ملخص:
يتناول هذا المقال بالدراسة أسماء الشخصيات الروائية الأساس في رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي " للروائي الجزائري الطاهر وطار، وذلك بالتركيز على بعض الأسماء التي تواترت في هذا النص السردي بدرجات ملفتة للإنتباه، مما يقف دليلا على أن الروائي لم يوظفها عبثا أو اعتباطا، بل استعملها كمؤشرات تحتاج إلى تأويل وتفسير، ومن هنا حاولت أن أرصد هذه الأسماء وأخضعها للدراسة والتحليل، مستندة في ذلك إلى المستوى اللغوي، والمستوى النصي للكشف عن بعض دلالاتها.
| Résumé : Cet article aborde la sémiotique des noms des personnages fondamentales du roman " le marabout tahar retourne à sa demeure bénite ", le neuvième ouvrage du romancier Algérien TAHAR Ouatar. Comme considération, la projection de certains noms qui fréquentent le récit du texte narratif est une exploration intéressante de cette étude. Un argument du romancier ou l'aléatoire du temps et la fréquentation des personnages est mesuré par un degré d'utilité et d'efficacité, comme étant des indice au besoin d'une explication, j'ai essayé de faire un ordonnancement de ces derniers en les mettant en étude analytique, en prenant en évidence le niveau lexical et textuel et enfin d'éclairer leur rôle significatif. |
***
مقدمة:
يشكل الاسم إحدى السمات المميزة للشخصية الروائية، ففي كثير من الأحيان تلخص لنا بعض الأسماء بإيجاز حقيقة الشخصية وتعطينا لمحة عنها، إذ أنه من المعلوم أن أي روائي لا يسمي شخصياته عبثا أو اعتباطا، بل يعمل على إيجاد أسماء تدل عليها وتكون بمثابة المعادل الموضوعي لها، فبناء الشخصية لا يقوم على جانب واحد فقط، بل إن الروائي يحاول التنسيق بين عدة أبعاد، لتكون في الأخير محصلتها الشخصية.
ولعل ما يسترعي انتباه أي دارس هو الاسم الذي تحمله الشخصية، لأنه يعينها ويمنحها كيانا محددا، وإنه لمن البديهي أن الاسم الذي يحمله الشخص الواقعي يختلف كثيرا عن الذي تحمله الشخصية الروائية، فالأول يخضع لمنطق الصدفة واللاتعليل في كثير من الأحيان، في حين أن الروائي يبذل مجهودا لانتقاء أسماء تدل على شخصياته، مراعيا جملة من المعطيات من بينها: البيئة، المستوى الاجتماعي، والثقافي، العمر، الجنس، المهنة، الاتجاه الأيديولوجي .....إلخ. وبخاصة إذا علمنا أن هناك كنى معينة تلحق بالأسماء الأصلية للشخصيات تعطينا بعض المعلومات الموجزة عنها، كقولنا على سبيل المثال:
(سي فلان)، فإن لفظه (سي) توحي في اللهجة الجزائرية بأن صاحبها على قدر من الوجاهة، وعليه فإن "دعوة شخصية باسم خاص يشكل أبسط عنصر من عناصر التمييز" (1)، وهو ما يمنح نوعا من التماسك والانضباط للقارئ، مما يجعل مؤشر الاسم" عنصرا هاما في انسجام ومقروئية النص، إنه يشكل في الوقت نفسه ضمانه الديمومة والحفاظ على الخبر على مدى تنوع القراءات، فنص تتغير فيه إشارات الشخصيات مع كل جملة لا يمكن أن يشكل نصا مقروءا." (2)
ونظرا لهذه الأهمية التي يكتسبها الاسم، ركزت في هذه الرواية الوطارية
( نسبة إلى الطاهر وطار) على أسماء بعض الشخصيات الروائية دون غيرها، لأنها بدت كمؤشرات تواترت بدرجات مختلفة، وكانت لها أدوار ملحوظة على مستوى النص الروائي، بخلاف بعضها الآخر التي كانت عابرة لا تسترعي الانتباه نظرا لانحسار وظيفتها، كما أن الأسماء الأخرى كانت واقعية، وبالتالي فهي لا تحتاج إلى تأويل، لأنها ليست من بنات أفكار الكاتب، بل هو توظيف جاهز لأسماء معروفة في التاريخ العربي الإسلامي أو غيره.
