أربعون على انتحارها

جمانة حداد
(لبنان)

"الحاضر بالنسبة اليّ يعني الأبد، والأبد يجري ويذوي بلا انقطاع. كل لحظة هي حياة، وكل لحظة تمضي، موت. أشعر بأنّي مسحوقة تحت ثقل الأزمنة، فأنا الحاضر، وأعرف أني زائلة بدوري. هكذا يرحل الإنسان، إما الكتابة، اللحظة الأسمى، فـتبقى وتمضي وحيدة على دروب هذا العالم".

سـيلفيا بلاث

سـيلفيا بلاثاستيقظتْ سيلفيا باكرا جدا في ذلك الصباح البارد من عام 1963. نظرتْ الى ساعتها، كانت هذه تشير الى الرابعة والنصف فجرا. نهضتْ من الفراش الذي لم يعد يحتمل ثقل جسدها الخفيف. جرجرتْ قدميها في أرجاء المنزل، لامست بحنان صورة والدها المعلّقة على جدار الرواق، ثم ألقت نظرة على الطفلين النائمَـين بسكون في الغرفة الأخرى. حنتْ رأسها المتعب ولجأت الى صدر طاولتها الرحب، هذه الطاولة التي صنعها لها زوجها تيد بيديه. جلستْ أمام الورقة البيضاء بوقار الملائكة، أخذت قلما وراحت تكتب. كتبتْ كمن يعرف. كمن يَـقتـل كمن يُـقتـل وكمن يكتب ليقامر بمصيره. عنونت قصيدتها الأخيرة "الحافة". تطلّعت من حافّتها الشاهقة الى هاوية العالم: ظلمة وصقيع ويأس وفراغ. "ليس لدى القمر أي مبرّر للحزن"، ردّدت في سرّها. دخلتْ الى المطبخ. حضّرت الفطور لصغيريها فريدا ونيكولاس: قطع خبز طريّة مطلية بالزبدة وبعض الحليب. أودعت طعامها وحُـبّها رقعة الأرض الضيّقة الممتدّة بين سريريهما وخرجت على رؤوس أصابعها. عادت الى المطبخ ببطء وهدوء. بهدوء خصوصا. أحكمت إغلاق الباب والنوافذ بالشُرط اللاصقة كي لا تتسرّب سموم غيابها الى الخارج. قالت لقلبها: "كثيرا مشينا. كفى". فتحت قارورة الغاز، استلقت على البلاط البارد، أغمضت عينيها وعادت الى بيتها الأوّل.

