صفاء ذياب
(العراق)

«لم تعد حتى فكرة الموت في العراق مغرية بالنسبة لي، وانتفت تلك الرغبة، فضلاً عن العيش، بفعل الموت المجاني اليومي، ولم تعد للإنسان كرامة في العراق حتّى للموتى.. كلّما أدفن صديقاً هنا في ألمانيا، وآخرهم كان الكاتب المسرحي صالح كاظم الذي رحل نهاية العام الماضي، أرى الزهور والأشجار والتماثيل تزين المقابر الألمانية وأتذكّر مدافننا وقرّافاتنا المقرفة ومنها مقبرة النجـــــف، التي هي أكبر قرّافة في العالم، وحيث يفقد الميّت كرامـــته، حتى لو كان يبحث عن القرب مما يسمى «بالعترة النبوية». وأسّر لي صديق منفي في الدنمارك بأنه حالما ودّع والديه في جنوب العراق شعر بأنهما قد توفيا منذ تلك اللحظة. لكن المتوفى آنذاك كان هو نفسه. وعندما عدت إلى العراق التقيت بجدتي وكانت في الخامسة أو السادسة والتسعين من السنّ، فذكّرتني بكلام قلته لهم أثناء الوداع وهو أنكم ستفقدون شخصاً واحداً، أمّا أنا فسأفقدكم كلّكم. ومازال الشعور بالفقدان يجتاحني أينما حللت».
كان الموت يخيّم على فكر القاص والروائي والمترجم العراقي حسين الموزاني في أكثر من حوار أجري معه على مدى سنوات، الموت بعيداً عن بلده وعن أهله، الموت وحيداً في ألمانيا التي وصل إليها قبل ست وثلاثين عاماً، لهذا شكَّل له موضوع الموت ثيمة أساسية في الكثير من أعماله، خائفاً مرّةً، ومتهكماً مرَّةً أخرى، حتى رحل بالفعل قبل أيام وحيداً في شقته وسط برلين.
ولد الموزاني عام 1954 في مدينة الميمونة جنوب العراق، وغادر العراق عام 1978 إلى بيروت لمدة عامين، لينتقل بعدها إلى ألمانيا عام 1980، إذ درس العلوم الإسلامية والأدب العربي والأدب الألماني والصحافة في جامعة منستر في ألمانيا ومن ثمَّ جامعة عين شمس في مصر.
نشر الموزاني عدداً من الأعمال الأدبية باللغتين العربية والألمانية، منها: «خريف المدن»، قصص 1996، «اعترافات تاجر اللحوم»، رواية 1997، «حارس المهدي المنتظر»، قصص 2005.
وفي الترجمة عن الألمانية: «ثلاث نساء» لروبرت موزيل: قصص 1997، «التزوير» لنيكولاس بورن: رواية 1997، «وليمة العائلة» لراينر ماريا ريلكه: قصص 1998، « الطبل الصفيح» لغونتر غراس: رواية 2000. أما في النقد فقد أصدر «أعوام الجمر والرماد» عام 2015. وبعد سنوات من ترجماته وكتابته باللغة الألمانية، نال الموزاني جائزة فون شاميسو التي تمنح للكتاب الألمان من أصول أجنبية.