والمتتبع لخصوصيات الكتابة عند" الطاهر وطار" ، يجده من أولئك الروائيين الذين يسبقون أعمالهم بتخطيط(( تنجز فيه الخطوط المميزة Les trais caractéristiques لأسماء شخصياتهم الروائية في إطار التصور الكلي للعمل الروائي، قبل مرحلة الكتابة التهائية)). (3)
ومن هنا ارتأيت أن أقف عند مؤشر الأسماء، سواء أسماء الأعلام، أم الأسماء/ الصفات في هذا النص السردي لبعض الشخصيات، محاولة التعرض لدلالاتها على المستوى اللغوي والمستوى النصي:
الولي الطاهر: هو صاحب المقام الأول من حيث تواتر ذكره، وهو الاسم الوحيد المكون من صفتين مقارنة مع أسماء باقي الشخصيات الروائية، فإذا أخذنا لفظة
( الولي) بمفردها فإننا نستحضر في أذهاننا معاني مثل: السيادة، الزعامة، الرئاسة، الوجاهة، الولاية، السلطة، الملك،...الخ.
أما (الطاهر) فهي تمعن في الدلالة على النقاء، التقوى، الورع، العفة، التنزه، ....إلخ.
كل هذه المعاني المتولدة من اللفظتين، إذا ما وضعناها في إطار النص الروائي، فإنه لا يوجد ما يمنعها من الإنصراف إلى إحداها، بخاصة إذا علمنا أن هذه الشخصية عرفت بخوارقها وكراماتها، التي لا تتيسر إلا لفئة معينة من البشر، تصل إلى مرحلة متقدمة في المجاهدة والرياضة الروحية- عند المتصوفة- فالولي(( له وظيفة تكليفية لا يمكن الفكاك منها، شأنه في ذلك شأن النبي إلا أن الصديق أو الولي يلتزم دائما بهدي النبي)) (4)- صلى الله عليه وسلم- الشيء الذي يجعل كلا من الولي والنبي مزودين بسلطات إلهية.ولعلنا نجد في هذه الفقرة ما يعزز دلالة هذا المؤشر(( المؤكد لدى الأولين والآخرين من الأتباع، أن العضباء إحدى كرامات " الولي الطاهر"، وإحدى معجزات وخوارق هذا الزمن)) (5). فهذا الاسم له دلالة مقدسة عميقة.
الشيوخ: من الواضح أن كلمة( شيخ) لا يقصد بها فترة زمنية في عمر الإنسان، أو من بانت عليه مظاهر الكبر، بل إن هذه الصفة فارقت هذه الدلالات جميعا لدى المتصوفة فهي تعني لديهم مرتبة معينة تشغلها فئة متميزة قطعت أشواطا في طريق التصوف، ليستحقوا لقب (الشيخ) , الذي يعد (( الدليل في سفر الصوفي إلى معرفة الحق... و هو مرب يشذب شطحات النفس... وهو مؤدب يعد المريد للوقوف بين يدي الحضرة بما يليق بآدابها )) (6).
وكأن الشيخ هو من يأخذ بيد المريد و يلقنه مبادئ معينة ليصبح بموجبها مؤهلا، و ملما بأصول الطريقة التي ينتمي إليها.
المريدون : المريد هو طالب الانتساب للطريقة الصوفية، وتعد هذه الصفة بمثابة مرتبة يمر بها السالك في طريق التصوف، و الذي يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الصفات الحميدة، كالسمع و الطاعة، والولاء لشيخ الطريقة الصوفية،... الخ.
ولا يخفى علينا ما في لفظة ( مريد ) من تحسيس المتلقي بالتوجه الحر التلقائي لصاحبه، و في هذا الصدد نستحضر منها دلالات تشترك معها، أو تخالفها في المعنى. وذلك كما يلي:
( المريد: من الإرادة، و من معانيها: الرغبة و القصد و الميل,...الخ.) ?( النفور, الكراهية, الازورار, الإرغام, الإجبار,...).
والمريد المخلص لطريقته، هو الذي يكون صادقا متجها" كلا و جملة إلى الله و يجعل قلبه مع شيخه بسبب فرط إرادته ... ويكون مثله مع الشيخ مثل الميت في يد الغسال". (7) وهو ماعبرت عنه الدلالات المتقاربة الموجودة في الطرف الأول من الثنائية الضدية السابقة.
