تبنى النصوص الأدبية بطريقة مغايرة عندما ينقلب التاريخ، وتحديا عندما تتغير البني القيمية في منظومة المجتمع، فتصبح بعض هذه البني عرضة للاندثار بينما تبني قيم اخري تحاول جاهدة للبروز باعتبارها العنصر المهيمن داخل النسق الاجتماعي، تلك هي اللحظة التي يولد فيها النص ليدون تاريخه الرؤيوي لنسق الذات داخل البني المغايرة، وعملية استكشاف التاريخ من خلال النص، من دون ان يفقد النص قيمته الجمالية وهويته الذاتية وسط عالم تتقاذفه هويات متعددة سواء علي الصعيد الأدبي (المدارس الأدبية، أو الاتجاهات الأدبية) أو علي صعيد الشعوب أيضا، هي في داخلها عملية لترميم الذات/ الكينونة، أو في اقل تقدير إعادة قراءتها، ففي كل مرة تتعرض فيها الهوية التاريخية للمجتمع لهزة تغيّر مواقعها، نشاهد بأن الأدب وتحديدا الشعر يتسابق لرسم رؤيا لبناء التاريخ من خلال مشاهدته، ليكون الأقرب الى أعماق الذات وهي تتغير بولادات جمالية وتاريخية أيضا، ولعل ما مر في العقود الثلاثة الأخيرة داخل البنيان التاريخي للعراق، ومن ثمة التغير في البنيان الاجتماعي والرؤيوي للمجتمع يدعونا لتفحص مرحلة تاريخية، كان فعل القتل والخراب هو العنصر المهيمن في الذات يقابله عنصر آخر بناء جمالي مقاوم لدفع الذات بان لا تفقد قدرتها علي البقاء قريبة من نفسها، وبذلك بإمكاننا ان نصف الفن بصورة عامة، والشعر بصورة خاصة، باعتباره الرائي والراعي لقيمة الحقيقة داخل المجتمع.
هذه القراءة التي تأتي متأخرة بعض الشيء، لا يراد لها ان تقرأ السياسي في الخطاب الأدبي، فذلك ما لا نحبذه للنص الأدبي ان يقع فيه، أي بعبارة أخري إننا لا نريد للسياسي ان يجر الخطاب الأدبي الى منطقته ولكننا في نفس الوقت لا نهمل الخطاب السياسي باعتباره مشاركا في خلق نص أدبي والتأثر به، فقد وجد الشاعر نفسه في قلب الحدث، كان عليه ان يتخلّي في بعض جوانبه عن بناء النص الأدبي، باعتباره (تحليق لغوي) كما يقول بارت الى (شاهد علي خراب العالم) كما يقول (اليوت)، حيث أصبح المعني (معني النص) هو البني المهيمنة داخل سياق النص، حيث تم إقصاء اللغة والنظر إليها علي إنها أداة توصيل بالإضافة الى كونها عنصرا جماليا، وبذلك فقد شاهدنا خلال مرحلة التسعينات من القرن المنصرم بان النص الشعري قد تحوّل الى (معنى) من دون ان يفقد عنصره الجمالي، وذلك من خلال تركيزه علي الواقع باعتباره واقعا سرياليا، من دون الانجرار الى الكتابة الآلية التي طالب بها السورياليون الفرنسيون ذات يوم، فقد شاهد الشاعر العراقي بفطنته العالية، بان الواقع الذي انوجد داخله هو سوريالي، ولذلك فهو لم يعد يركن الى سوريالية الشعر، وإنما بدأ في تدوين الحياة اليومية المعاشة، لتكون هي الركن الجمالي المهيمن داخل البناء الشعري للنص.