عاشت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث (*) حياتها كمثل ومضة في العتمة، وعبرت كل لحظاتها وكلماتها وجنونها وسوداويتها وهلوساتها باحثة عن هويتها ونافية ذاتها في آن واحد، مجسِّـدة بذلك على أكمل وجه مفارقة الكتابة الكبرى: أي الخلق في سبيل القـتل، و"وضع" الكلمات بهدف التخلص من "جنين" الألم، في حركة متدفّـقة تشبه النزيف وتدرك مصبّها وذروتها باضمحلال الكاتب وتلاشيه. والواقع انه منذ انتحارها، تحوّلت بلاث أيقونة وشبه أسطورة الى حد انه بات من الصعب النظر الى قصائدها بعينٍ نقدية موضوعية، فتزاوجت شعرية مصيرها وشخصها مع شعرية كتابتها الى حدّ الانصهار وامحاء الحدود بينهما. وصحيح أن بعض النقاد تحدّثوا عن تـفاوت قيمة أعمالها، قائلين إن قدرها المأسوي قد صعّد من دون شك مكانتها الشعرية وأحاط كتاباتها بهالة من التأثير والفـتـنة ومنحها بعدا وجوديا تراجيديا لم تكن ربما لتتمتّع به لو لم تختر الشاعرة الموت طوعا، لكن هذا لا ينفي أن قصائدها، خصوصا تلك التي كتبتها خلال المرحلة الأخيرة من حياتها، مسكونة بشيطان الشعر وذات شعرية صاعقة ورائية لا تحتمل أي لبس. وإذ يتـذكّرها العالم الأنغلوفوني هذه السنة في الذكرى الأربعين لانتحارها، صدرت دراسات كثيرة عنها في المناسبة، آخرها رواية للكاتبة الأميركية كايت موزيس تحت عنوان "إشتاء".
ولدت سيلفيا بلاث في بوسطن في السابع والعشرين من تشرين الأول 1932. وكانت والدتها من أصول نمساوية، أما والدها، فعالم في الحشرات متحدّر من عائلة ألمانية هاجرت الى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. عانى والد سيلفيا مشكلات صحية خطيرة وتوفي وهي لم تكن قد بلغت بعد الثامنة من العمر، وقد طبعتها هذه الحادثة الى حد بعيد الى حد أنها قالت يومها: "لن أتكلم مع الله بعد الآن". وسوف يكون لصراخ الوالد المريض وأنينه ونواحه حضور مكثف في قصائدها، علما أنها عانت بدورها منذ نشأتها أزمات نفسية ونوبات عصبية، وقد حاولت الانتحار للمرة الأولى عندما كانت في سنّ العشرين. بدأت سيلفيا تنشر القصص والأشعار منذ المراهقة، ونالت عام 1955 منحة دراسية في كامبردج. وهناك التقت بالشاعر البريطاني تيد هيوز، فكانت بينهما قصة حب جارف سرعان ما تكللت بالزواج. وقد جسّد هذا الزواج حلم سيلفيا بتحقيق شراكة أدبية وعاطفية وشعرية حقيقية مع الرجل الذي تعشق. وبعد سلسلة من التنقلات والصعوبات المادية، استقر الزوجان أخيرا في الولايات المتحدة، حيث تعرّفت سيلفيا عام 1958 الى الشاعرة آن سكستون فجمعتهما صداقة متينة ونقاط تشابه غريبة ومربكة في المصير، الى حد انتحار الأخيرة بدورها عام 1974. وكانت الصديقتان تهويان اللقاء والحديث عن سيناريوات انتحارهما المتخيّلة.
ولدت ابنة سيلفيا بلاث، فريدا، عام 1960، وفي العام نفسه نشرت مجموعتها الشعرية الأولى تحت عنوان "التمثال". أما الابن نيكولاس، فرأى النور عام 1962 بعد تجربة إجهاض مؤلمة، وترافق مجيئه مع صدور روايتها الوحيدة، "الجرس الزجـاجي"، المـستوحاة الى حد بعيـد من رواية سـالينجر الشـهيرة The Catcher in the Rye، التي تروي فيها حياة امرأة بتـفاصيل مستلة من سيرتها الذاتية، وتصف ببساطة وبلاغة كليشيهات أميركا الخمسينات السخيفة، وتعبّر عن رفضها المطلق قواعد السلوك الخبيثة ومؤسسات الطبقة الوسطى التي كانت تنتمي إليها، وتتحدّث خصوصا عن هاجس الموت كتعبير أقصى عن التحرر من الذات. خلال العام نفسه، ازداد التوتر بين تيد وسيلفيا وبلغ أوجه عندما عمد هذا الى خيانتها، مما أدى الى انفصالهما في شكل نهائي. انهارت دفاعات الشاعرة أمام هول الصدمة