلنا حين نتحدث عن محمود درويش مثلاً كظاهرة شعرية مميزة في المشهد الشعري العربي، سنجد أن حديثه عن الحب وفيه، يصاحبه دم متقاطر من الجسد الفلسطيني بكل ما يمثله هذا الجسد من مراحل زمنية، فالقذيفة التي تفطر صباح كل يوم لا تفرق بين لحم طفل أو شاب أو كهل.
مقدرة داخلية
الأرجح أنّ الحب يرتبط، في أحد معانيه، بمستوى مقدرة الشاعر الداخلية على ممارسة قَدْرٍ هائل من الحرية الداخلية التي توفّر له الشجاعة على الجهر بالحب على الملأ. والأرجح أيضا أن شعر الحب قد يرتبط بالتحول في مفهوم الحب من شاعر إلى آخر ومن عصر إلى آخر لكنه في الثقافة العربية والإسلامية مرتبط بعفة نفس المرء والجهر به ليس من سمات الرجولة في شيء. لكن الوجه الآخر في مسألة الحب هو “احتفال” هذه الثقافة بشاعر نافر جهر بالحب من فرط عذاباته إلى حدّ أن المخيلة الشعبية قد جعلت من جميل بثينة أسطورة، ولم ينل شاعر حب واحد تلك الشهرة التي نالها، سوى عذاباته هو. بل قرنوا اسمه باسمها وظلّ هكذا إلى الأبد.
ذائقة مختلفة
يقول الشاعر عبدالله الهدية: كان للاتجاهات الفكرية السائدة دور في غياب الحب عن الشعر. وكان هذا الدور رئيسياً وسبباً كافياً كي يصير الحب والشعر غريبين إلى هذا الحد.
ولعل ذلك يعود إلى طبيعة القصيدة وشكلها، فالفروقات بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر خاصة وهي التي يدور غرضها الشعري الأساسي حول الذات والفرد بات الشاعر عندما يطرح الحب بوصفه غرضاً شعرياً في قصيدته غير قادر على إيصال رسالته خاصة أن الوطن العربي في هذه المرحلة بالذات يملك ذائقة شعرية تتطلب من الشاعر أن يعيش هموم المواطن العربي وأن يعبر عن القضايا العربية تحديداً.
يضاف إلى ذلك أن هناك بعض الآراء التي تتسم بالتحفظ تجاه التعبير عن أي من المشاعر الإنسانية فتعتبر شعر الغزل نوعاً من “المحرمات”، الأمر الذي هو على النقيض تماماً من مشاعر الإنسان العربي الذي خلق للحب.
الخليج
,21/02/2009