لقد أفرزت حقبة التسعينات الكثير من الشعراء الذين سيدين الشعر لهم باعتبارهم الشباب الذين كتبوا بلغة قلبت موازين الشعر الحداثوي الذي قاده شعراء الحداثة الشعرية العربية، فعربيا شاهدنا الكثير من الشعراء وهم يشقون أسماءهم وسط عالم الكبار، ونذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر (عماد بو صالح) من مصر و(علي المقري) من اليمن و(سوزان عليوان) من لبنان و(سعد سرحان) و(عدنان ياسين) من المغرب، أما من العراق فقد ظهرت الكثير من الأسماء الشعرية، مع الإشارة بان تاريخ العراق الأدبي هو تاريخ شعري، في اعتقادنا بان أول من بدأ عملية التغيير التي تقود الشعر الآن في المنطقة العربية هم الشعراء العراقيون لذلك فقد حظيت الكثير من الأسماء الشعرية العراقية باهتمام من قبل الصحافة الأدبية، مع الإشارة بأن النقد كان يغط بسبات ليس عميقا فحسب بل عقيما في تتبع مسارات الشعر الآن، وهنالك علي سبيل المثال لا الحصر الكثير من الأسماء الشعرية العراقية نذكر منهم مع الاعتذار الشديد لمن غاب اسمه، سنكون في النتيجة نحن المسؤولين عنه بسبب جهلنا بهذه الأسماء، نذكر منهم: (صفاء ذياب، احمد آدم، عبد الأمير جرص، رعد زامل، حسين علي يونس، عباس اليوسفي،سلمان داود محمد، احمد سعداوي، سلام دواي، احمد الشيخ علي، معتز رشدي، غريب اسكندر، جمال جاسم أمين، علي سعدون، احمد ناهم، مازن المعموري، ماجد حاكم موجد، كاظم النصار، نجاة جبار، نجاة عبد الله، حسن النصار، ماجد عدام، خالد كاكي، باسم فرات، قيس ياسين، حسن السلمان، فارس حرام، حسن جوان، عباس خضر، عبد الخالق كيطان، عبد الرحمن الماجدي، حسن بلاسم، محمد غازي الأخرس، بشار عبد الله، علي مزهر، طالب السوداني، حسن رحيم الخرساني، فاطمة الحيدري، عبد الهادي سعدون، شعلان شريف، فيفيان صليوه، فرج الحطاب، جمال الحلاق، سليمان جوني..)
وقد رأينا بأن قراءتنا هذه يراد لها أن تتلمس الشعر لدي هذه الجماعة ولكن لصعوبة أخذ الشعراء كلهم فقد رأينا بأن نأخذ ثلاثة شعراء فقط بتوجهات كتابية مختلفة لقراءة هذه المرحلة شعريا، وهم (جمال الحلاق واحمد عبد الحسين وحسين علي يونس)...
استعارة الكابوس:
(الشيخوخة التي تطارد الآخرين
لحقت بها)
ذلك ما يترجمه لنا (جمال الحلاق) في قصيدة (أطول من هاوية) فليس ثمة من أمل لنا علي هذه الأرض، إننا نشيخ بسرعة جنونية، الجسد القلق علي وجوده وسط أرض رخوة يبدو إنها غير مكترثة بانوجاد الكائن علي سطحها، وهكذا ستبدو الحياة وكأنها غير مطلقة، لكن في الداخل ثمة ما يخدعنا في هذا النص، أو أنه يستعير الحياة لقولها كلها، هكذا دفعة واحدة، من خلال قراءة مبسطة سنكتشف أن ثمة استعارة وجود آخر لهذا النص بقراءة أخري، وهي حكمة الشيوخ لا وهنهم، فما الذي أراد أن يقوله لنا (الشاعر) في هذا النص؟ أغلب الظن إنه أراد أن يخدعنا، أن يستعير لنا كابوسا ليدخلنا فيه. تلك هي اللعبة التي تنولد داخلها الأسئلة، لتكون النتيجة مجموعة من الأسئلة التي تضعنا في محك مباشر مع وجودنا القلق ليخلق أكثر من قراءة وأكثر من تأويل معا، وبالتالي فإنه سيضع النص أمام محك السؤال الذي يتكاثر الى ما لانهاية، مستعينا بالاقتصاد في اللغة والمباشرة العميقة والإيجاز ليقول خطابه الشعري المحمل برؤيا فلسفية ورؤيوية تدين الواقع لكنها تمدح الذات باعتبارها المقاومة لإغراءات السقوط في فخ هامشيتها وخرابها، فعل المقاومة هذا نجده عند شاعر آخر هو الشاعر(حسين علي يونس)، مع الفارق بأن (حسين علي يونس) يعمل في منطقة مغايرة شعريا عن منطقة (جمال الحلاق)، فهو كثيرا ما يعتمد علي ذم الذات والآخر، بل ويتعمد الإساءة إليها باعتبارها هي المسؤولة عن فعل وجوده وباعتبارها هي أيضا من لديها المقاومة علي استعارة كابوسها ليرمم خرابها، حيث يكون جلد الذات إحدى الوسائل لإصلاح عطب الأخلاق، ولعل أكثر ما يشد في (حسين علي يونس) هو محاربته للأخلاقي علي أساس الشعري، هكذا جاءت مجموعته الشعرية الثانية (إساءات)، حيث جلد (حسين علي يونس) الجميع الأخلاقيين واللا أخلاقيين في آن معا، بما في ذلك الشاعر ذاته، ويبدو ذلك من خلال عنوان المجموعة ومن خلال اختيار أسماء لأشخاص كعناوين لمتن النصوص مستغنيا عن الإهداءات، أي أن الاسم أصبح من ضمن المتن الشعري لا علي هامشه وبذلك فقد أصبحت الإساءة (التقريع ــ الجلد) هي ذات البنيان الكمي والنوعي للنص، يقول (حسين علي يونس) مستعيرا كابوس التشرد علي اعتباره فعلا اجتماعيا أخلاقيا خارج متن السياق الاجتماعي، في قصيدة تحمل اسم الشاعر والمسرحي العراقي (كاظم النصار):
(متاحة لنا الكراجات
متاحة لنا اذرع الفتية
وهم يجلون ضجر الوقت
متاح لنا الفندق القذر
وأزقة بغداد القديمة
ومتاح لنا
وسط هذا الزحام
حر الصيف)
إنها نشوة التشرّد والألم والخروج عن السياق الاجتماعي الذي ولد الشاعر داخله، فمن خلال حفر الحياة يمكننا الدخول الى أعماقها، حيث استعارة الوجود في مكان آخر وفي زمن آخر لم يعد له وجود، إن (حسين علي يونس) يقترح علينا وبصورة مباشرة بأن نكون قريبين من التشرّد، من الكراجات، حيث الآخرون وعالم المدينة، كما إنه يقترح علينا في آخر النص بأن نكون في وسط الزحام فهي تلك اللذة التي تسعي إليها ذواتنا علي ما أراد أن يقوله الشاعر.
(أحمد عبد الحسين) هو الآخر يصدمنا باستعارة كابوس آخر لنا إنه كابوس الجنة التي نوجد داخلها ولكنها ـ وتلك هي الصدمة التي نسقط فيها وكأننا نسقط في حفرة عميقة في داخل مخيلتنا ـ جنة من عدم، فقد اختار الشاعر عنوانا (جنة عدم) هو الآخر يرعبنا بكابوسيته، عندما اختار لنا أن نوجد في جنة مقدر لنا أن لا ننوجد فيها، علي اعتبار أن العدم هو نقيض الوجود تماما، مع ملاحظة بأن الشاعر يعمل في نصه داخل حقل لغوي دلالي، حيث اللغة تتعالي علي النص والقارئ معا في بعض مكوناتها و في تصوّري إن مرد ذلك هو تأثيرات جيل الثمانينات، حيث اللغة تتحدّث ولا تقول شيئا، الذي انخرط (أحمد عبد الحسين) في بداية مشواره الشعري فيه، ثم تخلّص منه فيما بعد، حيث تكون اللغة هي المهيمن علي النص الشعري، طاردة المعني الذي كرسه شعراء الحقبة الجديدة في العراق، ولا يمكننا أن نطبع ذلك علي مجمل النتاج الشعري للشاعر، ففي خضم أطروحات الثمانينيين التنظيرية نشر (أحمد عبد الحسين) واحدة من أجمل قصائده هي قصيدة (الهواء الأخير) حيث خالف فيها كل أطروحات الجيل الثمانيني في العراق، لينشّق عنهم فيما بعد أن اقترب بدرجات متفاوتة وفي نصوص مختلفة.
