محمد الميموني
(المغرب)

الوشم الشعريهناك شعراء يكتبون ولا يبدو مما يكتبونه أثر على ملامحهم. وهناك شعراء تعرفهم بوشم الشعر الظاهر على لحمهم. وهناك من بين من يكتبون الشعر من ليس الأمر عندهم أبعد من الظهور في فهرس أو تزيين سيرة. وهناك من الشعراء من يحسون بقصائدهم وكأنها أعضاء حيوية من أجسادهم تستحيل عليهم الحياة بدونها. وهناك شعراء رسميون وشعراء محترفون، وهناك شعراء نذروا حياتهم للشعر كطقس مقدس.
ولعل أبرز ما يميز الشاعر محمد العربي غجو هو الوشم الشعري المحفور على ما ظهر من شخصيته وما بطن منها.
هذا هو الارتسام الذي فرض علي نفسه وأنا أسرح فيما ترسب في ذهني ووجداني فور نهايتي من قراءة الصفحة الأخيرة من ديونه مرفأ العيون.
فرق شاسع بين أن تقرأ القصيدة عابرا وأن تقرأها محاورا، فمن طبيعة القصيدة التمنع عن إعطاء ذاتها والبوح بأسرارها لأول عابر، وهي تدرك بدقة حسها ضحالة القارئ المتعجل فتتلفع بحجبها وتختفي في كمها، حتى إذا أحست من القارئ عزما على المحاورة وتبادل الأخذ والعطاء أشرعت النوافذ والأبواب وألقت بأسرارها للرياح الأربعة بلا تحفظ ولا وجل.
ذلك ما لمسته وأنا أسامر قصائد ديوان مرفأ العيون للشاعر محمد العربي غجو.

الغواية

"نشيد الغواية"، أولى قصائد الديوان تصنع لحظة انخطاف جاذبة تغري بمواصلة الرحلة في المتاهة التي تمني التائه بالعثور على باب قصر الكلمات. ولست أدري إن كان ترتيب القصيدة في الديوان يوافق ترتيبها العمري، ولكني أجدها مدخلا لشاعرية محمد العربي غجو ولشعرية ديوان مرفأ العيون:

"ودعتني العصافير يوما
على شط بحر الغناء
ضمخت قلب كفي
بحناء من جزر الوقت ساحرة
بايعتها الأساطير لوحا لماء الكتابة

مكتحلا ببهاء الفراشات
أتقدم صوب المساحات مرتبكا
ليس يطفئ ناري
غير سلافة خمر
وقصر من الكلمات "

منذ ذلك اليوم اللازماني حين ودعته العصافير بعد أن وسمته بحناء من عالم الأساطير، منذ ذلك اليوم، وهو تائه وراء الفراشات، أو الكائنات اللامكانية، عله يستطيع اقتحام مخبأ الكلمات والوقوف على سرها المكنون.

إنها الانخطافة التي تصيب الشعراء الملهمين، فيحسبونها نزلة عابرة، وعرضا لن يلبث أن يزول. ولكن الانخطافة لا تزداد إلا إمعانا بمقدار توغل الشاعر في المتاهة وإصراره على اكتشاف قصر الكلمات البعيد القريب كالسراب، ولكنه ليس محض وهم، بل هو أكثر حضورا وواقعية مما يحسبه (الواقعيون). فالشعر ليس مجرد خيال مرسوم بالأسود على الأبيض، وإنما هو العين الناظرة وكيفية نظرها إلى الذات وإلى ذلك الكائن الذي يراقب الشاعر من الوجه الآخر للمرآة ذلك الذي يسكنه ولا ينام بنومه.

