"رقةٌ تحفرُ الفرح، والقهوة تنتظرني،
أنا بطغيان الصوت
والآخر لئلا يسمعني.
تبدلت الأماكن
ورفوتُ كائناً أخضرَ.. أجلسته
وفي التعارف قدمتنا الوحشةُ".
دائما ما بدوتُ مثل كائن غريبٍ، لا علاقة له بما يدور من حوله، كأنما آتٍ من فراغ يعجُّ بقصص وهمية وصور، أنا في مكان، وأنا في مكان آخر.
منذ مقاعد المدرسة شُغلتُ بالصور الكثيرة التي في رأسي، بحياة تُخيط فساتينها من ألوان الأحلام، كنت أستيقظ فجأة على صوت المعلمة يصرخ باسمي: لينا
أنظرها، كما لو أنها هبطت فجأة من السماء، تسألني أن أردد ما قالت، فلا أعرف، إذ لم أكن هنا، لم أكن هناك أبدا.
كان عالمي الذي أعيشه، مثل لوحة عرض كبيرة، مثل شاشة سينمائية تحتل الحائط كله، فلا أرى غير ما ترى مخيلتي.
في هذا العالم كان الأشخاص يتشكلون من دم ولحم، لهم أسماؤهم الحقيقية التي في الحياة، لهم أشكالهم نفسها، لكنني كنت أبدل فيهم، أغيّر من تصرفاتهم، وأجعلهم أكثر روحانية وإشعاعا، أكثر حضورا وإشراقا.
كانوا يأتون الى عالمي فأنبهر بهم وأبهرهم، نصنع معاً حياة في مكان آخر، في مخيلة تستطيع استقطاب إحداثيات الكون كلها ولكن على طريقتها.
بعيدا عن الضجيج، وبعيدا عن الموت الأسود، كانت مخيلتي ترسم أشجارا كثيرة وحدائق، وفيها تُعاش حياة كاملة، شخوصها لا يختلفون عن الواقع أبدا، كل ما في الأمر أني أعيد نسيجهم بذائقتي أنا.
كانوا أيضا مثلما يولدون يموتون، تذهب حيواتهم إلى دنيا أخرى، وينطلقون بأجنحة ليحلقوا فوق رؤوسنا.
كانت الصور هي التي تبني كل شيء فيّ، وبدأت أكتب لأرسم صوري، ربما رغبة في الرسم بلا ألوان، رسم بالكلمات، أو تصوير سينمائي لمشاهد المخيلة.
الشاشة العريضة كانت تبني حياتي، مع كل صباح يتبدل شخوصي، أو يظلون كما هم، وكنت أنظرهم وأقول يا لجمالهم.
مع الشعر أصبحت الصور أكثر بهاء، كانت تأتيني من كل مكان، وكنت أراها بينما أكتب، أراها على الجدران، على النوافذ؛ على حواف الورقة التي أكتب عليها، وأراها تطغى على كل شيء عداها.
في الشعر لم أكن أكتب وحسب، بل كنت أرى، أرى كل شيء يتساقط أمامي فأرفع أصابعي لأمسك بالأشياء فإذا بي أمسك بالكلمات فأكتبها.
شخوصي التي بنيتُ صارت جزءاً من حياتي، صارت مني، تأكل خبزها معي، وتعيش في كرم ضيافتي فأفرد لها كل أجنحتي وأعطيها كل ما أملك من دون أن أفكر بأن تذهب أشيائي، فهم شخوصي وأشياؤهم هي أشيائي، وحيواتهم التي أراها هي ملكي ايضا.
في الخارج كان البشر يتقاتلون؛ يتحاربون؛ ويتقاسمون التركات مثل المجانين، لكنهم عندي كانوا يعيشون بسلام يخيطون في نبل الصمت دقائق حيواتهم.
لا أستطيع أن أفصل بين تجربتي مع الكتابة وتجربتي مع المخيلة فهما وجهان لقلب واحد. في الكتابة تغدو الحياة أكثر واقعية، فالكلمات بوسعها أن تحيل المعاش في المخيلة الى واقع يشاركنا فيه غيرنا عبر القراءة، بالتالي يصبح عالماً حقيقياً يجد له أرضا في أحد مستويات الواقع.
فالكتابة؛ ولأنها ربما كانت الوسيلة الأولى للتأريخ، أصبحت وثيقة عن حقيقة، لذلك يكتب الروائيون قصصهم فنرى شخوصهم ونعايشها معهم، ولا نفكر للحظة أنهم شخوص من ورق، أو لأقل على الأقل أنني من هؤلاء الذين يعايشون الشخوص التي تتجسد أمامهم سينمائيا أو روائيا.. أو.. أو فتتحول أمامهم هذه الشخوص الى حقيقة تحزن لحزنهم وتفرح لفرحهم.
أوَ لم يكن عالمنا كله نتيجة لمخيلاتنا، ألم نصنع كل بناء، كل حجر، كل زاوية في مخيلاتنا قبل أن تصبح حقيقة.
