هوشنك أوسي

محمود كيانوشأدباء وشعراء وكتّاب وفلاسفة كُثُر كتبوا بأسماء مستعارة، ولا يتسع هذا المقام لسرد لائحة أسمائهم الطويلة. فمنهم من لجأ إلى ذلك، تحبباً بالاسم المستعار، الأدبي أو الصحافي الجديد، أو هرباً من تقاليد اجتماعيّة كابحة. ومنهم من نأى بالنفس عن مخاطر التعبير عن الرأي بحريّة، تلميحاً أو تصريحاً، في بلدانهم التي تخيّم عليها أجواء ومناخات جبروت الاستبداد وطغمته وحاشيته. ولكل شخص، عاش هذه التجربة، حكاية مريرة، وأحياناً طريفة، تهرّباً من مقصّ الرقيب. ولعل قصّة الشاعر والباحث والناقد والمترجم والروائي الإيراني محمود كيانوش، دليل على ذلك. هذا "التواري" الذي جرّبه كيانوش، تحت اسمين مستعارين، لشاعرين وهميين؛ هندي وأميركي - لاتيني، اكتشفه الشاعر والباحث والناقد والمترجم والكاتب الموسوعي الكردي، جلال زنكَابادي، أثناء ترجمته لمجموعة كيانوش الشعريّة "عبر شبّاك تاج محلّ" من الانكليزيّة إلى العربيّة، وصدرت أخيراً، في 102 صفحة من القطع المتوسط، عن مؤسسة كلاويج، ضمن فعّاليّات ونشاطات النسخة السابعة عشرة من مهرجان كلاويج الثقافي بمدينة السليمانيّة في الفترة ما بين 21 - 25 تشرين الثاني 2013.

وأرفق زنكَابادي ترجمته لـ"عبر تاج محلّ" بمقدّمة، هي دراسة غنيّة وجد قيّمة عن الحداثة الشعريّة في إيران، ومراحلها وأجيالها، بالإضافة إلى تعريف بمحمود كيانوش، ودوره وتأثيره في الشعر الإيراني المعاصر، إلى جانب سرد قصّة علاقته وتواصله مع كيانوش وكيفيّة اكتشافه حقيقة صاحب "عبر شبّاك تاج محل". حيث ذكر في مقدّمته - دراسته المعنونة: "كيانوش من روّاد الشعر الإيراني المعاصر"، بأن "البداية الناضجة لنهضة الشعر الإيراني المعاصر تعود إلى عهد ثورة المشروطه (الدستورية) الرنسانسيّة (1906-1911) التي اندلعت في سنة 1906 والتي لمْ تحدث بمعزل عن المدّ الثوري في تلك الحقبة كثورة 1905 الروسيّة. علماً أنّ إرهاصات الغليان الثوري في إيران تعود إلى سنة 1896". وأضاف: "إنّ بوادر وبواكير التجديد ظهرت عشيّة اندلاع الحرب العالميّة الأولى، في أشعار: إيرج ميرزا (1874- 1925) ، عارف قزويني (1883- 1929) ، بهار (1886-1951)، أبي القاسم لاهوتي كرماشاني (1887-1957)، إلاّ أنّ الزخم الأقوى جاء على أيدي الشعراء (الإيرانيين من الترك الآذريين) المتأثرين بالحركات الشعريّة التجديديّة الروسيّة والتركيّة والفرنسيّة: جعفر خامنئي (1886- ؟! )، تقي رفعت تبريزي (1889- 1920) والشاعرة شمس كسمايي (1883-1961)".
ويرى زنكابادي كباحث وناقد مختصّ في الشعر الإيراني، أن الشعر الإيراني شهد نكوصاً منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. ويستدرك قائلاً: "... إن كيانوش تعرّض لشتى صنوف التغييب والتعتيم والإقصاء والتهميش بحقه".
ويعرّف زنكابادي، كيانوش بـ"الرائد المبدع الثري المغبون" ولد 1934 في مدينة مشهد. وأنه أديب موسوعي متعدد الأوجه في تنويع أعماله ومثابر على العطاء الثقافي النوعي منذ أواخر خمسينات القرن الماضي وحتى الآن بصفته: شاعراً، قاصّاً، روائيّاً، كاتباً مسرحيّاً، مترجماً، ناقداً، باحثاً وصحافيّاً، بل يعد من أبرز روّاد "قصيدة النثر" في إيران، ومن أبرز كتّاب الشعر والقصّة للأطفال؛ حدّ تسميته بـ"أب شعر الأطفال" في إيران. وانه "ابتدأ كتابة القصة والشعر، والنشر منذ مرحلة دراسته الثانويّة، ويرفد المكتبتين الإيرانيّة والإنكَليزيّة بأكثر من 80 كتاباً بل هو أبرز أديب ناشط بين أترابه من شعراء الرعيل الثالث (منذ العقد الرابع لحركة التحديث فصاعداً...) فضلاً عن كونه أبرز من قدّم باللغة الإنكَليزيّة ترجمات لقرابة ستين شاعراً إيرانيّاً (من القدامى والمعاصرين) والعديد من الدراسات المهمّة في شؤون الثقافة الإيرانيّة...". وأنه "في سنة 1975 هاجر عائليّاً إلى إنكَلترا، واستقرّ في لندن، ويعيش هو وزوجته شيخوخة مثقلة بالفاقة والمرض". و"لم ينل حظّه من الترجمة إلى العربيّة، ما عدا استثناءات نادرة"، كترجمة زنكابادي لـ"عبر شبّاك تاج محل".