الطلاب: وردت لفظة (الطلاب) تحت صيغة الجمع - تقريبا- في كل الرواية.
وتندرج هذه التسمية في منظومة الأسماء ذات الأبعاد الثقافية، إذ تطلق على كل من يمارس نشاط التعليم.
وهي لدى المتصوفة تحمل المفهوم نفسه، إضافة إلى كونها رتبة، إذ يقال لكل من قبل في الطريقة الصوفية(طالب)، والشيء الملاحظ أن هناك علاقة بين الدلالة اللغوية لهذا الاسم وحامله.
الأتان الغضباء: يعتبر الحمار أو الأتان( أنثى الحمار) وسيلة نقل بدائية منذ القديم، واعتبرت الدابة التي يمتطيها المنقذ أو المخلص- تقريبا- لدى كل الشعوب. فقد ورد لدى المسيحيين ما يشير إلى" دخول المسيح المنقذ وهو راكب حمارا رمزا للسلام وليس حصانا رمزا للحرب" (8). كما أن معظم مدعي النبوة الذين ظهروا في فترة مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو بعد وفاته، كانوا يستعملون الأحمرة في تنقلاتهم.
كما يمكن أن تكون هذه الأتان هي دابة يوم القيامة، حين تأتي هذه الدابة على كل شيء، ويستل الإيمان من صدور الناس، وتدنو الشمس من رؤوس العباد.
ولعلنا بتصفحنا لهذا المقطع الذي يصور وقوف" الولي الطاهر" في حيرة وذهول عاجزا عن تفسير ما يحدث له دليل على إمكانية صحة هذا الافتراض:
" هذه الشمس المذهلة هل فقدت اتجاهها؟ ضاع عنها المشرقان والمغربان، فلا تدري أين تذهب؟" (9).
كما نستشف من كل هذا تلميحا إلى الوضعية المزرية، بعد المكانة التي صنعتها الجزائر لنفسها بين دول العالم، ولكنها عرفت تراجعا، وهو ما عبر عنه المثل العربي القديم:(كان حمارا فاستأتن)، بمعنى بعد العزة والرفعة أصبح مهانا ذليلا.
أما ( العضباء) وهي الصفة الثانية من التركيبة (أتان+عضباء)، فإنني بمراجعتي للقاموس وبحثي في هذا الجذر(ع،ض،ب)، وجدت:"ع ض ب: العضب القطع.والشتم.والتناول.والضرب. والطعن.والرجوع والإزمان، وجعل الناقة والشاة عضباء، كالإعضاب، فعل الكل- كضرب- ....والعضباء: الناقة المشقوقة الأذن.
......والمعضوب: الضعيف: والزمن لا حراك به. والأعضب: من لا ناصر له.والقصير اليد والذي مات أخوه، أو ليس له أخ ولا أحد" (10).
وكلها معان تدل على النقص والحاجة والسكون، والضعف والوحدة. ولعل هذا هو سر ملازمتها لـ " الولي الطاهر"، إذ لا يظهران إلا مع بعضهما متصاحبين طول مسار النص الروائي.
وإذا شئنا أن ننتقي معنى مناسبا من المعاني السابقة، فإننا نعتبر أن هذه التسمية تعود إلى تلك الشقوق الموجودة بأذنيها، كما هو مشهور في الدرس العربي.
ومن ناحية أخرى نستطيع اعتبار تلك الشقوق بمثابة علامة فارقة لها، تمنعها من التشابه مع غيرها، إذ يذهب البعض إلى إحداث علامات أو سمات في الحيوانات المختلفة، هي بمثابة إثبات لملكية ذلك الحيوان، أي حيازته بجعل ما يميزه ويمنعه من الضياع حين اختلاطه مع غيره من الحيوانات، التي تكون من النوع نفسه.
ومن هنا نقول: إن هذه التسمية لم تكن بريئة التركيب، بل كانت مشحونة بأبعاد رمزية، نختصرها في كون هذا الأتان إحدى العلامات التي تميز المنقذ،
أو المخلص، كما أنها رمز للتواضع والزهد ، والسلام، والأمن،....الخ.
القناديز: عند عودتي إلى القاموس، وبحثي في الجذر(ق ن د س ) وجدت أن "ق ن د س، تاب بعد معصية. وفي الأرض: ذهب على وجهه ضاربا فيها" (11)، وهو - تقريبا- نفس المفهوم المطروح في لسان العرب (*).