يؤكد الموزاني على أن أعماله كلّها تدور حول العراق في الواقع، ولم يتناول موضوعاً آخر سوى العراق. و»الآن فقط بتّ أشعر بأنني استنفدت هذا الموضوع، بعدما كتبت عنه ستّ روايات ومجموعتين قصصيتين وكتابين باللغتين العربية والألمانية. وكنت مشغولاً في قضايا العراق وأزماته وحروبه وحصاره ومحاربته واستباحته وتدمير ثقافته. وصرت أنظر إلى هذا البلد باعتباره ماضياً وذكريات وصوراً قديمة». وبهذا المعنى فإن الكتابة كانت محاولة لتحييد الذكرى وتسكين الألم قدر المستطاع – حسب كلامه- لأنّ فقدان الوطن كان أمراً مؤلماً وقاسياً على نحو لا يطاق. ثمّ إنّ العراق منجم لا ينضب للأحزان والمآسي والدمار والإبادة الجماعية، وما زال إلى يومنا هذا. فالصدمة النفسية واقعة في كلا الحالتين سواء زار العراق أو لم يزره.. و»أنا لا سبيل لي ولا وسيلة في معالجة نفسي المصدومة سوى الكتابة والتذكّر. فتخيّل مثلا أنّك تنتمي إلى بلد نُفذت فيه 67 ألف عملية انتحارية خلال 11 عاماً، أي منذ سقوط نظام البعث إلى الآن. وغالباً ما ينتابني هاجس بأنّ عمليات القتل اليومي هذه تحدث في أعماق نفسي، وكأنني عراق مصغّر أو «مشخصن»، فأسير كما لو أنّ الدماء تقطر من جسدي أينما حللت. ومع ذلك فأنا منفيّ حقيقيّ، على الرغم من الشروط المخففة التي نعيش في ظلّها. والمنفى نفسه تحوّل إلى خامة، أو آلة حادة شطرتني نصفين. فأنا لم أكن مرتاحاً ومطمئناً في وطني ولا في غربتي ومنفاي».
حالة القلق هذه، عاشها الموزاني بتفاصيلها، فكان هروبه من العراق وهو ابن الرابعة والعشرين عاماً حجرا كبيرا يمنعه من الانطلاق في فضاءات أوروبا، على الرغم من حياته التي رسمها لنفسها، وإنجازاته في المجال الأدبي، وترجماته الكثيرة التي شكّلت نقطة مهمة في مجال الترجمة.
هذا القلق ربما كان نابعاً من موقف الموزاني تجاه السياسة والدين العراقيين، فهو يعلن في كلامه عن التنوع العراقي وإرثه الاجتماعي: إنني لست شيعياً أو سنيّاً أو مسيحياً أو صابئياً أو مسلماً أو علمانياً، إنما عراقي قبل كلّ شيء. والعراق غنّي جدّاً في تنوعه الثقافي والتاريخي. فنحن نكاد نغرق في هويتنا الوطنية من فرط امتلائها، لأنّ هذا البلد هو مهد الحضارات والديانات والأساطير والثقافات والفنون. لكننا، وبسبب هذا الغنى الثقافي، لا نكاد نرى السبيل الصحيح للوحدة الوطنية، فمن كثرة الأشجار لم نعد نرى الغابة، مثلما يقول المثل الألماني. بالطبع أن العراق ليس أرضاً وجغرافية حسب، إنما مشاعر داخلية وذكريات ومعايشات نحملها معنا إلى المنفى وإلى كلّ مكان آخر. فنحن لم تتح لنا الفرصة بعد لكي نتلمس آثار ماضينا لتصبح جزءاً من ثقافتنا المهددة. وحجم الكوارث والتدخلات الخارجية والحروب في العراق يبرهن على عمق الهوية الثقافية، لهذا البلد، وإلا لما سعت القوى الشريرة لتدميره منذ اجتياح هولاكو إلى تيمورلنك إلى العثمانيين والفرس والإنكليز وانتهاءً بالأمريكان. ومن ناحية ثانية فإن تجربة المنفى الألماني تخبرنا بأن الجسد هو الذي يرحل وينفى، أمّا الروح فتبقى متشبثة بالوطن إلى الأبد. وكان هاجس الوطن يسيطر على الكاتب الألماني الشهير توماس مان في منفاه، فكان يقول إنّ ألمانيا تكون حاضرةً دائماً حيث أقف أنا.
على الرغم من تقديم الموزاني أكثر من رواية ومجموعة قصصية، غير أن كتابه «أعوام الجمر والرماد» شكّل مرحلة جديدة كان قراؤه يتمنون أن يستمر فيها، فهذا الكتاب الذي صدر العام الماضي ربما يمثل مرحلة انطلاق جديدة في فكر الموزاني، وهو ما يقول عنه الشاعر محمد مظلوم: إنه كتاب يجسد الإحباط في إعادة الصلة مع الوطن، ومع الماضي الشخصي بعد زوال الأسباب السياسية التي دفعته إلى المغادرة، ويجسِّد التأمَّل في تلك الهوة بين عالمين: عالم الفرد وعالم الجماعة، بتلك الاستعارة لعبارة ريلكه: «يا لهذا العالم الذي نشيّده فينهار، ثم نشيّده ثانية فننهار نحن!».
