(رغبة في الفرار من الإرث السبعيني)

محمد عبدالمطلب
(مصر)

(1)

قصيدة النثر تذهب الي النثر المحضلا اقصد بهذه الدراسة ان اجلس مجلس القاضي الذي يحكم بالإدانة او البراءة، ولا اقصد ان أقف كالشرطي الذي يرفع إشارته بالممنوع والمسموح به، وإنما اقصد ان أكون في مكانة الصديق الذي يصارح أصدقاءه بما يراه، وهي رؤية قابلة للصواب والخطأ.
أقول قولي هذا مستحضرا ما سبق ان أشرت اليه في دراسة سابقة من ان (قصيدة النثر) ليست نهاية المطاف في مسيرة الشعرية العربية، وكانت إشارتي موجهة الي رافضيها ومبدعيها علي حد سواء.
موجهة الي جبهة الرفض الذي قام رفضها علي غياب الإيقاع العروضي من ناحية، وتجاوز تقاليد الشعرية العربية جملة من ناحية أخرى، ذلك ان الشعرية لا تعرف التوقف عند تقاليد بعينها، فمنذ بدأت سفرها الطويل بداية من المرحلة الجاهلية وهي دائمة التطور في بنائها الشكلي، وفي مكونها المضموني، ومن ثم يكون الرفض نوعا من المصادرة، ودعوة للتجمد، لأنه اذا طال الرفض قصيدة النثر. فانه سوف يطول ما يليها من تحولات، وهنا يتحول الرفض الي عقيدة تطلب لذاتها.
وعندما توجهت الإشارة الي المبدعين، استهدفت المصارحة بأن الإيغال في المغامرة التجريبية المنفلتة سوف يقودها الي نوع من العشوائية التي تتهددها عوامل الإزالة، فالعشوائيات تدمر نفسها أولا، وتدمر ما حولها ثانيا، وعندها سوف يتوقف المبدعون، ويتوقف من يباركون إبداعهم ويتابعونه في قدر كبير من الحنو والاحترام.
لقد استحضرت هذه الإشارة في سياق متابعتي للحركة الإبداعية عموما، وإبداع قصيدة النثر خصوصا، حيث داخلني إحساس بأن هذا النص اخذ يتمرد علي نفسه علي الرغم من انه ما زال في بداية شبابه وفتوته، وداخلني الإحساس بأن هذا التمرد إرهاص بمرحلة جديدة، وخطورة ذلك. ان المرحلة الحاضرة لم تقدم كل عطائها الذي ننتظره منها. أي ان هناك حكما ضمنيا بأن قصيدة النثر قد بلغت مرحلة الشيخوخة علي الرغم من انها في ريعان شبابها.
ويمكن توثيق ما داخلني من إحساس بالنظر في المصطلح الذي بين أيدينا (قصيدة النثر)، فهو مكون من دالين تجمعها علاقة الإضافة، وهذه العلاقة توجه حركة المعني في الجملة، أي انها تتيح للمضاف (قصيدة) ان يستحوذ علي بعض خواص المضاف اليه (النثر)، معني هذا ان أصحاب قصيدة النثر قد أقدموا عليها بوصفها (قصيدة) شعرية، لكن الإقدام لم يتوقف عند حدود الشعر علي النحو الذي مارسه العموديون والتفعيليون، وإنما تجاوزوهما الي إكساب الشعر بعض مواصفات النثر، أي ان هذا النوع الإبداعي قد اعتمد الشعر مدخلا أساسيا له، ثم أضاف اليه خواص النثر ومكوناته، مع إحداث مصالحة بين الطرفين خلال تنازل كل منهما عن بعض خواصه الفارقة ليتأتي اللقاء بين هذين الطرفين في منطقة تعيد إنتاجهما في مزيج يصعب فيه الفصل بين ما هو شعري وما هو نثري، فأصبحنا أمام نوع إبداعي طارئ يجمع بين الازدواج والتوحد معا.

(2)

كانت هذه هي رؤيتي خلال متابعتي لقصيدة النثر تاريخيا وإبداعيا، وهو ما كنت أتعامل معه إجرائيا في دراساتي التطبيقية، لكن هذه الرؤية أخذت في التغير مع قراءتي للمراحل المتأخرة من هذا النص الإبداعي، حيث أوغل أصحابه في التجريب، وسيطرت عليهم رغبة عارمة في التجاوز، وحرص بالغ علي الانفلات من اسر السبعينيين، وهذا حقهم الشرعي، لكن من حقنا ان نرصد ما نراه، وما رأيناه ان بنية المصطلح أخذت تتمرد علي نفسها، وهزت العلاقة بين طرفيها هزا عميقا وصل الي (عكس القضية) حيث استحال مصطلح (قصيدة النثر) الي (نثر القصيدة)، فبعد ان كان المبدأ الإبداعي إنتاج نص شعري مشبع بطاقة نثرية، أصبح المبدأ إنتاج نص نثري مشبع بطاقة شعرية. وبعد ان كان الطرف الأول هو القصيدة، التي تستمد من المضاف اليه طاقته التعبيرية. أصبح الطرف الأول هو (النثر) الذي يستمد طاقته الجمالية من الطرف الثاني (قصيدة).