في قصيدة (بابل مقلوبة) من مجموعة (جنة عدم) يطالعنا هذا الكابوس ومنذ البدء يدخلنا الى الكابوس دون تمهيد حيث بابل مقلوبة، وبابل هي رمز المدينة ورمز التاريخ في آن معا:
(وكلما استيقظ من نومه وفركَ عينيه
رعاةٌ نوامونَ منكم
أعادوا عليه النعاس)
إنه الإنسان الذي لا يستيقظ إلا علي نوم، لا لرغبة بعدم الرؤيا وإنما لأن (الآخر الجحيم) هو من يدفعه للنوم، الآخر السلبي لا الآخر الإيجابي، فالشاعر هو حال أقرانه الآخرين من شعراء الحقبة الجديدة إنه مشغول بالبحث عن وجود أخلاقي، وعن الحكمة المعقلنة،، إنه الشاعر الذي يُبصر عندما يبصر، ويقول حتى لو لم يكن الكلام متاحا، وليس غير الكابوس هو من لديه القدرة علي استفزاز الآخر القارئ, ليكون في قلب الحدث، وليكون مشاركا فيه، لذلك فإن الاستيقاظ هنا هو استيقاظ رؤيوي، استيقاظ لإبصار الوجود ولإبصار الخراب الذي يوجد الإنسان داخله، ليقوم، ولا ينسي الشاعر أن يذم أولئك الظلاميين الذين يحاولون إعادة النعاس ــ العدم ــ الى وجود الإنسان، ولكنه يبقينا في كل الأحوال في حالة كابوسية مهيمنة.
مفارقة المكان:
يبدو أن المكان سواء أكان مفترضا (يوتيبيا) أو مفتعلا (تخيليا) أو فعليا (واقعيا)، هو عنصر مهيمن داخل الخطاب الشعري المعاصر، لدي شعراء الحقبة الجديدة، فليس ثمة واقعة لا تحوي في داخلها علي مكان، ذلك الذي يشدنا الى جذورنا ليحوّل حياتنا الى مغزى، ينقله فعل وجودنا الذي يربكه المكان ليس بقدر ذلك الإرباك الذي يخلقه الزمان داخلنا، إنه يحيلنا ــ وأقصد الشعر الحديث عامة ــ الى أزمة مكانية تشقق دواخلنا كما لو أنها جدران تلك البيوت التي ولدنا فيها، حيث قصف المدفعية التي تشقق جدران ذواتنا مثلما تشقق جدران بيوتنا، لتكون استذكارا دائما في النصوص الحديثة، حيث الجدار يحيط بذات الشاعر، ليحيل الى الحصار الفكري والروحي الذي يعاني منه الشاعر، ليتحوّل في النهاية الإنسان الى كائن مرعوب بفعل انحصاره في غرفة أو تابوت أو سيارة أو وطن أو غربة، في قصيدة (قطط واسماك) للشاعر (جمال الحلاق) نقرأ الآتي:
(وفي الليل