مضيفاً: بجرأة واضحة يتصدَّى الموزاني لنقد الفساد المستشري في اللحظة الثقافية في العراق، وخراب الضمير الاجتماعي، نقداً أقرب للمحاكمة والإدانة بعيداً من الرومنطيقية الوطنية، رغم أنه مسكونٌ بها حدَّ الوجع، ومن هنا مرارة تلك الجرأة في النقد الذي يطاول الشخصي والحميمي من الحاضر والأحلام، فكثيراً ما تغدو الأناشيد الرومنطيقية عن الوطن نوعاً من الخيانة عندما لا تتمَّ مراجعتها بموضوعية. فالشعر في العراق في أفول، وتلك أهم علامات الاحتضار الثقافي، والسياسة أكذوبة، والوطن هو اللاوطن، والطائفية هي الهوية الثقافية لمثقفي العراق الآن، والمرجعيات الدينية حلَّت بديلاً من مؤسسات الدولة. وتحولت مقرَّات حزب البعث إلى حسينيات، ومساجد، ومنابر للفتنة، بينما تلتبس صورة بغداد بين تاريخها وراهنها: « بغداد مدينة الفن والحب والخمر، وبغداد مدينة النار والدماء والرماد».
أما الناقد العراقي ناظم عودة، فيشير إلى روايته «اعترافات تاجر اللحوم»، الذي يبين أنها تتمتع بمزايا سردية تنأى بنفسها عن السقوط في الوعي السردي الزائف الذي حوّلَ الفنّ الروائي الجليل الصَّنْعة إلى كتابة أشبه شيء بالتهريج والتفريغ. فالتهريج، هو الأفعال والشخصيات الملفَّقَة، والثرثرة الكلامية العاجزة عن خلْق رؤية سردية عميقة تفصحُ عن حذْقٍ ومهارةٍ في صياغة العمل الروائي، والعاجزة عن أنْ تجسّدَ فنياً لحظةَ مخاض الفكرة، وولادتها من تصارع الأفكار المختلفة في ذهن المؤلف. أما التفريغ، فهو استعمال آلية للكتابة لا تختلف عن تفريغ تسجيلٍ معينٍ في حوار صحافي أو غيره من شريط صوتي، على نحو ما ينتشر الآن من أعمال تدّعي نسبتَها إلى هذا الفن الجليل، إذ يقوم الروائي بتفريغ حكايات شخصية وعامة على الورق دون القدرة على الخلْق والانتخاب ومعرفة أصول الكتابة الروائية. رواية حسين الموزاني، تنأى بنفسها عن كلّ هذا، فهي مكتوبة بقلم روائيّ حرّيف، تكشفُ عن خبرة متأصلة ومهذّبة بقراءات مختلفة لمدارس سردية متعددة. وهذه الخبرة، جنّبت الرواية الوقوعَ في المألوف السرديّ، فقد استعملَ الراوي لغةً سرديةً تقومُ على التعبير بالإيحاء والتصوير والرمز. وفضلاً عن ذلك، فهي من الروايات الفريدة في الاستعمال الوظيفيّ للعديد من اللهجات واللغات، وتوظيف ذلك كله لتنمية الفعل السرديّ ولتعميق حالة معينة تُوهم القارئَ بحقيقة الحدث، وتُدخله في منطق التفكير فيه كأنه جزء لا يتجزأ منه. فاستعمال الشعر الشعبي والحوارات العامية المنتزعة من الذاكرة، واستدعاؤها ثانية والتصريحات والأقوال السياسية، وغير ذلك، لم يكن مجرد حشوٍ بل هو جزء من بنية الحدث ووسيلة للكشف وتعميق الأثر.

القدس العربي- Dec 09, 2016