الكتابة تعبير شخصي باتجاه الآخر، ولأنها كذلك، فهي روح الفرد على الورق؛ هي صوته الذي يحب أن يَسمع ويُسمع، وهي كلمته، ومحنته في التعرف على العالم، واكتشاف الأشياء المحيطة.
الكتابة هي لحظات المخيلة، هي ثمرة هذه المخيلة في فكرها وعقلها وروحها، وهي أيضا تداخل الأحاسيس والمشاعر بالعقل والفكر، هي باختصار بناء في محصلته هو البناء الداخلي للإنسان الذي يكتب.
في تجربتي مع الكتابة عرفتُ أن لحظات فقدان العقل هي قمة المعرفة، حينما يدخل الإنسان حلقة من اللامعقول يمسك بالمعقول كله، جربت أن أعزل جسدي عن عقلي، أن أصبح كتلة من روح لا تتداعى بل ترتفع وترتفع بما فيها من قدرات حين غياب العقل الذي يرى استحالة مشهد كهذا.
وعرفتُ كيف يصبح العقل هو الجنون الحقيقي، عندما يأخذنا إلى الحقائق الباردة، إلى الوثائق؛ وإلى مذاهبه.
لذلك، ربما تكون لحظات الكتابة هي لحظات تشبه خيطا فاصلا بين الجنون والعقل، بين الأسود والأبيض، بين النور والعتمة، هي لحظات تغيب فيها الفروق، تصبح الأشياء كلها في المهب؛ مهب الكتابة؛ ومهب الخيال.
ولأنني أصنع قصيدتي في مخيلتي قبل ان أكتبها على الورق، أراني أحبها مثل مرآة أستيقظ في الصباحات فلا أرى فيها من شحوب وجهي سوى ابتساماتي.
ولأن هذه القصيدة هي تلك الأشياء التي رأيت بروحي لا بعيني فقط، أنظرها وأخاف عليها، لأنني لو قتلتها فسأكون الجلاد الأول، فلا أحد رآها غيري، ولا أحب أن تكون ضحيتي، لذلك أفرد لها كل قلبي، وأحلق مع كل كلمة، محاولة أن ألتقط العالم في قبضة واحدة لأحيله الى كلمات في قصيدة.
ليس بالضرورة أن ننجح في كل هذا أمام العالم، يكفي أن نقتنع في دواخلنا بهذه النجاحات، يكفينا أن نكون قد أقتنصنا العالم كله في مخيلاتنا، حتى لو كانت مخيلات ورقية، فالورق أبقى من الناس، وحينما يذهب الناس إلى قبورهم تبقى أوراقهم شواهد عليهم.
كل الأسئلة جائزة.. لكن أيضا تجيز لنا المخيلة أن نؤجل كل جواب إلى حين نعثر عليه عندنا، في العميق من أرواحنا.
كل الإجابات مؤجلة، الماضي وحده يستحق جواب الحاضر، أما المستقبل، ذلك المجنون البعيد، وربما ذلك القريب الذي يختال بارتعاشاتنا، هو غد لا جواب له، يبدأ من حيث ينتهي جواب الماضي.
قد يكون الفصل صيف، وقد يكون شتاء، لكننا في لحظة الكتابة قد نستدعي الخريف، نستدعي ما يلائم حالتنا، نفسيتنا ومشاعرنا، نأخذ الفصل الذي نشاء ونركن بقية فصول السنة الى هدنة ريثما تحتاجها أرواحنا.
سيكون لنا لحظة الاحتفاء بدواخلنا أن نملك ما نشاء لحظة نشاء، وأن نصادر حتى أملاك الآخرين لا لنحرمهم منها بل لنعيش معها في لحظات سعادة حتى لو كانت مقنعة بفعل المخيلة.
في الشعر أيضا نمتلك كل هذا، نعتصر الغبطة بماضيها وحاضرها، نمسك بأيدٍ واهية العالم كله، ولا شأن لنا بغيرنا، ففي لحظات القصيدة نستطيع أن نشرِّع قوانيننا الخاصة، ونستطيع أن نسَّن نواميسنا.
في رحلتي مع القلم، عرفتُ أنني حينما لا أستطيع أن أكتب؛ فإنني لا أستطيع أن أمتلك شيئا، فالملكية الحقيقية هي تلك التي تتشبث بها الروح، لا العقل، هي تلك التي نمسك بها بقبضات قوية لحظات تحليقنا مع الخيال، نراها صورا كثيرة تنفرد أمام أعيننا، ونفرح كثيرا لرؤياها.
السعادة في الخيال أكبر من تلك التي في الواقع، فالخيال يمنحنا فرصة تكرار لحظات السعادة؛ إعادتها مثل شريط بطيء ورؤيتها ليس فقط بأعيننا بل بنا كلنا.
الشعر هو في المحصلة بيان الروح، شغفها وعقلها أيضا، حيث العقل هنا هو عقل آخر لا يشابه مع عقل الجسد، بل يحلِّق مثل طائر ينظر العالم من أعلى وهو يصفق بغبطة جناحيه.
فلنصفق مرارا.
إقرأ أيضاً:-