ويشير زنكابادي إلى أن لكيانوش 18 مجموعة شعريّة، 8 مجموعات شعريّة للأطفال، و5 مجموعات قصصيّة، و5 مجموعات قصصية للأطفال، و7 روايات، ومسرحيّتان، و7 كتب نقديّة، و5 كتب ترجمها عن الانكليزيّة.
وعن مجموعة "عبر تاج محلّ" يذكر زنكابادي أنه حين كتب كيانوش هذه القصائد، "كان جلّ تركيز الرقابة الإيرانيّة على تلميحات الكلمات وإيحاءاتها، التي قد تحمل دلالات حقيقية ضد النظام...". ويضيف: "أفلح كيانوش أن يمرر قصائده المناهضة للوضع المزري تحت اسمين لشاعرين وهميين: هندي (براديب أوماشانكار) وأمريكولاتيني (خوسيه أمادو لوبيز)... ووجد انّه من السهل أن يكتب ما يشاء من نصوص تتناول مصير شعبه ووطنه، وينشرها تحت أسماء أجنبيّة؛ على انّها مترجمة، ومنها روايته (الثلج والدم) التي مرّر نشرها باسم روائي بيروفي؛ ديكَنو دي آلابانتزا (المفبرك)".
ويروي زنكابادي أن كيانوش "اختار لمجموعته عنواناً معبّراً يوحي بالبديل (الأصلي) ألا وهو "عبر شبّاك تاج محل" الذي يؤول إلى "عبر شبّاك برسيبوليس" أو "عبر شبّاك عرش جمشيد" كمكان يرمز لفخامة الشاهنشاه. ونشرت المجموعة في العام 1972 بصفتها مترجمة عن الإنكَليزيّة، ونالت الكثير من الإستحسان! وفي عام 2007 أصدر كيانوش الترجمة الانكليزيّة لمجموعته... واستعرتها من زميل في أواخر 1979 فخلبت لبّي، وترجمتها إلى الكرديّة والعربيّة، ونشرت بعض قصائدها في أوائل الثمانينات، ولازمني الشكّ في كونها قصائد مترجمة إلى الفارسيّة، وممّا قوّى شكّي، عدم ظفري بأيّ شيء عن الشاعرين (أوماشانكار) و(خوسيه أمادو لوبيز) باللغات: العربيّة، الفارسيّة، الإنكَليزيّة، الأورديّة، التركيّة، الإسبانيّة والبرتغاليّة حتى مع توافر الإنترنت منذ عام 1998 في أربيل. وإذا بصدفة عجيبة تعرّفني إلى كيانوش؛ إذ تلقيت منه ذات يوم من أيّام 2007 رسالة بالبريد الالكتروني يخبرني بأنّه قد اطّلع على ست من قصائده المترجمة من قبلي والمنشورة باسم شاعره الأمريكولاتيني (لوبيز)، على صفحات موقعي الخاص الفرعي ضمن حيث كنت قد همّشت ترجمتي المذكورة بهذا التعريف: Jose Amado Lopez: شاعر معاصر، لم أظفر بأيّة معلومة عنه رغم كل ما بذلته من جهود في البحث عبر كل القنوات المتاحة كالكتب والإنترنت... وهو يقيناً (برتغالي أو إسباني، أو من أميركا اللاتينية) أمّا هذه القصائد فقد ترجمتها عن الفارسية، من كتاب (از بنجره اى تاج محل) ترجمة الشاعر والمترجم الإيراني المعروف محمود كيانوش. ومن يومها ابتدأت بيني وبين كيانوش مراسلة حميمة باللغتين الإنكّليزيّة والفارسيّة...".
تضم المجموعة، 32 قصيدة قصيرة، أتت الترجمة، رقيقة وسلسة وعميقة في الآن عينه، نجحت في نقل الأجواء الصوفيّة المخيّمة على النصوص، والاقتصاد في الكلام، بحيث عكست الترجمة حالات التأمّل الداخلي، والتعمّق في كنه الأحداث ومجريات الحياة، إلى جانب الشحنة الدراميّة أو المونودراما أثناء الخوض في محاولة الإجابة على أسئلة الوجود والحياة ومآلاتها، وانتقاد كل سلوك قبيح، يسعى إلى النيل من الحياة والطبيعة والإنسان.