الصورة الشعرية

تقوم شاعرية محمد العربي غجو على الصورة المبتدعة المتكاملة مع صورة سابقة وأخرى لاحقة، يتناول اللغة بمهارة معجمية وتركيبية، ويصنع منها صورة شعرية تأخذ مكانها في الواقع وكأنها كانت هناك دائما:

"ها هنا ضفة وخطوط رمادية تنكسر
وهناك عبور إلى شجر قائم في العراء
شجر يتسرى بليمونه
شجر غصنه ينكسر
فيسيل جداول من زرقة وشعاع أصيل"

(من قصيدة نشيد الدهشة)

هذه صورة لم يكن لها وجود على هذا التركيب قبل أن يزرع فيها خيال الشاعر ومهارته المعجمية والتركبية حياة جديدة، ولعلها الآن أعمق واقعية مما ننعته عادة بالواقع.

يرسم الشاعر (محمد العربي غجو )الصورة كما تنعكس على شاعريته ويدعها حرة تفعل فعلها في خيال المشاهد/المتلقي. وذلك أقصى ما يستطيعه الشعر: إبراز ما يبدو له دالا من عناصر المشهد بواسطة المؤثرات اللغوية، بلا وصاية ولا تعليل أو شرح:

"في منتهى الجسر
جرة طين وقربة ماء
ولوح من الخيرزان القديم
يرتل حزن المساء
وفي منحنى الجسر عصفورة علقت
ودالية أحرقت
وبقايا دماء.

( من قصيدة "مشهد" )

تجسم الصورة الشعرية ما لا يتجسم وتطبعه في ذهن المتلقي ووجدانه بواسطة تجاور الكلمات وتبادل الخصائص الدلالية والصوتية فيما بينها، تتنازل هذه عن شيء من خصوصيتها ومعناها، مقابل تنازل تلك المجاورة لها في السياق عن شيء من ذلك أيضا، بقصد خلق دلالة جديدة لا تتحقق إلا بهذا المزج الكيميائي المبتدع. وللمتلقي أن يستفتي دواخله ليرى أبعاد الصورة ودلالاتها النفسية والإنسان
" وشوشة الآبار:
رخام ابيض يمتد
من قاع النهر
إلى أوجاع الزرقة في المدن السفلى
حيث ينام الماء
تراوده الأحلام السرية "
(من قصيدة "حلمات ")

هذه صور شعرية وكفى، لا تقصد إلى إقناع بقضية، ولا تبشير بعقيدة ولا تقرر قاعدة. إنها تعبير عن تواضع الشعر وكبريائه معا: يغامر في سبيل اكتشاف واقع محجوب ولا يدعي قدرته على إدراكه وملامسة جسده.

النسب الشعري

ينتمي ديوان مرفأ العيون إلى فصيلة الشعر أبا عن جد، وهو لا يتنكر لأصوله بل ينوه بها في قطعة نابضة بنسغ الحياة الذي تستمده من جذورها الضاربة في تربة الشعر القديمة والدائمة الخصب والعطاء:

هذا انتمائي طالع
من وردة حمراء في عمق التراب
هذا فضائي مترع بالحب بالشعر الجميل
أعب من لغة الجذور غلالة النسغ الظليل
أهب الحروف بشاشة الإشراق
أستل من قلب الغصون
شرارة الدفق المعين على الرحيل"

(من قصيدة انتماء)

ويعبر عن هذا الانتماء أيضا بالحوار من موقع الوعي مع نصوص شعرية أساسية مغربية وعربية وعالمية.

وبفضل هذا الحوار يشعر قارئ ديوان مرفأ العيون بأنفاس دافئة ونبضات حية ترافقه من أول قصيدة إلى آخر الديوان.
لنقرأ فقرات من قصيدة مرفأ العيون التي اختارها الشاعر عنوانا للديوان:

"لعينك لون البحار
أنا الزورق المستباح وقلبي الشراع الممزق
فهل لي بشمس تضئ النهار
لكي لا تضيع الخطوط فأغرق
وهل لي بكف لتمسح دمعي
وتمتص هذا النزيف الم"