بعيون فسفورية
تنزل القطط
كما لو أنها تخرج
من الحيطان
وباندهاشة فيلسوف
تحدّق
بالأسماك
تسبح
في
رأسي)
في هذا النص يحيلنا الشاعر مباشرة الى غرفة، تبدو كأي غرفة أخري في هذا الكون المرعب، فليس لدي الشاعر من غرف مفترضة غير هذه المرعبة، التي لا تنوجد في عالمنا الا كسجن أو صومعة للتعذيب لا للعبادة، لكن الشاعر في كل هذا لا يتخلي عن الإشارة الى اندهاشة الفيلسوف، تلك التي ينظر بها العالم الآخر إليه، فهو قد وقع في واقع آخر مغاير، لا تستوعبه سوي اندهاشة الفيلسوف، هذا المكان ليس إحالة الى أماكن طفولتنا، فليس للشاعر أن يتذكّر غير السجن، غير غرفة العائلة والأطفال يركضون في زاوية منه لتسوّل حياة أخري، وبذلك فإن المكان سيبدو إلينا وكأنه كهف في أعماقنا، نعيش في داخله حياة فطرية، هي في المحصلة النهائية حياتنا التي فقدناها في زمن آخر، أو ربما في مكان آخر. في قصيدة (جنون العائلة) يقول الحلاق أيضا:
(ألبسي أبناءنا الكمّامات
أغلقي كلّ النوافذ
كلّ الشوارع
كلّ المدن
فالهواء
قادم)
هذا النص هو الآخر يدعونا للهرب بأنفسنا الى المكان، لنبقي داخل الحيّز لا خارجه، فالعالم ملوّث، ولعلّنا هنا نستحضر بيتا شعريا للشاعر الإسباني(لوركا) حيث يقول (إفتحوا كلّ النوافذ، ليدخل الهواء) لكن الفعل عند (جمال الحلاق) مختلف تماما، حيث الهواء في نظر الحلاق هو الفكر المشوّش، الفكر اللا أخلاقي، ذلك الذي يدعونا لأن نبتعد عنه، حتى وإن اضطررنا للبقاء في الغرف مع إغلاق النوافذ، لكي لا يتسلل الى حياتنا وحياة الذين من بعدنا. وفي القصيدة ذاتها يقول:
(الفندق حافلة عاطلة
لا تقلقي
حتما
سنصل)
الحلاق في هذا المقطع يبلغنا بأن المكان هو الآخر ولو كان ضيّقا فإنه حتما سيصل بنا الى ما نبغي الوصول إليه، حيث يمثل الوصول الى الضفة الأخرى من المكان، وصول الى الحقيقة، فجمال الحلاق لا يتكلّف التفلسف داخل النص، بل إنه يري النص باعتباره فلسفة لحياة معاشة، حتى إننا في بعض نصوصه لا يمكننا التمييز بين ما هو فلسفي صوفي وبين الشعر، حيث يكون الشعر في حالة إشراق دائمة.
في نص (الهواء الأخير) وهو من النصوص الجميلة والمتميزة لدي الشاعر أحمد عبد الحسين، فهو نص ملحمي طويل نسبيا، إستعمل الشاعر فيه تقنية عالية لتكثيف المعني وإن كان علي حساب السرد، فهو يدوّن بحثه عن قلق جمالي في حقبة من المرارات التي مرّ بها تأريخنا، وهو يغلق علينا أبوابه، الهواء الأخير تحيلنا بتناصها اللغوي الى العشاء الرباني الخير، قبل غياب المسيح، وبذلك فإن النص يتحوّل الى حالة افتراض ضمني، بغياب المكان أو رفضه كما سنري بعد قليل، لنتأمل هذا المقطع من القصيدة:
(الهواء الهواء
هكذا صرخ المهرج الأعمى من باطن عزلته
دافعا بثقل الفراغ إلي مزارع
هاربة من يديه
الى قري ميتة يوم السبت
بجوار السوق القديم
غير إن الهواء ليس هنا)
ولنتأمل معا الكلمات التي تدل علي المكان سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثم نربطها مع بعضها البعض لنكوّن حقيقة المكان الذي يريد الشاعر ان يرشدنا إليه، لقد وردت كلمة عزلة وهي لها دلالة مكانية، فلكلّ عزلة مكانها، ثم إن الفراغ مكاني أيضا، وإن لم يشغل حيزا حسب المفهوم الفزيائي، وكلمة مزارع وقري والسوق القديم، كلّها إحالات مكانية، إن (باطن عزلته) تحيلنا مباشرة الى بطن المرأة، العزلة هي لحظة وجود الإنسان في داخل جسد الأم، وما يؤكد طرحنا هذا هو تكملة الجملة (دفع بثقل الفراغ) وتلك هي اولى خروجات الإنسان الى العالم، حيث الإنسان البدائي وثم تتكون المزارع، ثم تتكون القرى ثم الأسواق، حيث المدن والعمارات ووجود الإنسان المتمدن، ثم سرعان ما يرفض الشاعر كلّ هذا الوجود، إنه ضيّق الكون علي الإنسان الذي وجد نفسه مقذوفا فيه دون إرادة منه، لكن الشاعر في هذا النص يحاول أن يطوّع المكان، فالهواء ليس هنا كما يقول الشاعر، وهو أول رفض للمكان حتى وإن كان في قلب العالم، إنه يري المكان كقيد يحدّ من الوجود، ويعيق اكتشاف حقيقة الإنسان، لذلك عليه أن يستبدل مكانه أو وجوده.
في نص آخر هو (ساحة الأندلس) نقرأ الآتي:
(بالأمس
حين رفعتُ الغطاء عن تابوت أخي
رأيتُ الأبدية، رزمة أوراق نقديّة علي وجه محترق)
فالعالم لدي الشاعر ليس أكثر من تابوت مستطيل الشكل سرعان ما ستتشكل جثة الآخر داخله، حيث الأخ هنا يمثل الآخر، أما نحن فلسنا أكثر من شهود علي موت الآخر، وعلي إغراقه في المكان، فمن خلال المكان يمكننا أن ندين الآخر، لأنه وافق طواعية، رضيّ بدور الميّت، وأقصد رضيّ ضمنا بالمكان الذي يوجد فيه، ولا يمكننا الإنعتاق دون أن نبعد ذلك الجدار الذي يفصل ـ أخي ـ الآخر ـ عنا، أي بعبارة أخري هدم المكان أو إلغاؤه.
(حسين علي يونس) بنصه العدواني، والمنفلت من أسر الأطر الاجتماعية، ذلك النص القصير والذي يقول كلّ شيء بسرعة دون أن ينسي أن يذكّرنا بمفارقة الحياة وهي تسرد أيامنا بطريقة تهكمية، أو منفعلة، يدين هو الآخر من يسميهم بالعدميين، لأنهم لا يفكرون سوي بالمكان، ذلك الذي يتقمصنا، أو ذلك الذي يريدون أن يحصروا ليس الإنسان فقط داخله وإنما حتى الجانب الروحي من الإنسان، لنقرأ هذه المقاطع من نص بعنوان (العدميّون) بعد تقطيعه:
(وحدهم
دون دخان يسوّرهم
فكّروا بالمياه الشحيحة
فكّروا بالمباني العتيقة
وتلال القمامة التي حاصرتها المباني
مثلما فكّروا بأشعارنا
التي يهال عليها التراب)
فمن هم هؤلاء العدميون الذين يهيلون التراب علي أشعارنا؟
بإمكاننا الاعتقاد بأنهم نفسهم الذين تحدّث عنهم (جمال الحلاق) و(أحمد عبد الحسين)، فـ (يهيلون التراب علي أشعارنا) تحيلنا مباشرة الى القبر - المكان - لكن هذه المرة يدين (حسين علي يونس)المكان باعتباره سارقا، أو قاتلا لحركة الروح، وباعتباره مقيدا لتوسعها باتجاه تلال الإنسان، كما إنه لا ينسي بأن يوسم ما يحاول بأن يقود الإنسان باتجاه الاستقرار في مكان محدد بأنهم عدميون، القبر لدي (حسين علي يونس) هو معادل للتفكير اللا أخلاقي، لأنه يجرّ الإنسان الى الظلام، بحجة المكان.