وأود أن أنبه -هنا- إلى أن حرفي الزاي والسين من الأصوات اللسانية اللثوية أو الأسلية، بمعنى أنهما متقاربان في المخرج.وقد تعود العرب في بعض الأحايين أن يبدلوا الحروف التي تتوفر فيها مثل هذه الخاصية من بعضها البعض، حتى في الاستعمالات الفصيحة، بمعنى أن لفظة (قندز) قد تكافئ لفظة(قندس) في المعنى ولو جزئيا أي : (قندز>=< قندس)،وهذا من الناحية اللغوية المتأتية عن هذه التسمية .
أما على المستوى النصي، واستنادا إلى المستوى اللغوي، فإنه من الممكن أن نتبنى المفهوم الذي يعتبر (القنديز)، هو التائب بعد ارتكاب المعصية، وبخاصة إذا علمنا أن (المقام) تأسس في أول أمره، وقد قدم إليه العديد من الشباب والشابات، دون أن يسألوا عن ماضيهم .
كما أننا لانستطيع أن ننفض أيدينا من هذه الخاصية، قبل الإشارة إلى ورود بعض الأسماء لشخصيات واقعية ذكرت في هذا النص، بعضها ذات بعد ديني عريق،كصحابة رسول الله (ص) (عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، وثابت بن قيس، ....)، أوفقهاء كـ(أحمد بن حنبل، وابن تيمية،....)، أو مؤرخين(الطبري، البلازدي،....)، أومتصوفةكـ(ابن عربي، السهر وردي،....)، أو مصلحين كـ (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده،... )،أو شعراء وأدباء (الشنفرى، أمرىء القيس، الجاحظ، دانتي،...)، وسياسيين واقتصاديين كـ(ماركس، انجلز، لينين،...).
إن هذا التوظيف المكثف لهذه الأسماء الواقعية، يعد امتدادا وتواصلا لما دأب عليه "الطاهر وطار" في رواياته السابقة التي كان يطعمها بها. ويمكن حصر مضمون هذه الأسماء في محاور كبرى، لعل أهمها :
المضمون التاريخي الإسلامي:
إن الحديث عن هذه الأسماء يقودنا إلى التدبر في أفعالها كشخصيات مشاركة في التاريخ العربي والإسلامي وفي دلالاتها التي تختلف من شخص لآخر نظرا لاعتبارات عديدة كالثقافة، والمعتقد، والتوجه السياسي، ...الخ.
ومن ثم فإن "وطار " يدعونا إلى قراءة تاريخ تلك (الأسماء/الشخصيات) أي : ضرورة التدبر والتفكير قبل إصدار أي حكم بناءا على آراء جاهزة، بل لابد من التحري والالتزام والموضوعية قدر المستطاع .فالتاريخ العربي دخلته كثير من الأيادي التي عبثت به. ولذا نجد "وطار" يستدعي الشاعر " متمم بن نويرة "، ويبعثه حيا. هذا الأخير الذي قتل في عهد الخليفة " أبي بكرا لصديق" على يد "خالد ابن الوليد" بتهمة الردة، وما أثارته هذه الحادثة التي أدت بالبعض إلى حد تشكيك الناس في موقف " خالد بن الوليد" في دينه ومروءته بسبب زواجه من " أم متمم" زوج مالك ، واتهام الصحابي الجليل " أبي بكر الصديق" بالتخاذل وتعطيل أحكام الشريعة الإسلامية (12) .
و الشيء الملاحظ أن الروائي ناقش هذه القضية في الرواية من زوايا عدة، انتهى إلى جعل الطلاب المقيمين في " المقام " يجمعون على تسمية الذكور بـ"مالك" ، والإناث بـ "أم متمم".وهو كما يتضح موقف تعاطفي ، ودعوة صريحة إلى إعادة قراءة التاريخ من جديد، وعدم الوثوق في كل ما يصلنا بدعوى البحث، وطرح كل الاحتمالات لمعرفة الحقيقة تخليا عن تلك النظرة التقديسية للتراث.