ولعل عنوان "عبر شبّاك تاج محلّ"، هو دليل على رغبة كيانوش بضرورة أن ينظر الحاكم (الشاه)، بعين الشاعر والفيلسوف الزاهد، والعمق الإنساني والناقد، أثناء النظر إلى الشعب والوطن والحياة، من شبّاك قصره. وأن يكون ناقداً لنفسه، على الدوام، إذا كان يريد أن يستحقّ المكانة التي هو عليها، والسلطان الذي يتمتّع به. فنافذة القصر، هذه الكوّة الصغيرة، المفتوحة على الماضي والحاضر والمستقبل، يجب على الحاكم أن يكون على قدر مقام الوقوف أمامها، والنظر من خلالها إلى تجلّيات الحياة والتفكّر في راهن ومآلات الشعب والوطن، بأمانة وصدق وأخلاق. ففي هذه القصيدة، ثمّة حوار بين جيلين، الطفل ووالده، بحيث يطرح الطفل أسئلته بمنتهى البراءة - العميقة، ويجيب الأب بمنتهى البساطة العميقة، حيث يقول: "كان واقفاً في مقرّ التاريخ/ يشهد عبر شبّاكِ تاج محل مذهولاً/ مارش الفِيَلة رتلاً رتلاً/ مِنْ بوّابةِ الزّمرّدِ حتى ساحلِ الدماء./ كانتْ حُمرةُ الدمِ تُثقِلُ قلبه/ والزّمُرّدُ يُبهِرُ عينيه/ فقد نسي معلّمَ التاريخِ ، الذي قالَ:/ - " يا صبي/ لنْ تعرفَ المستقبلَ؛ ما لمْ تعرف الماضي. فاقرأ التاريخ !"/ وظلّتْ أرتالُ الفيلة تأتي من الماضي/ فسألَ وهو في ذهولٍ وحيرة إزاء لعبةِ الأمجادِ الغابرة:/- " أبتي!/ هلْ كان المهراجات أناساً طيّبين ؟" (...) وبينما كنت أفكّر هكذا سألني: - " أبتي !/ هلْ كان المهراجات أناساً طيّبين ؟"/ فأجبته وأنا أوهن وأشدّ يأساً ممّا مضى في معمعة جحر ثعبان الأعداد: - " كلاّ"/ فكرّر السّؤال: - " هل كانوا عظماء ؟"/ - " كلاّ"/ - " فماذا كانوا إذاً ؟!"/ أجبته: - " لقد كانوا مهراجات ليس إلاّ!).

الحقّ أن انسجام الأمزجة، لجهة التصوّف والغبن والظلم والتهميش والإقصاء اللاحق بكيانوش وزنكابادي، هو الذي جعل الترجمة، وكأنّها النصّ الأصل، فيما لو أراد كيانوش الكتابة بالعربيّة.
وجلال زنكابادي - لورستاني، هو أيضاً شاعر وناقد وباحث ومترجم، ولد في 1/11/1951، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، ويترجم إليهما من الفارسية، الإنكَليزية، الإسبانية والتركيّة. بدأ بالنشر في الجرائد والمجلاّت منذ 1967. يجيد اللهجات الكرديّة الخمس الرئيسة. كتب بأكثر من عشرة أسماء مستعارة. تخرّج في دار المعلّمين الابتدائيّة بكركوك سنة 1969 وعمل معلّماً في التعليم الابتدائي (1971- 1991) ثمّ في الجرائد والمجلات محرراً، مشرفاً ثقافيّاً ولغويّاً، في الأقسام والملفات الأدبيّة والفنيّة والثقافيّة، وسكرتيراً ومديراً ورئيساً للتحرير لبضع مجلات في إقليم كردستان العراق. وهو من دعاة سلطة الثقافة وحوار الثقافات بين الشعوب والأمم. بعد اغتيال والده في أواخر 1960 لنشاطه الوطني، عمل صانع تنانير، عتّالاً، عاملاً في مكافحة البعوض، عامل بناء... ثمّ بائع كتب على الأرصفة في السنوات (1987-1997) وتعرض للترحيل، وفقد دارين له حجزاً ونسفاً في العهد البعثي. أصيب بالصمم نتيجة إصابة بيته بقذيفة أثناء الاقتتال الكردي في كردستان العراق. صدر له نحو 18 كتاب بين ترجمة وتأليف، ونشر نحو 10 كتب، على صفحات الجرائد والمجلات، ككتاب العدد. وشارك في ترجمة الكثير من الكتب الأخرى. كرّمته نقابة صحافيي كردستان في (1993) و(1998)، مهرجان كَلاويز في (2005) وجريدة (بارزان) في (2011).