إنها قصيدة عامرة وذات خلفيات تؤكد انتماء الشاعر إلى فصيلة الشعر العريقة، وإلى نسب شعري قريب يتصل بحركة تجديد الشعر العربي في منتصف القرن الماضي. فهي قصيدة نابتة في حقلها الطبيعي وتربتها الأصيلة. وهي إعادة صياغة واعية لنفـَس الرواد وأسلوبهم، المتميز عموما بالجمل المتناسلة والمتماسكة تركيبيا، وبالحرص على الإيقاع الذي يبدو عفويا بفعل المهارة الأسلوبية المكتسبة من الإدمان على قراءة النصوص الكلاسيكية والتجديدية:

"هو العطر يسكب فينا مداه
لماذا نخاف جحيم رؤاه
لماذا نوارب حلما نراه
ونأذن فينا لهذا الصقيع
لماذا نصالح برد الشتاء
ونقتل في العين شمس الربيع"

...
"لعينيك لون الصفاء البديع
وللقب صوت العصافير
لحن الجذور البعيدة
ماء الربيع "

اللغة عنصر جوهري في الشعر ولغة الشاعر هي فصيلة دمه الشعري وبطاقة هويته الفارقة تؤكد شرعية نسبه الشعري أو تفضح زيفه، وليس للغة الشعر مواصفات ثابتة وإنما هي معمار حي قابل لكل أشكال البناء، لكنه ليس معمارا وظيفيا أو بناء عشوائيا، بل هو معمار جمالي فني، ولا يميز الشاعر عن سواه إلا اللغة التي يسمها بطابعه الشخصي ويصبغها بدمه الحي.

وقارئ شعر محمد العربي غجو لا يحتاج إلى كثير تأمل ليكتشف طابعه اللغوي المميز، فما أن يفتح أول صفحة في الديوان حتى تقابله حديقة من الكلمات الأنيقة المصفاة في مصهر شعري عريق، وتلاوين متآلفة يمسك بعضها بيد الآخر على إيقاع تلقائي خفيف. لنقرأ هذه الفقرات من قصيدة " رعشة" على سبيل التمثيل لا الحصر:

"التي دثرت عشبها بالرمال
التي أوقدت في بهاء الصخور غناء الندى
فمضت يرتخي شعرها المتبتل عند انشراح الصباح
...
هي الآن ترسم في كفها وردة نائية
وتعانق حلما لها في انكسار بهيج
...
انتبه!
قد أتاها المخاض
فأين الأناشيد يارعشة الياسمين
ويا خفقة الظل أين رفيق الدوالي"

تنتمي هذه القصيدة، كمثيلاتها من قصائد الديوان، لزمن الشعر المطلق ولزمنها الخاص حين كانت الحرية والثورة واستشراف الآتي هي ملهمات الشعراء لا في المغرب فحسب بل في العالم أجمع.

وبذلك نكون من نصوص الشعر الثمانيني القليلة المحتفظة بوشيجة قوية مع الشعر الستيني والسبعيني. وذلك، في تقديري، يحسب للشاعر ويؤكد رسوخه في تربة الشعر.

وفي هذا السياق أشير إلى أن ما يمارسه البعض قي المجال الإبداعي من إلغاء وتناس وإقصاء، باسم "قتل الأب" كضرورة لتجاوزه، ما هو في حقيقته إلا اغتيال عدواني ومجاني بعيد كل البعد عن مفهوم نظرية قتل الأب على ما يمكن أن يقال فيها وعنها. فالتجاوز المطلوب والمحتوم يتم تلقائيا في سياق تعاقب الأجيال وتبدل الأفكار والأذواق. والتوارث يجري في عالم الجينات الطبيعية العجيبة بهدف تحسين النوع وتحصينه، وليس للعبث إلا نتيجة واحدة هي التشوه الذي قد يستعصي على كل علاج. التجديد تركيب مبتكر من عناصر موجودة سلفا. أما الهدم والاجتثاث بدعوى التجديد فليس وراءه إلا مؤثرات نفسية غير سليمة ولا تنتج عنه إلا "كتابة" موبوءة بالحقد والعدمية.