وقررت الرحيل عن الولايات المتحدة والعودة مع ولديها الى شتاء لندن القاسي. شتاءٌ انتهى عندما استيقظت سيلفيا فجر الحادي عشر من شباط ووضعت حدا لحياتها. وكان أن سجّلت هذه الخطوة الحاسمة بداية شهرتها العالمية، مع نشر زوجها تيد هيوز أعمالها ومخطوطاتها بعد موتها: من مجموعاتها الشعرية "ارييل" و"عبور المياه" و"أشجار الشتاء"، مرورا برسائلها ومقالاتها، وصولا أخيرا الى يومياتها التي تظهر كم كانت حياتها وشعرها يمشيان في خطّين متوازيين ومتناغمين حتى أدركا لحظة تحققهما القصوى في الموت.
بعد انتحار سيلفيا بلاث، كالت الحركات النسوية اتهامات لا تُحصى الى الشاعر تيد هيوز، الذي رأت فيه "الذكر العدو"، اي "قـاتل المرأة"، مختزلة بذلك جوهر أعمال بلاث في صورة العبقرية النسائية المسحوقة تحت قدمي المجتمع الذكوري. لكن هذه الصورة لم تكن دقيقة في الواقع، إذ أن المعضلة التي نرصدها في قصائدها ومناجاتها لنفسها والعالم هي وجودية وفلسفية أكثر مما هي نسوية. فبين متاهتَي الحياة والشعر، كانت سيلفيا تبحث في الدرجة الأولى عن حقيقتها، وكانت رحلتها هذه منذ اللحظة الأولى تجذيفا ضد التيار، نحو ذاتها. وفي آخر الرحلة لم يتوحّد الوجه والقناع بل انتصرت الضحية المتعَبة على المغامِرة الشجاعة. طوال هذه المعركة الوجودية، كان صوت الموت حاضرا بقوة وعنف ووضوح، ويتضح لنا ذلك من خلال قراءة أشعارها ويومياتها وروايتها على حد سواء، إذ تعبّر كلها عن حياة لصيقة بالقلق والهجس، عن تساؤلات تنهش وتـفترس ولا تكلّ، عن انتقالات مفاجئة من قمّة الفرح الى أخمص الحزن والإحباط، عن صراع دائم بين الامتثالية والتقليدية وحاجةٍ عضوية الى الحرية. هكذا تكشف لنا لغة بلاث القلقة روحا معذبة ومحكوما عليها بالهلاك، لكنها ليست "شهيدة" زوجية حقّـا مثلما حلا للحركة النسوية تصويرها وتأطيرها. والواقع أن سيل الاتهامات الشرسة ضد تيد هيوز لم يشحّ إلا عندما قام هذا عام 1998، بعد خمسة وثلاثين عاما من الصمت وقبل أشهر معدودة فقط من وفاته، بنـشر مجموعة من الرسائل وقصائد الحب الرائعة الموجّهة منه الى سيلفيا والمهداة الى ولديهما، في عنوان "رسائل في عيد ميلادها"، ينقل المقطع الآتي بعضا من أجوائها: "أردتُ أن أصنع لكِ طاولة كتابة متينة/ تدوم الحياة كلّها./ لم أعرف/ أني صنعتُ بدلا منها/ بوابةً تطلّ على قبر والدك./ كنت تـنحنين عليها كل صباح/ من فوق فنجان قهوتك/ مثل حيوان يرهف السمع لوجعه/ ويروح يشتـمّ النهاية التي تلزمه.
هائل هو حضور سيلفيا بلاث في العالم الانغلوفوني الى حد أنه بيع من هذا الكتاب-الكفّارة، فور صدوره، ما يزيد على نصف مليون نسخة، فضلا عن ترجمته الى لغات كثيرة. كثيرة هي أيضا الكتب والبحوث والتحليلات والترجمات التي تـناولت الشاعرة في جميع أنحاء العالم، علما بأن غالبيتها تمحورت حول أجواء الأشهر الأخيرة من حياتها، أي بعد انفصالها عن تيد وكتابتها أهم قصائدها، وهي نفسها الأجواء التي اختارتها الأميركية كايت موزيس لروايتها "إشتاء" المذكورة آنفا. إذ تنطلق الرواية من صيف 1962، أي عندما اكتشفت سيلفيا خيانة زوجها وعلاقته بأخرى، فانهارت وبدأت تتساءل عن جدوى الزواج والحياة، وانتقلت الى لندن حيث عاشت في شقة كان يسكنها في ما مضى شاعرا عزيزا على قلبها هو ويليام باتلر ييتس. هناك، تحت وطأة الوحدة والمعاناة وصعوبة تربية ولدين بمفردها، راحت سيلفيا تكتب بجنون وشغف وحمّى، كمن يطعن نفسه بكلماته أو كمن يكتب ملتهَـما بالنيران. ويدور كتاب موزيس حول قصائد هذه المرحلة بالذات، حيث اخترقت الروائية عقل الشاعرة وروحها وأعادت خلق شخصية المرأة وصورتها وأحلامها وتخيّلاتها آنذاك، مظهرةً مدى التكافل والتشابك بين كتابة بلاث وحياتها. لم تحد موزيس طوال القصّة عن صوت الضمير الغائب ولم تتخلّ عن المسافة الضرورية بين الراوية وشخصيتها. وأهم ما فعلت أنها لم تحوّل بلاث أيقونة على غرار من سبقوها الى تناول حياة الشاعرة، ولا هي حوّلتها ضحية تستدر الشفقة، بل قدّمت للقارئ امرأة عظيمة عرفت كيف تفجّر موهبتها وعطاءها من لدن ألمها. أي أنها أعطت الشاعرة هبة الحياة، بدلا من لعنة الموت التي صنعت شهرتها.