المضمون الثوري السياسي:
ويبرز في هذا المضمون البعد الدرامي المأسوي، الذي يتكرر-غالبا -مع كل ثائر، ويبرز ذلك من خلال استحضار الروائي للزعيم والثائر البربري " مخلد بن كيداد" الذي ثار على القائم بأمر الله الفاطمي. وكانت نهايته الموت متأثرا بجراحه
فالروائي باستخدامه لهذا الاسم يدعو للبحث في الظروف و الملابسات التي أجبرته على النهج في هذا المسلك، كما أنه وجد في مأساته، ومأساة غيره من الثوار معادلا موضوعيا، لما يحدث في جزائر القرن العشرين، والواحد والعشرين.
المضمون الأيديولوجي :
نلاحظ أن هناك إطلالة للإيديولوجيا الاشتراكية الشيوعية، وحنينا عارما إلى رموزها الفكرية ؛ وهي الرموز نفسها التي انتمى إليها"وطار"كروائي حمل هواجس الواقعية الاشتراكية في فترة ما، واعتبر أحد كتابها المبشرين بها .
فمهما حاول التمويه بتبنيه للخطاب الديني الإسلامي، فإن هناك لحظات انفلتت من قبضته، لتعبر على أنه لازالت هناك ترسبات لا يمكن أن تزول بسهولة من قرارة نفسه، فهو ما يزال يؤمن بالاشتراكية، لأنها - حسب رأيه - حلم الإنسان في تحقيق العدالة الاجتماعية. (13)
وهو السر الذي جعله لا يستغني عن " حمدان قرمط " قائد ثورة الزنوج وهو عمل ينم عن ذكاء في استلال هذه الأسماء وتوظيفها.
ويمكن أن نستدل على ترسب الإيديولوجيا الاشتراكية بما عبرت عنه الشخصية الرئيسة: " رأيتني ممزقا بين أنا وبين آخر غيري، نصفي ممتلئ بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وبابن عربي ...ونصفي ممتلئ بماركس وانجلز ولينين وسارتر". (14)
وهو تمزق رهيب يعكس حالة الانفصام ولازدواجة الفكرية، التي تعاني منها هذه الشخصية .
إن الحديث عن هذه الإسقاطات التاريخية اللافتة للانتباه، أّّّدت إلى فتح الجرح القديم للأمة العربية، لتراجع نفسها وتعيد قراءة تاريخها لا قراءة المستهلك العابر، وإن "اختيار الكاتب لهذه الرموز سواء كن عن وعي أم غير وعي .فهي في نهاية المطاف تختصر الوعي بقيمة الذات وموقعها من صيرورة التاريخ والإنسان" (15).
والملاحظ أن " وطار " يحسن التقاط هذه الأسماء، وإن تعامله لها فيه نوع من الذكاء، إذ نجده - تقريبا - لايوظف إلا أسماء أشخاص عانوا معاناة كبرى ، وكانوا ضحية قضية معينة، وكانت نهايتهم مؤلمة أو مجهولة، أو مختلفا فيها، وهو ما يدلنا على شخصيته في أعماله الأدبية.
خاتمة:
ومهما ادعينا الإحاطة بأسماء هذه الشخصيات، فإنها عند " الطاهر وطار " عالم غير محدود، بل كلما توهمنا إلقاء القبض على إحداها و محاصرتها، إلا و اكتشفنا بعد حين أنها تنفلت تلقائيا من قبضتنا، نظرا لكونها علامات مركبة، الشيء الذي منحها وجوها متعددة، تستدعي المزيد من التأمل الواعي .
لذلك كانت أسماء هذه الشخصيات ذات تركيبة فسيفسائية، لا يلملمها إلا العنوان، إذ تكون رمزية حينا، موحية بدلالات عميقة ، اختارها الروائي تارة ليشوش فكر المتلقي، وطورا ليوجهه، وأخرى ليضعه في مفترق الطرق، فكانت بذلك هذه الشخصيات علامات يهتدي بها القارئ في دوال مختلفة إلى إشكالية الجزائر في هذه الفترة التاريخية ، وعلاقتها بالماضي البعيد والقريب. فهذه الشخصيات رسمت عالما متناقضا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، لأن " الطاهر وطار" لا تحيلك شخصياته مباشرة إلى ما يهدف، وتلك هي نظرة الفنان حينما يعطي دورا لشخصياته في فضاء النص، فيكون النص هو الأم، و تكون الشخصيات عالم الأبناء، ولذلك استطاع " وطار " أن يسم كل شخصية بسمة خاصة، لتشدنا و تبحر بنا في عالم من الرؤية و التأويل .