محمد عفيف الحسيني
(سوريا/السويد)

محمد عفيف الحسينيأكملتُ ديني الاسكندنافي، بزيارة هلسنكي.

* * *

ـ هل أنت محمد عفيف الحسيني؟.
ـ نعم. رددتُ على السائل هاتفياً.
ـ هل عرفتني؟.
ـ حسين الشيخ. قلتُ بثقة.

* * *

قبل سنوات كثيرة،ربما تزيد على العشرين، عرفني الشاعر "خضر سلفيج" الضائع منذ عشرين سنة في بلغاريا، على حسين الشيخ، في مدينة الحسكة. لا أتذكر من كنا الثلة التي ذهبت إليه.

* * *

ستكون أنتَ وآخين ولات، وأنا ضمن القراءات الشعرية.
صبحي حديدي في المحاضرات.
يوسف عبدلكي في الكاريكاتور.
قال حسين الشيخ لي، وأردف، سنعطيكم أنتم الثلاثة شقة أم براءة المسافرة إلى سوريا، من هلسنكي

* * *

مطر اسكندنافيا، كان يهطل علينا، نحن الإثنين: وليد هرمز وأنا، ونحن نصعد أحجار قلعة ـ حامية غوتنبورغ، في القرون التي ترك الزمن أثره عليها، الأثر على شكل مطر يحمحم علينا وعلى الأحجار وعلى الأشجار العملاقة القديمة، وعلى المدافع التي تركد ميتة، مثل تماسيح نافقة مقصوصة الأذيال.

* * *

من العشرين من الشهر العاشر، على أعلى الحامية السويدية، إلى الثالث والعشرين من الشهر العاشر، ظل مطر اسكندنافيا يهطل ويهطل، فتبللتْ عظامنا، وأرواحنا، ومواقيت سفرنا الصباحي المبكر إلى هلسنكي، حيث كان وليد هرمز في فجره المستنطق لنباتات القلق ينتظرنا أسفل البناء بطوابقه الثمانية، البناء الذي تعيش فيه الشاعرة آخين ولات، وفيه تكتب الشعر، ومن هذا الشعر، ستقرأ الشعر في هلسنكي.

* * *

ـ يابني. يقول لي وليد هرمز. دون معنى يقول لي ذلك، فألتقط المعنى.

* * *

صديقنا الشيخ الشاعر عبدالله بشيو، يعيش في هلسنكي، أخبرته بزيارتنا.
عبدالله بشيو، شاعر، كان في العام الماضي في ضيافتنا، اشتغلنا لمدة أربعة أيام، اشتغالاً صعباً متقناً دقيقاً ومدرَجاً في نقل شعره الكردي، إلى العربي، بصياغات جديدة، من لملمات الترجمات العجولة، إلى الترجمات التصويب.

* * *

حسين محمد، القيامة الصامتة، صاحب الموقع الكردي المتميز والرصين (مه نامه ـ الشهرية)، يعيش أيضاً في هلسنكي، قال عنه عبدالرحمن: "من الصعب اللقاء به، فهو مثلي، في كل مساء، يلف اللحاف على نفسه، ويقرأ أو يترجم". فتركناه تحت لحافه.

* * *

آيسلنده، هي أيضاً، دولة اسكندنافية، لم أزرها بعد؛ إذاً، لم أكمل ديني الاسكندنافي.
في آيسلندا، ثمت بحيرة، تفور منها النافورات الحارة، في زمهرير نافورات الشتاء الشمال. يفور البخار على السواح المتجلدين من درجات الحرارات الناقصات الأخوات العشرينات. يفور الرذاذ الحار على السواح. يقول أحد أكرادي: أريد زيارة هذه النافورات في الشتاء. يرد عليه أحد أكرادي: هي رحلة مكلفة لك، وأقترح أن تأتي إلى حوض حمام بيتنا، سأفتح لك الدوش، وتخيل نفسك، أنك في كعبة آيسلندا المجلدة.

* * *

أين تسقط آيسلندا؟ هي جزيرة، تقع قبالة الله. رمى بها الله، في البحر. فاعتكفتْ.

* * *

طيلة ثلاثة أيام، ظللنا نختار قصائدنا، ثم نحذفها، ماذا ستقرأ، لمن ستقرأ في الاسكندناف الفنلندي. القلق والقلق والقلق، لكن ظل يرافقنا طائر اللقلق الوديع المسالم الهادئ، والذي كان له عش على مدخنة مشفى قامشلو الوطني، المشفى، الذي استقبل نزيف الكرد في آذارهم، واستقبلت المشرحة الجثث المصفرة الشاحبة الكثيرة الخضاب في الدم الجاف. ظل الطائر اللقلق الأبيض يحوم معنا من الطائرة، إلى بكاء ميتان، وهو يُشد بأربطة الحزام الأمان. من غوتنبورغ إلى هلسنكي.
ظل يبكي، وكان المطر يهمي غزيراً غزيراً. لمدة أسبوع. مطر أسطوري، يشبه أمطار غابرييل غارسيا ماركيز في خياله الروائي الكثيف.