في نص آخر اسمه (ذكريات السطوع) يقول (حسين علي يونس):
(فاقة الغروب علمته
كيف يلبس القبر وعورة التفكير
يمضي حياته محصّنا بالفشل
وجلاله) في هذا النص لا يخرج حسين علي يونس عن المسار الذي رسمه لنفسه للكتابة الشعرية، فهو يذكر بان العالم الذي نعيش داخله سرعان ما سيتحول الى قبر لكل أولئك الذين قبلوا بالظلام طواعية، فتلك هي اولى علامات القبول بالفشل، والفشل لدي الشاعر، ليس فشلا حياتيا، وإنما هو فشل أخلاقي، فالشاعر وهو يعيش في داخل حلقة مفرغة من الموت المجاني، حيث المتسلط بقوة الظلام بإمكانه ان ينزع التفكير ليعلقه في اقرب مقبرة، لا يمكنه الا شتمه مذكره (بعورة التفكير) التي تكتسي روحه، هكذا جاء النص إدانة للفكر المسموم والذي يجر القيم لتندثر أو ليحل محلها قيم اخري عمادها القتل والتنكيل.
الشاعر بوصفه رائيا للقيم
(ابعدوا عني هذه الأبوات أخرجوا هذه الأقنعة) في هذا المقطع الشعري المستل من نص (الأب يتكلم ثانية) من مجموعة (عقائد موجعة) للشاعر (احمد عبد الحسين) والصادرة عن دار الواح في اسبانيا، ثمة خطابات عدة بإمكاننا ان نتلمسها في المقطع المختزل جدا، فالإضافة الى صوت الرفض القادم من الشاعر للقناع الذي يلبسه الآخر/السلطة، ليخدعنا بوجه الآخر المبتكر، فان ثمة خطاب آخر مضمر داخله، الا وهو خطاب الرائي للقيمة التي يلبسها هذا القناع بحجة الأبوة/السلطة، فصيغة الجملة، بالإضافة الى كونها قد جاءت بصيغة الأمر، فإنها أيضا جاءت بصيغة العارف، والعارف هنا النبي الذي يحذر من هذه الأقنعة، فالشاعر هنا يمارس دورا مهيمنا علي الآخر ـ القارئ،ليكون حذرا من ان ثمة قيمة يحاول هذا القناع ان يلبسها بحجة الأبوة.
في نص (الثانية بعد الظهر وأنا سعيد بهذا كله) من نفس المجموعة، نقرأ الآتي:
(في النهاية
في آخر الشوط
يسقط الجميع هناك وهناك
غرقي
وفي أفواههم رغبة بالكلام)
في هذا النص يخبرنا الشاعر بان رغبة الكلام ستبقي ملحة لدي الإنسان، ففي الوقت الذي تحاول فيه سلطة القوة ان تجبر الآخر علي السكوت نري الشاعر بفطنة عالية يلتفت الى قيمة الكلام، فهو يخبرنا بأننا في النهاية في نهاية الشوط عندما نغرق، سنجد أنفسنا وقد عجزنا علي قول حياتنا، انه يدلنا (الشاعر) فهو الخبير ببواطن الكلام، حيث الكلام هنا هو إشارة للتعبير عن رفض التهميش، بالإسكات.