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي يدعونا الي طرح هذه الرؤية؟
يدعونا هذا الكم الهائل من إبداعات قصيدة النثر في مرحلتها الآنية، اذ ان معظم هذه الإبداعات قد عدلت مسارها بإيغالها في النثرية واستثمار كثير من تقنياتها علي حساب تقنيات الطرف الأول (قصيدة) فمع غياب الإيقاع غيابا مطلقا. اخذ المجاز في الانحسار ملغيا مقدماته ونتائجه، وتبعهما المعني، حيث استحال من إمكانية لغوية منتجة، الي إمكانية ذهنية منغلقة، وكأن النص لا يعنيه الا متلقيا واحدا هو مبدعه فقط، وتماديا في هذا التوجه يتعمد النص مناصبة المتلقي العداء، ويثير فيه كل عوامل الرفض وصولا الي ما يمكن ان نسميه (الإسقاط النفسي). فبدلا من ان يكون النص رافضا لمتلقيه، يصبح المتلقي هو الرافض له، فيحدث شيء من الانفراج النفسي.

(3)

ان قراءة كثير من نصوص (قصيدة النثر) في المرحلة الأخيرة، تؤكد انها قد عبرت الحاجز المائز بين الشعر والنثر لتقترب كثيرا من منطقة النثر الخالص، ثم أدخلت هذا النثر في قالب صياغي قريب الشبه بالنصوص المترجمة، وكأن صاحبه قد اعمل فكره الإبداعي بغير لغته، ثم صاغ هذا الفكر بالعربية، فجاء نصه هجينا واقفا علي الأعراف.
لا اريد بهذا القول ان السبعينيين هم العرب الخلص، وان تابعيهم من المولدين والأعاجم، فأنا امتلك يقينا ثابتا بأنه لأفضل لعربي علي أعجمي الا بإتقان الصنعة علي حسب شروطها، لكنها شروط لا تمتلك قداسة ما، ولا تمتلك ثباتا واستقرارا، وبرغم ذلك فهي حاضرة في كل مرحلة، وفاعلة في كل إبداع، والخلاص منها، او تعديلها، يحتاج الي تحول في الذوق العام والخاص، ولن يتم التحول الا بالإلحاح حتى يستجيب الذوق عاجلا او آجلا.

ان اقتراب (قصيدة النثر) من النثر قد دفعها الي الانشغال باليومي الحياتي بكل تفصيلاته، واستحوذ الآني علي كل اهتماماتها، وهذا الانشغال الحاد ألصق بالنثرية. لأنه لا يحتاج كثيرا الي الدخول في الحالة (الشعرية)، وكذلك الأمر في انكبابها علي المفردات اليومية المباشرة. لان الإيغال في هذه المفردات المباشرة نوع من الفقر الإبداعي لاعتماده (المحاكاة)، وفي رأينا ان المحاكاة لا تنتج إبداعا حقيقيا، وكل وظيفتها تدخل في إطار الإثارة فحسب.

ومع الإيغال في النثرية أصبح السرد في مقدمة تقنيات قصيدة النثر، بعد ان كان مجرد تقنية من تقنياتها ليس له تقدم عليها، وهو ما ساعد كثيرا علي إزالة الفارق بين الشعري والنثري، لان السردية ـ في جوهرها ـ لا تحسن التعامل الا مع ثنائيات (العلة والمعلول ـ السبب والمسبب ـ المقدمة والنتيجة) فغالبا ما يحكم العقل مسيرتها الإنتاجية، فإذا تم نقل هذه الخواص الي الشعرية، هبطت بها الي النثرية المباشرة، لأنها تحتكم لمنطق العقل، والشعرية تنفر من هذه المنطقية العقلية، والسرد يستريح عند التسلسل المحبوك، والشعرية مغرمة بالفجوات والفراغات وتمزيق العلاقات، والسرد يسكن الصياغة المسبوكة، والشعرية تهز ـ في عنف ـ عناصر الربط والارتباط، فالشعراء أمراء الكلام، والسرد يحتاج الي الطريق الممهد، والشعرية تهوي الانفجار البركاني، والسرد يسعي الي التنامي الصاعد او الهابط، والشعرية يكفيها مجرد التجاور او المصاحبة.
وأوغلت قصيدة النثر في النثرية عندما انشغلت كثيرا بالكتابة عن الجسد لان الشعرية الحقة لا تتكلم عن الجسد، وإنما تترك للجسد ان يتكلم بذاته، وان يحيل أعضاءه الي أبجدية (فصيحة) تستوعب العالم بقدر ما يستوعبها.
أقول قولي هذا بعد ان قطعت مرحلة زمنية طويلة مع شعراء الحداثة في مغامراتهم وتجاوزاتهم المتجددة والمستقرة في الآن نفسه، وقرأتهم في حب خالص، وأظن ان هذه القراءة لن تتوقف، وهذا الحب لن يفتر، ودليلي علي ذلك ما اكتبه الآن، فهو نوع من الحب الملازم لطول العشرة اكتبه ومازلت عند رأيي في ان الواقع العام لقصيدة النثر مازال صحيحا في جملته، لكن الصحة لا تمنع المتابعة، ورصد ما يطرأ فربما كانت المتابعة والرصد نوعا من تمهيد الطريق وإزالة العقبات.

القدس العربي
2004/07/21