من بين المعارك الكثيرة التي خاضتها سيلفيا بلاث خلال حياتها القصيرة، لا شك في أن المعركة الأقسى والأدمى والأشد عنفا كانت تلك التي دارت بينها وبينها داخل قصائدها. فقد كانت سيلفيا تكتب كما لو أنها تخضع لديكتاتورية طاغية تسكنها. وتعبّر قصائدها عن مأساة ذات حجم كوني ولكنها مكبوتة بعناية في الأعماق. ولا مبالغة في القول إن الشاعرة كانت "تمارس الحبّ" مع الموت على الورق، باحثة عن زمنها الأول الضائع، ومحاوِلةً منح شكل ومضمون محدّدين لما ليس سوى فراغ. فراغٌ منه بالذات انبجست كلماتها وتعبيرات خلقها. أما التوق المدمّر الى الموت ففيه كانت تكمن بذور فنّها: فن إلغاء الذات من خلال جعل الشعر كرسي اعتراف ومنصة اتهام في آن واحد. شعرٌ ذو صوت ولغة ونبرة مزدوجة، مستسلم تارة لغنائية الصور والمشاعر، وطورا مضبوط بصرامة التـقشف واللغة الذهنية.
مزدوجة كانت أيضا هوية سيلفيا، منقسمة بين الأم الرقيقة والمرأة الطموحة، بين الكاتبة الجدّية والأنثى الشهوانية، بين الزوجة المثالية والروح المتحررة. فكانت تعتـني يوما بشكلها، ويوما آخر تهمله. يوما تكتب، ويوما آخر تـنظّف البيت. يوما تلزم الفراش مستسلمة لكسل التأمل، ويوما آخر تطبخ وتحضر المربيّات: كل ذلك في تأرجح مستمر بين الاكتئاب المحطِّم والإرادة الحديدية. كانت سيلفيا في اختصار ممزقة بين رغبتها في حياة "لا تختصرها يدا زوج"، وتوقها الى حبّ مثالي يتجسد في زواج أدبي وذهني بقدر ما هو عاطفي وحسّي، لكي تشبع شغفها بالحب والكتابة على حد سواء.
من وجهة النظر هذه، واذا ما أخذنا في الاعتبار نموذج النسوية الكلاسيكي، فلن تبدو سيلفيا بلاث نسوية حقا كما يصوّرونها، بل مناهضة للنسوية بامتياز، إذ كانت مأخوذة بكيانها الامومي والزوجي بقدر ما كانت مأخوذة بكتابتها وبكتابة زوجها. عند الجهة النقيضة، كانت تلك المرأة أيضا ثورية ومتحررة في تعبيرها وأفكارها، ترى أحيانا في الأمومة تهديدا لدعوتها الشعرية، وفي تجاورها مع تيد خطر أن تصبح "محض إكسسوار". فقد كان زوجها الخصم والمثال الأعلى في رجل واحد، و"المتمّم الذكوري" لكيانها، مما ساهم في جعل صدمتها قاتلة: إذ عنت خيانته لها سقوط الحبيب والمثال الأعلى على حد سواء، وتسببت بجرح عميقا لنرجسيتها، تلك النرجسية التي كانت تقول إنها "تحملها داخلها كقريب عزيز مريض بالسرطان لا أتخلّص منه إلا عندما ينتصر اليأس عليّ".
تحت وطأة الغياب المزدوج: غياب الآخر عنها، وغيابها عن نفسها، اختارت سيلفيا أن تلتحق بالموت، علّها تردم فيه نقصانها وتقبض على تلك اللحظة الخالدة والحقيقة المطلقة اللتين لطالما تاقت اليهما في حياتها. كتبت: "نحن دائما نشتهي الأمور الأخرى، اليوم المقبل، الفصل الجديد: وما هذه كلّها إلا شهوة الموت". في ذلك الصباح البارد من عام 1963، استسلمت سيلفيا لشهوتها القصوى. وضعت حدا لوحدة الشاعر الملعون والإنسان المعذّب. كفّت عن الكتابة، أي عن الحياة.

* أعمال سيلفيا بلاث (1932-1963):
التمثال (1960)، الجرس الزجاجي (1963)، أرييل (1965)، أشجار الشتاء (1971)، عبور

المياه (1971).
جريدة النهار- 18-7-2003