أما حسين علي يونس فهو يحرس القيمة من دون ان يمارس دور النبي، انه يبلغ عنها باعتبارها حالة شاذة، انه يشير إليها، ويقصد أكثر منها، في كل ذلك فانه يعول علي الجانب الاجتماعي في النص، فالنص لدي حسين علي يونس هو ممارسة اجتماعية، سرعان ما يلتقطها بمجرد بروز شذوذها الى السطح في نص (إجراءات الخدمة) المستل من مجموعة (إجراءات) المطبوع في بغداد 1993 نقرأ الآتي:
(أثناء خدمتي العسكرية، صفعت 6 مرات خلال عامين
والمرة السابعة، حين أوشكت ان ادخل الثلاثين
صفعني شرطي في السابعة عشر من عمره
لأن لأنفي صارية
ولعيوني أجنحة لم تعجبه)
في هذا النص، الذي هو بمثابة حارس علي القيمة للإنسان، فالسلطة ممثلة بالشرطي تمارس دور القامع، بل هي تلجئ الى العنف الجسدي، وليس الكلام مثلما شاهدنا لدي (احمد عبد الحسين)، فـ (حسين علي يونس) يبرر عنف السلطة من خلال الصارية (صارية السفينة) التي لها دلالة للإبحار، وإبحار (الشاعر) هو إبحار في ثنيا الإنسان وفي زواياه المظلمة، للبحث عن الحرية، وما يؤكد كلامنا هذا هو جملة (ولعيوني أجنحة) فهي دلالة للرغبة في التحليق في فضاء الحرية الشاسع، وبذلك فان الشاعر يترك مهمة اكتشاف هذه الحرية المبثوثة داخل النص، الى القارئ، فهي دعوة للمشاركة في النص، ولاستكشاف خفاياه من خلال حفر المعني للنص من خلال الاستعانة بلغته.
لعل أكثر من يمارس دور الرائي في الشعر هو جمال الحلاق، فهو كثيرا ما يتحدث بلغة الشيوخ، وربما مرد ذلك الى طبيعة ثقافة الشاعر، والتي يهيمن فيها الفلسفي، والصوفي ان معا، فهو يخرج الى العالم وفي فمه كلمة، في نص (نهارات ليلة) نطالع الآتي:
(كما لو أنها بيضة فاسدة،
تنام عليها دجاجة بلهاء
حياتي)
فحياة الشاعر هنا هي حياتنا جميعا، نحن الذين قبلنا بهكذا حياة، قابلون وخانعون، ننتظر حياتنا ان تفقس رغم أننا نعرف بأنها فاسدة سلفا، كما إننا نعرف بان الدجاجة/ السلطة التي تقبع فوقنا ما هي الا سلطة بلهاء، وبذلك فان (جمال الحلاق) يدلنا علي موطن الخلل داخلنا، لكي نحرس قيمنا، واقصد ويقصده الحلاق أيضا إنسانيتنا.
خاتمة:
بقي ان نشير بان اختيارنا لهذه الثلاثة أسماء قد جاء بسبب كوننا كنا مراقبين لتطوراتها الشعرية، وبذلك فهي لا تعني بالضرورة بأنها تمثل مجمل الشعر العراقي الآن، فثمة أصوات شعرية اخري لهي من السمات ما يمكن ان تكون في مقدمة المشهد، كما أننا هنا نريد ان ندين بصورة علنية بعض الكتابات التي أقصت بصورة متعمدة أسماء شعرية من داخل المشهد، هي من الأهمية بما لا يمكن قياسه مع أسماء شعرية اخري احتلت الوجهة الإعلامية لفترة غياب المشهد الشعري العراق، بسبب الدكتاتورية التي كانت تقبع في العراق، وقد استغلت بعض المنابر الإعلامية للترويج لأسماء، لم تك لها أي أهمية تذكر في المشهد الشعري العراقي الأحدث.
جريدة (الزمان)
العدد 1611
التاريخ 2003 - 9 -16