الحرية

الشاعر الذي لا قضية له هو (الشاعر) الذي لا قصيدة له، ومعادل القضية لدى كل الشعراء هي الحرية. وأستطيع أن أزعم أن ما يجعل من بعض الناس شعراء دون غيرهم هو مقدار عشقهم للحرية في جميع مظاهرها. إن الشاعر الحق هو ذلك الكائن الذي يعادل كل القيم بالحرية فالحق حرية والجمال حرية والحياة حرية. . والقصيدة حرية. إنه مستعد للتخلي عن كل شيء في سبيل حفنة نظيفة من هواء الحرية.

ومحمد العربي غجو ليس بدعا بين الشعراء إذ يقف في محراب الحرية من فاتحة الديوان حين تودعه العصافير على شط بحر الغناء، بعد أن وسمته بحناء من جزر الوقت ساحرة، إلى آخر كلمة من قصيدة "أميرة الأدغال" حين يصمت خاشعا بعد أن يؤدي آخر طقوس الصلاة لأميرة الأدغال أو السيدة الحرية. الحرية في ديوان مرفأ العيون تتخذ مظاهر شتى، هي (عصافير طليقة على شاطئ بحر الغناء)، وهي (تلك المجنونة التي لا تعرف أن الجراح تئن من الورد) وهي (جرار من العسل القزحي) وهي البحر و"الموعد الغجري" و"البلابل التي تتلو مع الفجر أغنية للغجر":

"لنا البحر
صحو الندى الساحلي
وعشر زنابق تكسو مواعيدنا بالتلاشي
لنا الموعد الغجري
السنابل تنمو على ضفة النهر
تسع بلابل تتلو مع الفجر أغنية للغجر
لنا من مدى البحر زرقته
من مدى النهر ضفته . والقمر"

وهكذا نستغرق مع الشاعر في صلاة خاشعة للحرية وهي تتلون على امتداد الديوان بألوان البحار والجبال والغابات وتتكلم من خلال رفرفة أجنحة الفراشات وحفيف أوراق الشجر. إلى أن تتشخص في جسد "أميرة الأدغال" في آخر قصيدة. وكأن الشاعر يستمهلنا حتى نؤدي لها آخر الطقوس:

"أميرة الأدغال، لون عيونها
سفر في قطاف الزهر
والقمر المعلق في الغصون
أحمي عيونك من سهاد القلب
أحمي ظفائرك المتيمة الحزينة
...
أميرة الأدغال، ريح مغارة
عينان في سعة الجذور
سر مغارة تغتال كل مغامر
في البحر يحترف الحنين إلى الصخور.
...
لأخيط في صمت العشي ملاءة لزفافها
...
وقصائد التفاح
يبعثها الصدى للقائها
...
كم ساءلت صفصافة أغصانها
عن طفلة تنأى لتحضر في القصيد
هي طفلة سميتها في السر
أميرة الأدغال..."

نعم، هو حلم طوباوي رومانسي بحرية مطلقة، ولكن الحرية احتفظت، بفضل هذا الحلم، على شعلتها متوهجة حتى في أحلك ليالي الإنسانية. وليس على الشاعر أن ينظر لمفهوم الحرية ويحلل مضمونها، وحسبه أن يوقف شعره على تزويد مشعلها بالزيت المقدس ليبقى متوهجا إلى أن يسلمه لشاعر يأتي بعده.

وبعد، فإن شاعرا في مستوى محمد العربي غجو، على هذا القدر من الوعي بجوهر الكلمة الشعرية ورسالتها لقادر على أن يفاجئنا بالأفضل... وإنا لمنتظرون، وهو انتظار لن يطول.

غشت 2003