* * *

قرأتُ شعراً، آخين ولات قرأتْ شعراً، حسين الشيخ قرأ شعراً.
لكن الحضورَ العربي، ظل يستفسر ويستفسر عن الشعر الكردي، فقرأتْ آخين شعراً كردياً، ترجمته مباشرة إلى العربية، وغنى حسين الشيخ من قصيدة للشيخ أحمدى خاني. ومعنا كان ميتان وراء المنصة يرسم البرهة الهلسنكية النزقة لطفولته، كان غارقاً حتى أذنيه الشيطانيتين الرهيفتين مثل جرس، في الاستماع إلى محرك الطائرة النفاث، فيهز برأسه طيلة الطيران، لم يكن معنا ميتان، بل كان مع إبن الشيخ حسين: "كريم".

* * *

عدد السيارات التي في غرفة "كريم"، تعادل عدد خيال ميتان الميكانيكي، المولع بالموتورات والعجلات وتدويرها. تحريك الجسم المعدني أماماً وراءً، ثم دفعه نحو الأمام، فيمشي الجسم المعدني مشياً مضحكاً خافتاً هادئاً مسستلذاً سلساً وقوراً وحيداً أعظم. فيضحك ميتان حتى أذنيه الضاحكتين.

* * *

(حوارية)
ـ يا أبي سأغيب في الزهور.
ـ يابني.. إن غبتََ، فلا تتأخر كثيراً.
ـ يا أبي بارك غيابي.
ـ يابني أنا سأغيب.
ـ يابني علم نفسكَ النسيان.
ـ وهل تعلمتَ النسيان، يا أبي؟
ـ أنا النسيان يابني.
ـ يا أبي متى سأعود؟
ـ يابني عندما تتذكر أمك.
ـ يا أبي الزهور ذابلة الآن.
ـ إنها الأشواق يابني.

* * *

قرأتُ في الأمسية، النص الذي كتبته لوالدي؛ هل سيكتب لي ميتان مثله؟. ربما قتل الأب أفضل.

* * *

ـ يابني، لاتغب عني.
ـ يابني، لاتغب عني.
ـ يابني لاتغب عني.

* * *

من الصف السابع إلى الحادي عشر، كنا معاً في صف واحد. اسمع "محمدي"، كتب أحد المخبرين على دفتره: عاشت كردستان. عاشت كردستان. عاشت كردستان. ثم أخبر المخبر مدير المدرسة في القامشلي، والموجهين والأمن، بأنه اكتشف من الطلاب من يكتب في دفتره الطلابي عاشت كردستان. أجروا لكاتب عاشت كردستان تحقيقاً، جاءت المخابرات أيضاً، أجرت المخابرات تحقيقاً مع صاحب الدفتر.
اسمع "محمدي". يسرد لي صبحي حديدي عن ذكرياته وسليم بركات، وميتان كان ينظر إليه، ويكتب في دفتره أنه سينام الآن، فينام، في السيارة التي للشيخ حسين من بيته إلى أمطار هلسنكي العشواء.

* * *

يوسف عبدلكي، قرأ من شعره ماقرأ. الشعر الهادئ الباحث عن متاحف الكرافيك والزيت والفحم وأفلام الكرتون والكاريكاتير والسيراميك والسينما: فقد أنجزت هالة العبدالله فيلماً ـ سيرة، تقشفاً، الفيلم الذي استحوذ على قرائه ـ مشاهديه.

* * *

في شقة أم براءة، كان المساء كثيراً، كان الضوء كثيراً، كان الغياب كثيراً، كان الخريف كثيراً، كان الصمت كثيراً، كانت الأشجار تهتز، أشجار اسكندنافيا الخريفية، تنزع عنها ثيابها الخضراء، فتتعرى، أشجار اسكندنافيا، تبرد، فتتجلد، فتنام. وهي غاطسة في المطر. وكان ميتان يتأمل المرآة، فيراني فيها.

مطر مطر مطر
مطر خسف الطريق الصاعد من شارع Linnegatan، إلى مدافع الحامية في غوتنبورغ، التي برقت فيها مدافع القرن السابع عشر ربما.
سأسأل ميتان:
ـ هل برقت المدافع يابني؟.
سيجيب ميتان:
ـ لن أغيب يا أبي. ولن يغيب أخوتي: رودي. روز. سيبان. نوروز. أخوتي الأنصاف. يا أبي.

* * *

مطر مطر مطر مطر مطر.

* * *

أمطار خمسة كانت تهطل علي في هلسنكي. وفيها لم يكتمل ديني الاسكندنافي.

هلسنكي ـ غوتنبورغ ـ
عامودا ـ كفر جنه 2006


إقرأ أيضاً: